إبراهيم مشارة: قصتي مع السماء وأجرامها

هكذا وصل اسم كاتب جزائري إلى كوكب المريخ

يتساءل: كم الذين يعلمون أن مواقع نجوم كثيرة تغيرت لكن ضوءها مازال يصلنا وفقا لمواقعها القديمة نظرا لشساعة الكون؟ متذكرا الآية القرآنية "فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم". دفعه فضوله إلى البحث في خلق الكون وما كان قبله ويأخذه دوار وهو يتذكر قول آينشتاين إن الانفجار العظيم أنتج الزمان والمكان. إبراهيم مشارة كاتب جزائري يحكي لنا قصته مع علم الفلك وعن أشعار جاهليين وإسلاميين تحت قبة السماء.

شغفت بالسماء منذ كنت صغيرا، ومازالت ذاكرتي تحتفظ بتلك الصورة المحببة إلى نفسي، صورة فتى صغير يقلب النظر في أجرام السماء في ليلة صافية الأديم غاب فيها القمر أولم يشرق بعد.

كان قلبي يدق على إيقاع جريان الكواكب في أفلاكها والنجوم في حركتها الظاهرية، وكان المنظر يزداد بهاء خاصة وأنا أرقب السماء قرب بيتنا في بلدتي زمورة ذات الموقع الجبلي وكان طابعها الريفي يضفي على المنظر مسحة رومانسية أخاذة يختلط فيها حفيف الشجر خاصة شجر السرو والصنوبر بصياح الديكة وبعبق الفجر المندى.

أشعار الجاهليين والإسلاميين تحت قبة السماء

وكانت السماء تبدو قريبة مني وكأني أوشك أن ألمسها، ويسرف بي الخيال ممعنا في الإبحار فأخال السماء لجة طفت على صفحتها بقع نورانية – هي النجوم والكواكب – وأزعم لنفسي أني أتدلى نحو قرار تلك اللجة، وأما القمر ذاته إن أشرق يسري الهوينى كنت أحسبه راعي ذلك القطيع الضخم من النجوم يرعاها بصبر وأناة وهي تمرح أمام عينيه على سطح تلك اللجة المدلهمة وتحضرني الأشعار-أشعار الجاهليين والإسلاميين – حول تلك القبة وبهجتها وأشد الأبيات تأثيرا في نفسي قول النابغة:

 

كليني لهم يا أميــــــــمة ناصـب

وليــــــــل أقاسيه بطيء الكواكـب 

تـطاول حتى قلت ليس بمنــقض

     ولـيس الذي يرعى النجـوم بآيـب

 

ويختلط في نفسي شعور حب الليل –لأنه الوقت الذي أخلو فيه إلى درري من فرائد السماء– بشعور الخوف منه لأن فيه وحشة والناس نيام وأنا وحدي أسامر القمر وهو يرعى النجوم، كما كان ظلامه الدامس إن غاب القمر مرعبا لأنه يذكرني بظلام اللحد وكنت أحس ببيت النابغة إحساسا حين يقول للملك النعمان بن المنذر:

 

فإنك كالليل الذي هو مـــــدركي

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

 

وأما قصيدة المعري "عللاني" فكنت أتلوها على مسمعي بصوت متأنٍ

وأنا أستعذب ألفاظها وأستمتع بجمال صورها، وأحار في هذا الشاعر الضرير أنى له هذه الدقة في استقصاء النجوم ومواقعها ؟خاصة التشبيه

في البيت الثاني وهو تشبيه مزدوج (اللون والحركة):

 

وكـــــأن الهلال يهـــوى الثريا

                    فهـــما للـــــوداع معتـنقــــــان

وسهيل كوجنة الحب في اللــو

                    ن وقلب المحب في الخفقـــان

                    ضرجته دمـا سيـوف الأعـادي

      فبكت رحمة لـه الـشـعريــــان

                    ونضا الفجر على نسره الــــوا

    قـــع سيفا فهــــــــــم بالطـيـران 

الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة (الحائز على جائزة الاستحقاق من دار ناجي نعمان بيروت 2008).
عشق لعلم الفلك أوصل اسمه إلى المريخ: يقول الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة "ما زلت أذكر وأنا طالب بالمرحلة الثانوية كيف كنت أغشى المكتبات بحثا عن كتب جديدة فإن وقع بصري على مؤلف جديد بعت ملابسي لتوفير ثمنه ... لقد اتسعت معرفتي في هذا العلم ولم أعد أكتفي بالمطالعة فيه فقط بل صرت أقوم بالحساب وأستطيع التنبؤ بتاريخ الكسوف ومكان حدوثه كما أستطيع تعيين تواريخ الكسوفات الشمسية والخسوفات القمرية لمئات السنين الماضية ومكان حدوثها وأقرأ الأزياج الفلكية وأفهمها ولا يقع حدث في السماء إلا وأسرعت للعلم به ... ومن ذكرياتي التي لا تنسى اشتراكي في برنامج علمي على الإنترنت نظمته الوكالة الأمريكية للفضاء حول البحث عن الماء في المريخ وكنت قد قرأت عن هذا الكوكب كل ما وقع في يدي من كتب ودوريات ومجلات متخصصة، وكانت دهشتي عظيمة حين رأيت الوكالة تكرمني باقتراح تدوين اسمي على قرص مضغوط مع أسماء علماء ورؤساء دول سابقين وأثرياء ومشاهير ويرسل هذا القرص إلى المريخ على متن المركبة الفضائية غير المأهولة Exploration Rover Mars ليبقى هذا القرص هنالك إلى الأبد وأرسلت إلي الشهادة ممضاة من قبل مدير بحوث الفضاء في ناسا".

الشعرى اليمانية والشامية ونجم سهيل والثريا - "وأنه هو رب الشعرى"

وازداد تعلقي بالسماء ونجومها، وقرأت كثيرا عن أساطير الإغريق حولها كأندروميدا، وهرقل والجوزاء والعقرب والجبار أوالصياد والملتهب وأساطير العرب كأسطورة الشعريين تلك الأسطورة التي تزعم أن الشعرى اليمانية Sirius  وهي من ألمع نجوم السماء في الشتاء وقد ذكرها القرآن الكريم في سورة النجم في قوله تعالى: "وأنه هو رب الشعرى" فتزعم الأسطورة أن هذا النجم قد عبر نهر المجرة وهو المعروف بالطريق اللبني أو درب التبان مع الحبيب نجم سهيل Canopus  ولهذا تسمى بالشعرى العبور، ولم تستطع أختها الشعرى الشامية Procyon  اللحاق بها فبكت حتى تقرحت عيناها من فرط البكاء وبقيت على طرف المجرة ولهذا تسمى بالغميصاء أي متقرحة العينين من البكاء فالشعرى العبور مالت نحو الجنوب من السماء أي جهة اليمن فهي اليمانية والغميصاء مالت نحو الشمال أي جهة الشام فهي الشامية.

وأما نجم سهيل Canopus أحد عمالقة النجوم الحمراء في السماء الجنوبية -والذي يبعد عنا حوالي أربعمئة سنة ضوئية ويستفاد من موقعه باتخاذه نقطة مرجعية في توجيه السفن الفضائية في رحلاتها بين الكواكب إضافة إلى الشمس- فكنت أذكره كلما نظرت إلى الثريا Pléides  تلك النجوم المجتمعة قرب برج الثور في السماء الشمالية وأتذكر قول الشاعر الأموي عمرو بن أبي ربيعة عن حبيبته الثريا بنت علي بن عبد الله لما خطبت إلى سهيل بن عبد الرحمن وتزوجها:

 

                   أيها المنكح الثريا سهيلا 

                   عمرك الله كيف يلتقيان؟ !

                   هي شامية إذا مااستقلت

                   وسهيل إذا مااستقل يمان

 

فلتة من فلتات العبقرية الشعرية

وذلك على سبيل التورية فالمعنى القريب للثريا تلك النجوم والمعنى المقصود هو الحبيبة وكذلك سهيل إذ يتبادر إلى الذهن نجم سهيل غير أن المقصود سهيل بن عبد الرحمن بن عوف العريس. وهي فلتة من فلتات العبقرية الشعرية فقد زعم الشاعر أن الاجتماع والتآلف بين العريسين لن يتم لاختلاف موطنيهما تماما كاستحالة الاجتماع بين نجم سهيل وكوكبة الثريا!

كانت تلك نظرة إنسانية رومانسية حالمة لأزمتني في طفولتي وما زالت لأني أحب الاندغام في الكون حتى أحسب أن قلبي مركزه وأن حفيف الشجر وهبات النسيم وتلألأ النجوم ما هي إلا أصداء لنبض قلبي، ثم قررت بدافع من فضولي أن أدرس علم الفلك وأعرف حقائق السماء وأجرامها معرفة علمية دقيقة أجمع بينها وبين النظرة الشعرية في تآلف ومودة، وهكذا أحضرت كتب الفلك وأنفقت الليالي في دراستها وما زلت أذكر ذلك القلق الذي كان ينتابني حين يستعصي علي ويستغلق على فهمي موضوع دقيق من مواضيع  هذا العلم وأحاول الكرة وأخيب ثم أحاول كرة أخرى حتى أوفق وتنفتح مغاليقه.

ولقد بدأت في الدراسة لوحدي وكان ذلك دأبي بعصامية مستبسلة فقرأت الكتب المبسطة وتدرجت في الدراسة حتى الكتب المتخصصة ولم أستثنِ معارف القدماء كبطليموس والبتاني والبيروني وعبد الرحمن الصوفي وغيرهم، وقدرت أن معرفتي ستبقى شوهاء إذا لم أقرأ في تاريخ هذا العلم منذ البابليين وحتى فلكيي العصر الحاضر، فالتهمت ماوقع في يدي من كتب في تاريخه لأعلامه كجورج سارتون، وكارلو نيللنو، وغوستاف لوبون والقفطي وطوقان وغيرهم.

من البابليين وحتى آينشتاين

وهكذا اجتمع لي قدر مهم من تاريخ الفلك منذ البابليين والكلدانيين وحكاية البروج إلى طاليس وبطليموس إلى البيروني والصوفي والبوزجاني وابن الشاطر إلى كوبرنيكوس وكبلر وبراهى وجاليليو ونيوتن ثم إلى آينشتاين ونظرية النسبية العامة ثم فيزياء الكم وتطبيقاتها الفلكية عند فرمي وستيفن وينبرغ وستيفن هوكينغ وصولا إلى باتريك مور عالم الفلك المعاصر مؤلف كتاب " غينس في علم الفلك".

لقد صار هذا العلم هوايتي المفضلة قراءة ورصدا للسماء وأجرامها وظواهرها، وأما البهجة التي كانت تغمرني حين أفهم موضوعا ما فهي لا تقدر بثمن، كأني ملكت الدنيا، وكم طردت النعاس الذي هجم علي ليدفعني إلى الفراش واستبسلت في دفعه بغسل الوجه بالماء البارد وشرب المنبهات حتى إذا لاح الصباح لم تستطع قدماي أن تحملني.

 

......................................................

طالع أيضا

ثقافة فلكية متجذرة في الأدب العربي والعقل الإسلامي - مكانة علم الفلك لدى العرب والمسلمين

كنز إسلامي في مالي - مخطوطات عربية في الفلك والطب والتاريخ والدين والشعر والقانون

ما يجهله الغرب ومسلمون عن الإسلام والمسلمين - جانب الإسلام المشرق المجهول في أوروبا وأمريكا

تعليم الغرب احترام العرب والمسلمين - الفيلم الألماني ميديكوس (الطبيب) وعصور الإسلام الذهبية

......................................................

 

حقائق الفلك في القرآن

وما زلت أذكر وأنا طالب بالمرحلة الثانوية كيف كنت أغشى المكتبات بحثا عن كتب جديدة فإن وقع بصري على مؤلف جديد بعت ملابسي لتوفير ثمنه، وأذكر مرة أني مررت بمكتبة عرض في واجهتها كتاب عنوانه " المنهج الإيماني للدراسات الكونية في القرآن الكريم" ومن العنوان عرفت أن المؤلف سيتناول حقائق الفلك مقارنا إياها بالآيات الكونية في القرآن وقلت لا بأس ربما أجد في الكتاب أشياء مهمة يجدر بي معرفتها.

وزاد من شوقي ولهفتي على الكتاب غلافه المتضمن سديم رأس الحصان وهو سديم مشهور مازال يتصدر أغلفة الأطالس والمجلات الفلكية والكتب، وأسقط في يدي ولم أعرف كيف أوفر ثمن الكتاب وكان حوالي مئة دينار وهو مبلغ مهم بل هو مصروف شهر وأهلي سيمانعون في شرائه لغلائه، وأذكر أنني ذهبت إلى جدي لأمي ورجوته بل توسلت إليه بما يضمره لي من محبة وحدب أن يقرضني المبلغ لأنتفع بالكتاب ثم أسدده ولو على أقساط، وكان جدي متقاعدا يعيش على منحة التقاعد وكانت لا تسد الحاجة ولا تدفع الخصاصة وقبل جدي، وأسرعت في طلب الكتاب ومن شوقي إليه وفرحتي به فتحته في الطريق متصفحا، وقد انتفعت به في معرفة دورية الكسوف والخسوف وكيفية التنبؤ بهما وهو حدث جلل بالنسبة لفتى مثلي!

وتاقت نفسي إلى رؤية أجرام السماء بالمنظار واحتلت في الحصول عليه غير أن ذلك كان دونه خرط القتاد، وكنت أعتقد أن جدي لأبي المقيم بباريس لا يحرمني منه إن طلبته غير أن إرساله في علبة بريدية ستنتهي به محجوزا لدى مصالح الجمارك لأن ذلك ممنوع، ثم أن جدي لا يزور البلد إطلاقا منذ أكثر من عشرين عاما.

"صرتُ أقوم بالحساب وأستطيع التنبؤ بتاريخ الكسوف"

وهكذا تخليت عن هذه الفكرة، حتى تعرفت إلى صديق من طلاب الثانوية واشتدت عرى الصداقة والزمالة بيننا وأخبرني في يوم من الأيام أنه يملك منظارا مقربا ليس مخصصا للرصد السماوي، ولكنه يريك أشياء لا ترى بالعين المجردة كالنجوم المزدوجة وفوهات القمر الكبيرة، وطلبت منه المنظار على سبيل الإعارة، وأخذته منه وكان ثقيلا وأنفقت ليال  عديدة أرصد أجرام السماء حتى مللت وتعبت قدماي من المشي وعيناي من النظر، واقترح علي خالي وكان يكبرني بخمس سنوات تغيير أبعاد العدسات ليكون المنظار قويا وبعد الفراغ من الرصد تعاد العدسات إلى سابق وضعها غير أن خالي كسر المنظار، ووجدتني في حرج من صديقي وتمنعت وتعللت ثم كشفت له الحقيقة، وأبديت له استعدادي تعويض ثمنه، وكان حوالي أربعمئة دينار وهو مبلغ كبير إنه مصروف نصف سنوي بالنسبة لطالب مثلي واتفقنا أن يكون الدفع على أقساط ، وأقسم صديقي أنه لو كان ملكه لما طالب بثمنه، وسواء أكذب الصديق أم صدق فهو صاحب فضل ومن الواجب تعويضه مع الشكر، ومرة أخرى بعت ملابسي الفرنسية الصنع والتي كان جدي يتكرم بإرسالها من باريس من حين لآخر لتسديد الدين.

لقد اتسعت معرفتي في هذا العلم ولم أعد أكتفي بالمطالعة فيه فقط بل صرت أقوم بالحساب وأستطيع التنبؤ بتاريخ الكسوف ومكان حدوثه كما أستطيع تعيين تواريخ الكسوفات الشمسية والخسوفات القمرية لمئات السنين الماضية ومكان حدوثها وأقرأ الأزياج الفلكية وأفهمها ولا يقع حدث في السماء إلا وأسرعت للعلم به.

 

 

فيزياء الكم المبسطة - ما أعقدها! وما أغربها!

صرت أعرف النجوم في السماء وأعرف بالتحديد المجموعة النجمية التي تنتمي إليها وبعدها عنا، ويحدث أن أسير في الليل فأحدث مرافقي عن مركز مجرتنا درب التبانة ناحية برج القوس و أشير إليه، حتى ليأخذ مرافقي العجب وأعرف البروج بدقة ومواقع الكواكب فيها وخضت في أعماق السماء دارسا الحشود النجمية والمجرات والعدسات التثاقلية والثقوب السوداء والكوازارات والمجموعات المجرية ومن حين لآخر أقرأ في النسبية العامة لزيادة معرفتي بهندسة الفضاء-زمن، ودفعني فضولي المعرفي إلى البحث في كيفية خلق الكون وكنت أقول لنفسي إذا قدر لي أن أموت فلأكن عارفا بالأمر أفضل من أكون جاهلا واستعنت بشروحات فيزياء الكم المبسطة وما أعقدها!وما أغربها!.

و أتساءل دائما وإلى الآن عن ما قبل ميلاد الكون ويأخذني الدوار وأحيانا قشعريرة وأنا أتذكر قول آينشتاين إن الانفجار العظيم أنتج الزمان والمكان أما قبل الانفجار فلا جدوى ولا معنى للتساؤل؟ وإلى الآن لا يفوتني خسوف قمري دون رصده لرؤية بقعة مخروط ظل الأرض ودخول القمر فيه.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة