إنقاذ حياة ألف إنسان - عمل لا يمكن التملُّص منه

في الثالث من شهر آب/أغسطس 2014، هاجم إرهابيون مما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية" قرًى وبلدات في شمال العراق، بدعوى أنَّها موطن "للكفار": الإيزيديين والمسيحيين والمسلمين غير السُّنَّة. وقتلوا هناك نحو ثلاثة آلاف رجل أمام أعين عائلاتهم، وخطفوا ما لا يقل عن خمسة آلاف امرأة وطفل من أجل استغلالهم كعبيد.

يعيش في ألمانيا نحو مائة وتسعين ألف شخص إيزيدي، منهم مَنْ ولدوا فيها. في شهر أيلول/سبتمبر 2014، قام ممثِّلو مجلسهم المركزي في ألمانيا بعرض صور وتعذيب للأطفال وإعدامات علنية وحتى حالات صلب. وطلبوا المساعدة من أجل مواجهة هذه الكوارث. صدمت هذه المناظر السيِّد فينفريد كريتشمان، ولكن ولاية "بادن-فورتمبيرغ لا تملك جيشًا ..."، مثلما قال للإيزيديين.

تذكَّر الموظفون في وزارته ما حدث في أواخر السبعينيات، عندما استقبلت ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية فيتناميي "قوارب العار"، فالولايات الألمانية الاتِّحادية يحقُّ لها استقبال حصص خاصة من اللاجئين. وفي مؤتمر للأحزاب السياسية والمجالس البلدية والقروية والكنائس والجمعيات، سأل رئيس وزراء الولاية: "هل يجب علينا أن نحضر نحو ألف ضحية من ضحايا العنف الجنسي من شمال العراق؟".

وأضاف أنَّ "هذا ممكن من الناحية القانونية، ولكن تكلفته عشرات الملايين التي لن تتحمَّلها الحكومة الاتِّحادية، بل نحن وحدنا نتحمَّل المسؤولية الكاملة". رفع الجميع أيديهم موافقين في إجماع غير مسبوق.

أندرياس ماليسا صحفي إذاعي وتلفزيوني يعمل في القناة الألمانية الأولى ARD وهو كذلك لاهوتي إنجيلي في الكنيسة الحرة.  Foto: privat
أندرياس ماليسا صحفي إذاعي وتلفزيوني يعمل في القناة الألمانية الأولى ARD وهو كذلك لاهوتي إنجيلي في الكنيسة الحرة.

حياة كلّ إنسان مهمة

في المساء قبل عيد الميلاد، طرح فينفريد كريتشمان السؤال: "هل ستفعل ذلك يا سيِّد بلومه؟". يرى ميشائيل بلومه من خلال نافذة مكتبه في مبنى المستشارية شجرة عيد الميلاد المزيَّنة. هل يستطيع هو تغيير شيء ما في بؤس العالم؟ وما هو إلا رئيس قسم صغير في ولاية ألمانية تشتهر بالمواظبة أسبوعيًا على تنظيف منازلها المصطفة بعناية؟

يتذكَّر أنَّه قال لنفسه: "كلُّ شخص من جيلي شاهد فيلم 'قائمة شِنْدلَر' وتساءل: هل لدي الجرأة لفعل ذلك أيضًا؟ ثم أصبح هذا السؤال فجأة حقيقة ملموسة. حياة ألف إنسان! ماذا إن تملَّصْتُ من هذا العمل الآن؟" سمع نفسه يجيب: "نعم، أنا أستطيع فعل ذلك، ولكن يجب عليّ أوَّلًا أن أسأل زوجتي".

صلاة عيد الميلاد في الكنيسة البروتستانتية. أطفال ميشائيل بلومه أعمارهم أحد عشر عامًا وتسعة أعوام وثلاثة أعوام. وهذا أفضل عمر للاحتفال بعيد الميلاد مع الأطفال. زهراء وابنتها ميليسا تعزفان على الناي، وميشائيل يقرأ الفصل الثاني من إنجيل لوقا بصوت مرتفع. تندهش زهراء متسائلة لماذا تدمع عينا ميشائيل وهو يقرأ. توجد على المائدة سلطة البطاطس ونقانق من لحم الطيور. يتناولون الطعام ثم يتم تقديم الهدايا.

بعدما ذهب الأطفال إلى أسرَّتهم، أخرج ميشائيل ما في داخله: "سألني رئيس الوزارة إن كان بإمكاني أن أساعد ألف امرأة وطفل يستعبدهم تنظيم داعش على إحضارهم من العراق". تشعر زهراء بصدمة، وتسأل: "جميعهم مرة واحدة؟" - "لا، فهذا يحتاج الكثير من المهام". وتسأله: "كم مرة؟ كم يستغرق ذلك؟". يجيبها: "لا أعرف، يجب علينا إيجادهم والتحقُّق من وضعهم الصحي وإصدار تأشيرات سفرهم وإحضارهم وإيواؤهم. ربَّما يستغرق هذا عامًا كاملًا". تقول: "وفي كلِّ مرة يجب عليك أن تذهب إلى العراق؟".

يومئ برأسه. وفجأة تبكي وتمسك بيده وتقول: "نحن الاثنان نؤمن بأنَّ الله سيسألنا يومًا ما عمّا فعلنا مع البؤس الموجود على أبوابنا، أليس كذلك؟". يومئ ميشائيل برأسه مرة أخرى ويقول: "أشعر بالخجل دائمًا من الجرائم المرتكبة هناك باسم الإسلام. ويزعجني كثيرًا أنَّ هؤلاء الوحوش يطلقون على أنفسهم اسم مسلمين".

تنظر زهراء إلى ميشائيل وتقول: "لقد أصبحتَ الرجل الذي رأيته فيك تلك الأيَّام - في المدرسة، في درس التربية الأخلاقية - حسنًا: افعل ذلك، فحياة كلّ إنسان مهمة".

 

 
أندرياس ماليسا
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: مجلة كريسمون /  موقع قنطرة 2019

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : قصة زواج ناجحة بين مسيحي ومسلمة

ما يجري في الدول العربية والإسلامية يجعل الانسان منا يخجل من نفسه لان المجتمعات الأخرى تنظر إلينا بريبة لان قادات العرب ملوك ورؤساء ما استفادوا من تاريخ الحضارة الاسلامية التي ملات الارض عدلا بالأخلاق والعلم والمساوات بين الناس دون تمييز

عبدالقادر بن لزرق10.03.2019 | 22:41 Uhr