بدأت ألوان أحجار أهرامات الجيزة في مصر في التغير مع ظهور تشققات بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

أهرام مصر وبابل العراق وشبام اليمن وبتراء الأردن وغدامس ليبيا
تغير المناخ يهدد آثار الشرق الأوسط

احترار في الشرق الأوسط زاد بمعدل أسرع بمرتين من نظيره العالمي مع تفاقم تداعيات التغير المناخي. وهذا يشكل خطرا أكبر على آثار المنطقة العربية مقارنة بغيرها في العالم. استطلاع كاثرين شير.

في الماضي، كانت بابل أكبر مدينة في العالم، إذ يُعتقد أن المدينة القديمة كانت موطن الحدائق المُعلّقة التي تعد إحدى عجائب الدنيا السبع بالإضافة إلى برج بابل الأسطوري.

لكن اليوم، فإن مدينة بابل القديمة بدأت تنهار حيث تتساقط واجهات الجص التي أعيد بناؤها، من الجدران فيما أصبح الدخول إلى بعض المباني خطرا بعد أن كانت مقصدا للسائحين. وتأسست مدينة بابل القديمة الواقعة في جنوب العراق، قبل حوالي 4300 عام لتصبح مزيجا من الحداثة والعراقة.

وفي مقابلة مع دويتشه فيله، قالت إليانور روبسون، أستاذة تاريخ الشرق الأوسط القديم في جامعة "كوليدج لندن"، لقد أدى تسرب المياه الجوفية لسنوات وفصول الصيف شديدة الحرارة إلى انهيار المباني. وأضافت روبسون التي تفقدت المواقع التراثية العراقية: "قضيت يوما خلال مايو/ أيار الماضي 2022 في التجول برفقة عمار الطائي وفريقه من صندوق الآثار العالمي في العراق. لقد كان الأمر محزنا للغاية. إنهم يشاهدون المكان وهو ينهار أمام أعينهم."

وأدرجت المدينة العراقية القديمة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2019، لكنها ليست الموقع الأثري الوحيد في الشرق الأوسط الذي يتأثر بتفاقم تداعيات ظاهرة التغير المناخي.

أهرامات الجيزة

تضم القائمة أيضا أهرامات الجيزة في مصر. إذ بدأ لون الحجارة في الهياكل التاريخية يتغير مع حدوث تشققات جراء ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة.

كذلك، تواجه المواقع التاريخية الأخرى في الشرق الأوسط خطرا جراء تكرار حرائق الغابات والعواصف الرملية، فضلا عن مستويات تلوث الهواء الخطيرة وارتفاع مستوى الملوحة في التربة وارتفاع مستوى سطح البحر.

ففي الأردن، تزايدت المخاوف من أن أجزاء من مدينة البتراء التي يبلغ عمرها حوالي 2300 عام وتذخر بمبانٍ شيدت في جوانب الجرف الصخري، باتت معرضة للخطر بسبب احتمالات ارتفاع وتيرة الانهيارات الأرضية.

وفي اليمن وتحديدا شرق البلاد، لا تزال الأمطار الغزيرة تلحق الضرر بالمنشآت الشهيرة المبنية من الطوب في وادي حضرموت، كما جرفت السيول العارمة التي باتت أكثر شيوعا في البلاد، المباني المبنية من الطوب.

 

قلعة قايتباي في مدينة الأسكندرية التي يرجع تاريخها للعصور الوسطى، أصبحت مهددة بارتفاع منسوب مياه البحر. Aegypten Zitadelle von Qaitbay in der aegyptischen Stadt Alexandria Foto Getty Images
قلعة قايتباي في مدينة الأسكندرية التي يرجع تاريخها للعصور الوسطى، أصبحت مهددة بارتفاع منسوب مياه البحر: ذكرت ورقة بحثية أن الاحترار في منطقة الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط "يزداد أسرع بمرتين من المعدل العالمي في المناطق الأخرى المأهولة بالسكان في العالم".

 

أما في ليبيا، فقد أصبحت واحة غدامس القديمة مهددة بالزوال بسبب جفاف مصادر المياه الرئيسية ما أدى إلى زوال الغطاء النباتي ودفع السكان إلى الرحيل. فيما باتت المواقع الأثرية المطلة على الساحل في المنطقة معرضةً للخطر جراء ارتفاع منسوب مياه البحر وحدوث فيضانات.

وشهد شهر سبتمبر/ أيلول 2022، قيام فريق من الباحثين من معهد ماكس بلانك للكيمياء الحيوية في ألمانيا والمعهد القبرصي بنشر ورقة بحثية تنبأ الباحثون فيها بأن الأسوأ قادم. وذكرت الورقة البحثية أن الاحترار في منطقة الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط "يزداد أسرع بمرتين من المعدل العالمي في المناطق الأخرى المأهولة بالسكان في العالم".

وتدق نتائج البحث ناقوس الخطر، حيث أن القلاع والحصون والأهرامات والمواقع القديمة الأخرى في الشرق الأوسط باتت معرضة لخطر أكبر من أي وقت مضى بسبب التغيرات المناخية.

الأماكن الأكثر عرضة للخطر

وفي هذا السياق، قال المجلس الدولي للآثار والمواقع (ICOMOS) إن تغير المناخ أصبح "أحد أخطر وأسرع التهديدات التي تواجه الناس وتراثهم الثقافي في جميع أنحاء العالم".

من جانبه، قال نيكولاس باكيرتزيس، الأستاذ المتخصص في علم الآثار والتراث الثقافي في معهد قبرص، لا شك أن "التراث الثقافي في الشرق الأوسط بات معرضا للخطر أكثر من التراث الثقافي في أماكن أخرى من العالم مثل أوروبا". وعزا باكيرتزيس ذلك إلى أمرين: الأول يرتبط بتفاقم ظاهرة التغير المناخي وارتفاع الاحترار بمعدل أسرع مقارنة بباقي مناطق العالم. ويعود السبب الثاني إلى أن العديد من بلدان الشرق الأوسط يساورها القلق حيال قضايا أخرى غير الحفاظ على التراث والمواقع التاريخية، لا سيما أن الكثير منها مازال يئن تحت وطأة أزمات اقتصادية أو سياسية فضلا عن صراعات وأعمال عنف وقتال. وأضاف أن "الجميع يدرك أن (الحفاظ على التراث) يمثل تحديا، لكن لا يستطيع كل شخص تحمل فكرة أن يتصدر هذا الأمر الأولوية".

الجدير بالذكر أن ظاهرة تغير المناخ تؤثر على مواقع التراث في القارة الأوروبية أيضا، لكن الفارق هو أن أوروبا صارت في وضع أفضل في إدارة هذه الأزمة مقارنة بمنطقة الشرق الأوسط.

 

تهدد الأمطار الغزيرة والسيول مدينة شبام اليمنية التي تعد أقدم مدينة ناطحة سحاب في العالم. Jemen Stadt Shibam in der Provinz Hadramaut im Osten des Jemen Foto Getty Images
تهدد الأمطار الغزيرة والسيول مدينة شبام اليمنية التي تعد أقدم مدينة ناطحة سحاب في العالم: في اليمن وتحديدا شرق البلاد، لا تزال الأمطار الغزيرة تلحق الضرر بالمنشآت الشهيرة المبنية من الطوب في وادي حضرموت، كما جرفت السيول العارمة التي باتت أكثر شيوعا في البلاد، المباني المبنية من الطوب.

 

وفي الشرق الأوسط، ثمة بلدان تحرز تقدما في إدارة المواقع الأثرية لمواجهة خطر التغير المناخي مثل مصر والأردن ودول الخليج، لكن في المقابل توجد دول أخرى لا يمكنها القيام بالأمر ذاته. وفي ذلك، قالت إليانور روبسون، أستاذة تاريخ الشرق الأوسط القديم في جامعة "كوليدج لندن"، إنه جرى إنشاء منظمات حكومية لإدارة المواقع التراثية مثل مجلس الدولة العراقي للآثار والتراث.

لكنها شددت على أن هذه المنظمات تعاني "من نقص حاد في الموارد والتجهيز والتدريب، بسبب العقوبات وما وقع خلال العشرين عاما الماضية في العراق. وباتت الآن الحاجة إلى الموارد المادية أكثر إلحاحا، مما يجعل صيانتها أكثر تكلفة".

من جانبه، يسلط إبراهيم بدر، الأستاذ بكلية الآثار بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الضوء على قضية في غاية الأهمية تتمثل في الوعي حيال تأثير ظاهرة التغير المناخي على الآثار. ويقول إن "الوعي بالحاجة إلى حماية المواقع التراثية من تغير المناخ ما زال في مهده". ويضيف "أجريت بعض الدراسات لكن لم يرق الأمر إلى اتخاذ إجراءات على أرض الواقع. لسوء الحظ، فإن معظم دول الشرق الأوسط ليست على أهبة الاستعداد لمواجهة تداعيات هذه القضية، وهذا ما يؤثر بالسلب على المواقع الأثرية".

رحيل المجتمعات المجاورة للآثار

وفي سياق متصل، حذر خبراء من أن التغير المناخي لن يؤثر بالسلب على المواقع الأثرية فحسب وإنما على المجتمعات التي تعيش بالقرب منها. وعن ذلك يقول باكيرتسيس إن الأمر لا يتعلق فقط "بموقع أثري أو معبد قديم، بل يتعلق الأمر أيضا بالمجتمعات التي تحافظ على المواقع الأثرية". ويشدد على أن ظاهرة التغير المناخي ستدفع مجتمعات إلى الهجرة مع تفاقم ظروفها المعيشية. ما قد يعني في نهاية المطاف تلاشي المجتمعات التي تعتني بالأماكن الأثرية بل وتلاشي الإرث الثقافي الذي تزخر به.

 

منعت الحرب أعمال التطوير في موقع لبدة الأثري الواقع غرب ليبيا والذي بات مهددا بسبب ارتفاع مستوى البحر.Libyen Küstenstadt Al-Khums in Libyen Foto Getty Images
منعت الحرب أعمال التطوير في موقع لبدة الأثري الواقع غرب ليبيا والذي بات مهددا بسبب ارتفاع مستوى البحر: فيما باتت المواقع الأثرية المطلة على الساحل في المنطقة معرضة للخطر جراء ارتفاع منسوب مياه البحر وحدوث فيضانات. وأيضا في ليبيا أصبحت واحة غدامس القديمة مهددة بالزوال بسبب جفاف مصادر المياه الرئيسية ما أدى إلى زوال الغطاء النباتي ودفع السكان إلى الرحيل.

 

ويستشهد في ذلك بما طرأ على بعض المواقع المسيحية القديمة في العراق، والتي هاجرت منها أعداد كبي بسبب الحرب وتغير المناخ وهجمات تنظيم "داعش". وأضاف أنه "في الوقت الحالي، لا يزور أحد هذه الأماكن ولا يهتم بها أحد حتى قليلاً وها هي تتحول إلى أنقاض".

أعمال نهب

ويشير الخبراء إلى أن مشكلة أخرى تهدد المواقع الآثار، وتتمثل في قيام بعض السكان بالبحث عن الآثار لبيعها ومن ثم تهريبها إلى الخارج بسبب تزايد معدلات الفقر. وتقول روبسون "عندما يصبح الناس غير قادرين على إعالة أنفسهم بسبب التصحر وارتفاع درجات الحرارة، فمن المحتمل أن نشهد تجدداً لِأعمال النهب التي تستهدف المواقع الأثرية سواء لتحقيق مكاسب مالية كبيرة أو حتى لو لتحقيق الكفاف". وتستشهد بما حدث في العراق أثناء وبعد الغزو الأمريكي عام 2003.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة