ظاهرة فلكية شديدة الدقة

وقد قادني رصد خسوف قمري في التاسع من جانفي عام 2001 إلى فهم ظاهرة فلكية شديدة الدقة، إنها مباكرة الاعتدالين، لقد كنت أسمع بها دون فهم، فقد قدرت يومها بل ليلتها أن ظل الأرض لابد أن يقع على برج السرطان، فإذا به يتقهقر واقعا على برج الجوزاء وأسقط في يدي وضربت الأخماس في الأسداس محاولا فك هذا اللغز حتى اهتديت إلى الحل في كتاب بعنوان "آفاق فلكية ".

ولقد شرعت في قراءته في الطريق لهفة وشوقا إلى مضمونه، وتصوروا فرحتي بفهم لغز حيرني أياما وليال ولقد بقيت عشرين عاما أرقب حدوث كسوف شمسي بالجزائر يوم 11 أغسطس عام 1999 وأحسب الشهور وأستثقل السنين مستعجلا إياها حتى رصدته في ميعاده ولولا ضيق ذات اليد لطرت إلى بلدان العالم لمعاينة كسوفات كلية بلذة وبهجة غير آسف على إنفاق المال والوقت.

"كم أتعبني البحث عن كوكب عطارد"

ولكم غامرت بعيني في سبيل مشاهدة الكلف الشمسي، فكنت آخذ المنظار وأسير في الخلاء منتظرا غروب الشمس ومعتمدا على الغلاف الجوي وحده كمرشح، وأصوب المنظار نحو الشمس لألاحظ البقع السوداء على سطحها وأحصيها وأحدد موقعها، ثم أعود إلى رصدها بعد أيام متأكدا من تحركها نحو الشرق من الشمس مستدلا بها على دوران نجمنا حول نفسه، آملا في الأخير ألاَّ تكون الأشعة المتسللة إلى عيني قد سببت لي أي أذى.

وكم أتعبني البحث عن كوكب عطارد ذلك أن رصده صعب بسبب قربه من الشمس وقصر المدة التي يمكثها في الأفق بعيد غروب الشمس جهة المغرب أو قبيل شروق الشمس جهة المشرق، وأنفقت الشهور باحثا عنه متحملا في الشتاء زمهريره وفي الصيف قيظه حتى اكتشفته وميزته بالعين المجردة ولقد كان اكتشافه من قبل بطليموس في برج العقرب إحدى معجزات هذا الفلكي اليوناني العظيم.

قلنسوة المريخ البيضاء وفوهة كوبرنيكوس على سطح القمر

ومن ذكرياتي التي لا تنسى والتي صارت مصدر متعة وبهجة كلما عدت إليها مستعيدا لحظاتها اشتراكي في أغسطس من عام 2003 م في رصد اقتران المريخ بالأرض مع جمعية "أطلس" الفرنسية قرب مطار شارل ديغول بضواحي باريس، قضيت ليلة بأكملها أرصد الكوكب الأحمر بمنظار قوي هو ملك للجمعية وكان تفاعلي مع الحدث قويا وتذكرت قول أبي العلاء:

 

          ولنار المريخ من حدثان الــــد     

          هــر مطف وإن علت في اتقاد

 

لقد ميزت بوضوح القلنسوة الثلجية البيضاء، ذات الأصل الكربوني في القطب الجنوبي للكوكب، كما رأيت بوضوح فوهة كوبرنيكوس على سطح القمر وهي أكبر فوهة على سطحه وميزت بوضوح بعض النجوم المزدوجة والتي تبدو للعين المجردة نجوما منفردة.

"أحزنني أننا لا نعطي العلم قدره"

ومازلت أذكر تلك الجموع المحتشدة التي جاءت من باريس بعد الإعلان عن ليلة الرصد هذه على الصفحة الأولى لجريدة Le Parisien الشهيرة، شيوخ وعجائز وشباب في مقتبل العمر يجمعهم في العراء وفي غابة مدنية Villepinte هدف واحد هو اقتسام المتعة والاشتراك في اكتشاف غرائب السماء وبدائعها، وتأملت واقعنا وأحزنني الأمر أننا لا نعطي العلم قدره ولا نتلهف على استجلاء عجائب الطبيعة ولا نغامر بحثا عن جديد من علم أو فن أو فكر ، واختصرنا الحضارة الحديثة في استهلاك ما ينتجه الغرب بروح بدائية وأسلوب همجي في غالب الأحيان ولم نأخذ من منتجات الحضارة إلا ماله علاقة بالغريزة، أما ما يشحذ الذهن ويغذي الروح ويرهف الحس ويربي الذوق ويدخلنا في مدنية العصر فلا نلقي إليه بالاً!

اسم إبراهيم مشارة على سطح كوكب المريخ

ومن ذكرياتي التي لا تنسى اشتراكي في برنامج علمي على الإنترنت نظمته الوكالة الأمريكية للفضاء حول البحث عن الماء في المريخ وكنت قد قرأت عن هذا الكوكب كل ما وقع في يدي من كتب ودوريات ومجلات متخصصة، وكانت دهشتي عظيمة حين رأيت الوكالة تكرمني باقتراح تدوين اسمي على قرص مضغوط مع أسماء علماء ورؤساء دول سابقين وأثرياء ومشاهير ويرسل هذا القرص إلى المريخ على متن المركبة الفضائية غير المأهولة Exploration Rover Mars ليبقى هذا القرص هنالك إلى الأبد.

وأرسلت إلي الشهادة ممضاة من قبل البروفيسور E.Weiler مدير بحوث الفضاء في « NASA »، وسررت غاية السرور حين علمت أن من الأسماء المدونة على هذا القرص اسم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون والدكتور  E.Weiler  والعالم الكبير باتريك مور صاحب موسوعة غينس في علم الفلك وأسماء أخرى ثقيلة.

والآن صرت أكتب أحيانا -إن سمح الوقت- بعض المقالات في الفلك وعلم الكونيات وتاريخ الفلك وأعلامه وأنشرها في مجلات ودوريات مختصة وأصبحت على صلة بجمعيات فلكية عديدة كاتحاد الفلك العربي في عمان ومرصد باريس الذي يمدني بالمعطيات العلمية الدقيقة كلما طلبت منه ذلك لتحقيق حدث فلكي جلل أستفيد منها فيما أكتبه من مقالات بغية إفادة القارئ العربي بما جد في هذا العلم الرحب.

لقد نظرت إلى السماء ذات مرة وأنا صغير فأسرتني القبة بجمالها وسكونها وكنت أحسب تلك الدرر- ومازلت- عوالم تستفز العقل والوجدان للبحث والتأمل.

 

 

"فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم"

ترى كم هم الذين يعلمون أن كثيرا من هذه النجوم قد انتهت ولقيت حتفها ولم يعدلها وجود غير بقايا الضوء الذي مازال يصلنا؟ وكم هم الذين يعلمون أن كثيرا من مواقع النجوم لن تبقى كذلك وأن كثيرا جدا من المواقع تغيرت غير أن الضوء مازال يصلنا وفقا للموقع القديم نظرا لشساعة الكون؟ وأتذكر الآية الكريمة في سورة الواقعة "فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم" ثم أتساءل عن المغزى من استعمال الفعل المضارع "تعلمون" مكان الماضي علمتم، وأصل إلى الجواب بعد كد الذهن ذلك أن دلالة الزمن هنا تعني إمكانية المعرفة في المستقبل فضلا عن العرض وذلك أن أجيال العلماء من طراز كبلر ونيوتن وهالي وأينشتين سوف تصل إلى الحقيقة وتطلع الإنسانية عليها، ولو استخدم الزمن الماضي لكان ذلك يعني استحالة العلم قياسا على "وما أدراك ما لحاقة" أو "ما لقارعة" وهنا يقع التناقض بين دلالة الآية وحقائق العلم والقرآن منزه عن الخطأ. ولا أستطيع وأنا أتأمل السماء إلا أن أتذكر قول أبي العلاء:

 

قران المشتري زحلا يرجى       

             لإيقاظ النواظر من كراهـــا

وهيهات البرية في ضـــلال         

             وقد فطن اللبيب لما اعتراها

تقضى الناس جيلا بعد جيل       

وخُلِّفت النجوم كما تراها!

 

وأعذر رهين المحبسين لقوله "كما تراها" ذلك أن تغير موقع النجوم يحتاج إلى آلاف بل ملايين السنين لمعاينته وذلك ليس في متناول عمر الإنسان القصير، كما أتذكر قول لبيد بن ربيعة لنفس السبب حين يقول:

 

                  بلينا وما تبلى النجوم الطوالع             

                  وتبقى الديار بعدنا والمصانع 

 

وأعذر لبيدا فما كان في مقدور شاعر جاهلي أن يدرك ميلاد وموت النجوم!

وأنا الآن مازلت أتابع جديد هذا العلم بفضول لا ينتهي وأتهيأ للأرصاد الشخصية كلما كان ذلك ممكنا وأحاول إثارة اهتمام الناس كلما كان ذلك ممكنا أيضا، كما أسعى لنقل فضولي وحبي للسماء إلى أولادي.

وهكذا أخرج في أمسيات الربيع الدافئة خاصة إذا غاب القمر أو كان هلالا حتى لا يحجب ضوؤه النجوم إلى ظاهر المدينة في صحبة أولادي أو بالأحرى بناتي الصغيرات لنتأمل القبة السماوية وأخال نفسي سندباد ركبت الهلال مع أولادي زورقا وأبحرنا سويةً في لجة السماء المدلهمة نستأنس بقطع النور المتناثرة على سطح تلك اللجة، وأشير بأصبعي شارحا لهن هذا النجم القطبي وذاك كوكب المريخ وهذا زحل قرب المشتري وتلك النجمة النيرة هي الشعرى اليمانية.

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة