كما أن هناك مشهدا قصيرا يتعذر على المشاهد أن يجد تفسيرا واضحا له من الوهلة الأولى وذلك عندما حاصرت نساء الأمير -المسمات في الأوبرا بالحريم- كلا المعتقلين وتعرضن لهيلين بدرجة كبيرة من الإهانة والقسوة دون أن يفهم عما إذا الأمر يتعلق بتعذيب دموي أم بمحاولة من النساء لختن هيلين.
 
تتضح "النهاية السعيدة" لقصة الحب بعد فرض الصليبيين هيمنتهم على الأراضي المقدسة وكشف روجير شقيق كونت تولوز النقاب عن محاولة اغتياله معترفا بأنه كان مدبر عملية الاغتيال.
 

 

{ارتكزت فكرة الحروب الصليبية على الأفكار التي زرعتها كنيسة روما في نفوس النبلاء والأكليروس وعامة الناس بكون تلك الحروب ستؤدي تحت راية الصليب إلى إنهاء حكم المسلمين في فلسطين وإعادة الهيمنة المسيحية لكافة أنحاء بلاد الشام - وفق ما يكتب عارف حجاج.}
 

بعد ذلك عمد روجير  إلى الانتحار فيما سادت فرسان الحملات الصليبية الفرحة بالانتصار الحربي وبعودة المياه إلى مجاريها بين الفارس الأرستقراطي غاستون وزوجته هيلين.

نظرتان تاريخيتان متضاربتان حول الحروب الصليبية

فيما مجد الغرب المسيحي في ذلك الحين ولقرون عديدة بعدها الحروب الصليبية قيمها علماء الإسلام على نحو سلبي مطلق. وقد أشار معدو هذه الأوبرا إلى "الوجه الآخر" لتلك الحروب أي لوجهة النظر العربية والمسلمة المغايرة تماما وشددوا على أهمية الأبحاث التاريخية التي أعدها على سبيل المثال ابن الأثير في هذا السياق.

فقد وصف هذا المؤرخ المشهور  في كتابه "الكامل في التاريخ"  حوادث عام 492 هـ أي 1099 م كالتالي:

"... حدثت مأساة وفاجعة عظيمة يشيب لهولها الولدان وتضع لمصابها كل ذات حملٍ حملها !، ألا وهي سقوط بيت المقدس، ففي يوم الجمعة، اقتحم الصليبيون المدينة المقدسة بعد حصار دام أكثر من أربعين يومًا. انظر: فأحدثوا بالمدينة من الأعمال الوحشية اللاإنسانية ما تأبى الحيوانات البربرية المُفترسة أن تفعلهُ بمثيلاتها.

لقد لجأ مئات من المسلمين إلى سطح المسجد الأقصى؛ فقد أعطاهم ( تانكرد ) -أحد قواد الصليبيين- الأمان بل أعطاهم رايته ضمانًا لهم ؛ إلا أنهم في اليوم التالي ذبحوا جميعًا ذبح النعاج على أيدي الصليبيين، فقد دخلوا الحرم الشريف وقتلوهم جميعًا بلا استثناء، غير عابئين بالأمان الذي أعطاه تانكرد للأهالي، ولا برايته التي رفعوها اعتقادًا منهم أنها ستحميهم.

بل إنهم لم يتركوا مُسلمًا في الطُرقات أو البيوت أو المساجد إلا قتلوه واستباحوا دمه، دون أن يُفرقوا بين رجل وامرأة وطفل وشيخ! ؛ ولم يرعَ الصليبيون حُرمة المسجد الأقصى فأجهزوا على كل من احتمى به من المُسلمين وعددهم يزيد على سبعين ألفًا ".
 
تناول غربي لاحق للحروب الصليبية على وجه نقدي
 
الجدير بالذكر أن الأبحاث التاريخية في العالم الغربي بدأت هي أيضا تتناول ملف الحروب الصليبية ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر/ بداية القرن العشرين على وجه نقدي، جعلها تفتقد الروحانية التقليدية والعمق الديني وتتسم بصفات محض سلبية كالرغبة في بسط النفوذ لاعتبارات تسلطية أو تجارية. 
 
كما انتقدت هذه الأبحاث روح البطش والعدوانية التي استخدمها القادة الصليبيون ليس فقط تجاه السكان المسلمين في فلسطين وبلاد الشام عامة، بل أيضا تجاه سكان بيزنطة المسيحيين غير المنتمين للكنيسة الرومانية كما سبقت الإشارة.

 

 
عارف حجاج
حقوق النشر: عارف حجاج / موقع قنطرة 2019

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.