صراع قديم وثغرات في النظام السياسي الإسرائيلي

إسرائيل شهدت احتجاجات شعبية حاشدة ضد تعديل في القانون لحكومة نتنياهو قسم إسرائيل بعمق.
إسرائيل شهدت احتجاجات شعبية حاشدة ضد تعديل في القانون لحكومة نتنياهو قسم إسرائيل بعمق.

شهدت إسرائيل انقساما عميقا واحتجاجات شعبية حاشدة بسبب سعي نتنياهو لتعديل قانون القضاء، لكنه صراع قديم يعود تاريخه إلى أبعد مما يعتقد كثيرون. استحضار المؤرخ الألماني جوزيف كرواتورو لموقع قنطرة.

الكاتبة ، الكاتب: Joseph Croitoru

تعيش إسرائيل حاليًا أزمة دستورية عميقة. إذ يوجد في جوهرها صراع على السلطة بين البرلمان والسلطة التنفيذية من جهة وبين المحكمة العليا (OGH)، التي تعتبر نفسها هيئة رقابية قانونية من جهة أخرى. وهذا الصراع تمتد جذوره إلى بداية تأسيس دولة إسرائيل؛ التي جاء إعلان استقلالها في الرابع عشر من أيَّار/مايو 1948 وفقًا للخطة المحدَّدة من قِبَل الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين في تشرين الثاني/نوفمبر 1947، والتي نصَّت على أن تقوم "لجنة الدستور التأسيسية" المقرَّر انتخابها للدولة اليهودية بوضع دستور لهذه الدولة.

وبسبب الحرب العربية الإسرائيلية المستمرة فقد تم انتخاب هذه الهيئة فقط في بداية عام 1949 وقد اعتبرت نفسها البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) في شباط/فبراير 1949. ولكن لم يتم إقرار أي دستور لأنَّ نوَّاب الكنيست لم يتمكَّنوا من -أو لم يريدوا- الاتفاق على طبيعة هذا الدستور.

وفي وضع لم يكن مختلفًا عن الوضع اليوم، كان الحزب الحاكم في تلك الأيَّام -"حزب عمال أرض إسرائيل" (ماباي) الاشتراكي بزعامة دافيد بن غوريون- لا يريد تقييد صلاحياته بمعايير قانونية أساسية. وحظي موقف بن غوريون بتأييد شركاء ائتلافه المتدينين الأرثوذكس المتطرِّفين، الذين يعتبرون القانون الديني اليهودي هو الأساس الدستوري الوحيد القابل للتطبيق. وقد عارضه في ذلك السياسيون العلمانيون من اليسار وكذلك من اليمين.

وتم التوصُّل أخيرًا في حزيران/يونيو 1950 إلى حلّ وسط، وذلك عندما قرَّر الكنيست إنشاء هياكل تشبه الدستور في شكل قوانين أساسية فردية. وقد تم حتى يومنا هذا إقرار ثلاثة عشر قانونًا من مثل هذه القوانين الأساسية (الدستورية).

إرث قانون الانتداب الاستعماري-البريطاني

وكان لعدم وجود دستور عواقب بعيدة المدى في الدولة الإسرائيلية الوليدة، التي تبنَّت أجزاءً كبيرة من قانون الانتداب الاستعماري-البريطاني الذي كان يستند جزئيًا إلى القانون العثماني. ولكن مع ذلك فإنَّ هذه المجموعة من القوانين التي تم تبنيها كانت متوافقة بشكل جزئي فقط مع التصوُّر الذاتي لدولة إسرائيل كدولة ديمقراطية. وقد ظهر مصدر آخر للصراع مثَّله ادعاء الدولة بأنَّها ديمقراطية وفي الوقت نفسه يهودية حصرًا. وكان يجب على المحكمة العليا أن تجد حلًا لهذه التناقضات.

 

تم تأسيس المحكمة العليا في إسرائيل في صيف عام 1948 . Israels Oberster Gerichtshof 1948 ins Leben gerufen; Quelle: https://commons.wikimedia.org
هيئة رقابية مهمة: تم تأسيس المحكمة العليا في إسرائيل في صيف عام 1948 من قِبَل مجلس الدولة الإسرائيلي المؤقت. وكان عدد قضاتها في البداية خمسة قضاة زاد عددهم تدريجيًا على مر السنين ليصل أخيرًا في عام 2009 إلى خمسة عشر قاضيًا. وكان إشرافها على المعايير القانونية يهدف إلى منع انتهاك القانون من قِبَل الدولة. ولكن في الواقع لقد أخضع قضاة المحكمة العليا أنفسهم إلى حد كبير حتى الستينيات لأولوية الأمن القومي ودعموا الحكومة حتى عندما لم تكن تتصرف بطريقة ديمقراطية.

 

وهذه المحكمة العليا تم تأسيسها في صيف عام 1948 من قِبَل مجلس الدولة الإسرائيلي المؤقت. وكان عدد قضاتها في البداية خمسة قضاة زاد عددهم تدريجيًا على مر السنين ليصل أخيرًا في عام 2009 إلى خمسة عشر قاضيًا. وكان إشراف المحكمة العليا على المعايير القانونية يهدف إلى منع انتهاك القانون من قِبَل الدولة.

ولكن في الواقع لقد أخضع قضاة المحكمة العليا أنفسهم إلى حد كبير حتى الستينيات لأولوية الأمن القومي ودعموا الحكومة حتى عندما لم تكن تتصرف بطريقة ديمقراطية. ومن أمثلة ذلك ما يعرف باسم "الاعتقال الإداري" من دون وجود قضية جنائية - وهو موروث من قانون الانتداب البريطاني، وما يزال يؤثِّر على الفلسطينيين بشكل خاص حتى يومنا هذا.

وبما أنَّ قضاة المحكمة العليا كانوا يستندون في قراراتهم مع عدم وجود دستور إلى إعلان الاستقلال الإسرائيلي الذي يطالب بالمساواة، وكذلك إلى أحكام المحاكم في الديمقراطيات الغربية أو حتى إلى الكتاب المقدَّس، فقد أدَّى ذلك في بعض الأحيان إلى نزاعات مع الهيئة التشريعية.

الأرثوذكس المتطرِّفون مقابل قضاة المحكمة العليا العلمانيين

لقد حدث أحد هذه النزاعات مثلًا في عام 1969 عندما أعلنت المحكمة العليا بطلان قانون تمويل الأحزاب بينما أصرَّ حزب العمال الحاكم على سيادة البرلمان واتهم قضاتها بالتناقض وذلك بحجة أنَّهم دعموا الحكومة في قضايا أكثر إشكالية مثل هدم منازل الإرهابيين الفلسطينيين أو ترحيلهم. وكان اليهود الأرثوذكس المتطرِّفون على خلاف دائم مع قضاة المحكمة العليا -ومعظمهم علمانيون- وخاصةً عندما كان هؤلاء القُضاة يتدخَّلون في أحكام المحاكم الدينية.

حدث التغيير الأكثر أهمية حتى الآن في الثقافة القانونية الإسرائيلية في بداية التسعينيات. فعندما حدث جمود سياسي أثناء الائتلاف الكبير بين حزبي العمل والليكود في أواخر الثمانينيات، تشكَّلت في إسرائيل حركة احتجاجية طالبت بإصلاحات هيكلية. وكان العديد من أساتذة القانون يسعون في ذلك الوقت من خلال مبادرتهم "دستور لإسرائيل" إلى إقرار مدوَّنة شاملة للحقوق الأساسية.

وعلى الرغم من فشلهم نتيجة معارضة اليهود الأرثوذكس المتطرِّفين، ولكن أحد رفاقهم في الكفاح، وهو أستاذ القانون ونائب البرلمان عن حزب "شينوي" الليبرالي أمنون روبنشتاين نجح أخيرًا في إدخال قانونين أساسيين جديدين لهما طابع دستوري في عام 1992: ويضمنا حرية اختيار المهنة وَ "كرامة الإنسان وحريته".

لقد أوجد ذلك إطارًا مرجعيًا دستوريًا لحقوق الإنسان بإمكان المحكمة العليا الرجوع إليه - وهذا ما فعلته بحزم. ولذلك فقد سارع رجال القانون الإسرائيليون المحافظون إلى الاعتراض على هذا الإجراء واتهموا قضاة المحكمة العليا بممارسة "نشاط قضائي" صارت فوائده وعيوبه الآن موضع جدال تتم مناقشته في المجلَّات القانونية الإسرائيلية.

"ثورة دستورية"

وكان من مؤيِّدي ظهور المحكمة العليا بثقة أكبر بالنفس أستاذ القانون أهارون باراك، الذي يحظى باحترام دولي وكان يُدرِّس حينئذٍ في الجامعة العبرية في القدس. فقد تبنى في عام 1993 في مقالة رائدة الرأي الذي يفيد بأنَّ المحكمة العليا يجب ألَّا تكتفي بدور المُصحِّح للهيئة التشريعية في نقاط معيَّنة؛ وأنَّ قضاة المحكمة العليا يجب عليهم بسبب عدم وجود دستور لإسرائيل تكييف كلِّ أحكام القضاء الإسرائيلي خطوة بخطوة مع واقع الحياة في إسرائيل وأن يتدخَّلوا كمصحِّحين حيثما توجد ثغرات في القانون.

 

 

أهارون باراك، باحث قانوني يحظى باحترام دولي ورئيس المحكمة العليا من عام 1995 وحتى عام 2006 Aharon Barak (OGH-Vorsitzender 1995-2006), lizenzfreies Foto von Kobi Kalmanovich, 2007
أهارون باراك، باحث قانوني يحظى باحترام دولي ورئيس المحكمة العليا من عام 1995 وحتى عام 2006، كان يُدرِّس في الجامعة العبرية في القدس وهو من مؤيِّدي ظهور المحكمة العليا بثقة أكبر بالنفس. فقد تبنى في عام 1993 في مقالة رائدة الرأي الذي يفيد بأنَّ المحكمة العليا يجب ألَّا تكتفي بدور المُصحِّح للهيئة التشريعية في نقاط معيَّنة؛ وأنَّ قضاة المحكمة العليا يجب عليهم بسبب عدم وجود دستور لإسرائيل تكييف كلِّ أحكام القضاء الإسرائيلي خطوة بخطوة مع واقع الحياة في إسرائيل وأن يتدخَّلوا كمصحِّحين حيثما توجد ثغرات في القانون.

 

زادت حدة النقاشات الموضوعية بين رجال القانون لتتحوَّل إلى حرب خنادق حقيقية عندما تم انتخاب أستاذ القانون أهارون باراك رئيسًا للمحكمة العليا في عام 1995. وحذَّر رئيسُ المحكمة العليا السابق موشيه لانداو- وهو صهيوني من الحرس القديم- قضاة المحكمة العليا حتى في ذلك الوقت من استخدام القوانين الأساسية الجديدة لوضع حقوق الفرد فوق مصالح المجتمع وبالتالي تعزيز الأنانية في المجتمع الإسرائيلي.

وبصرف النظر عن هذه المخاوف فقد ازدادت أهمية المحكمة العليا باستمرار. ترى الدوائر الليبرالية حتى اليوم في هذا التطوُّر المعروف في إسرائيل باسم "الثورة الدستورية" التنفيذَ المناسب لما يُعتبر من وجهة نظرهم إحساسًا يهوديًا خاصًا بالعدالة.

غير أنَّ المحكمة العليا كانت حتى في عهد رئيسها أهارون باراك -الذي استمرت فترة رئاسته حتى عام 2006- عرضةً لانتقادات شديدة من مختلف الجهات. فعلى سبيل المثال لقد اتهمها نشطاءُ حقوق الإنسان ومعارضو الاحتلال بخيانة مبادئها الخاصة لأنَّها صادقت مرارًا وتكرارًا على عمليات اعتقال الفلسطينيين التعسفي وتعذيبهم أيضًا. والمحكمة العليا تجسِّد حتى يومنا هذا "ديكتاتورية قضائية" بالنسبة للمستوطنين القوميين المتطرِّفين وكذلك لليهود الأرثوذكس المتطرِّفين ولغيرهم أيضًا.

فقد قام في عام 2003 سياسي حزب الليكود البارز رؤوفين ريفلين -الذي كان رئيس الكنيست حينئذٍ ورئيسًا لدولة إسرائيل من عام 2014 وحتى عام 2021- بتوبيخ المحكمة العليا ووصفها بأنَّها "خطر على الديمقراطية الإسرائيلية" وكذلك وصف جهود أهارون باراك الإصلاحية بأنَّها "انقلاب على الدولة". وانتشر خطاب التشهير هذا بسرعة في صفوف حزب الليكود حيث لم يقتصر الأمر على الكلام وحده.

حملة اليمينيين على المحكمة العليا

جدعون ساعر، الرفيق المخلص لبنيامين نتنياهو فترة طويلة بعد توليه منصبه في عام 2009، كان قد عمل من خلال تعديل القانون في عهد سلف بنيامين نتنياهو، إيهود أولمرت، على زيادة نفوذ السياسيين في لجنة انتخاب القضاة. وهاجم جدعون ساعر بصفته وزيرًا للداخلية في حكومة بنيامين نتنياهو المحكمة العليا في عام 2014، وذلك بعد إلغائها مشروع قانون مثير للجدل يقضي بحبس المهاجرين غير الشرعيين ("المتسللين") لمدة سنة من دون محاكمة.

دعا جدعون ساعر بعد ذلك إلى الحدّ من صلاحيات قضاة المحكمة العليا، وهو هدف واصل السعي إليه حتى بعد تركه حزب الليكود بعد خلاف معه في عام 2020 وتأسيسه حزبه الخاص.

وجدعون ساعر لم يكن السياسي الوحيد من حزب الليكود في حملته هذه على المحكمة العليا. فقد ادعى وزير العدل الحالي ياريف ليفين في عام 2011 أنَّ جماعة يسارية راديكالية "اغتصبت" المحكمة العليا. كذلك اتهم ياريف ليفين قضاة المحكمة العليا بـ"الانقلاب" عندما رفضوا في عام 2020 دعوى قدَّمها ضدَّ إلغاء قانون أرادت بموجبه حكومة بنيامين نتنياهو وبيني غانتس تأخير إقرار الميزانية.

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. Israels Ministerpräsident Benjamin Netanjahu und sein Sicherheitsminister Itamar Ben-Gvir; Foto: Mostafa AlKharouf/AA/picture-alliance
محنة سياسية داخلية: أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الإثنين (27 آذار/مارس 2023) أنَّه سيؤجل جزءًا كبيرًا من برنامج إصلاحه القضائي. بينما دعا وزير الأمن في حكومة بنيامين نتنياهو، اليميني المتطرِّف إيتمار بن غفير (على اليسار في الصورة) إلى التمسُّك بهذه الخطط، وكتب على موقع تويتر بعد الاحتجاجات الجماهيرية أنَّ الحكومة يجب عليها ألَّا "تستسلم للفوضى". وقد أفادت تقارير إعلامية بأنَّ عدة وزراء هدَّدوا بنيامين نتنياهو بالاستقالة من حكومته في حال إلغائه الإصلاح القضائي. وتواصلت يوم السبت 01 / 04 / 2023 الاحتجاجات على التعديلات القضائية التي يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإقرارها على الرغم من تعليقه القرار بشأنها في الأسبوع السابق، إذ خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بإلغائها نهائياً. ويرى المعارضون أن مسعى الحكومة يمثل تهديدا لاستقلال القضاء ومحاولة لانقلاب قانوني. فيما يقول المؤيدون إن التعديلات تهدف للتصدي لتدخل القضاة في السياسة.

 

ومن أجل الحدِّ من سلطات المحكمة العليا، قدَّم في عام 2021 ياريف ليفين اقتراح قانون يُشكِّل الأساس لمقترحاته الإصلاحية الأخيرة - التي يُفترض الآن ربطها بمقترحات المتطرِّف اليميني سيمشا روثمان، الذي يسعى أيضًا منذ فترة طويلة إلى تحقيق أهداف مشابهة.

وباختصار: إنَّ هذه الحملة اليمينية على المحكمة العليا في إسرائيل ليست جديدة على الإطلاق، وفقط إنَّ مَنْ كانوا يتجاهلونها أو يقللون من شأنها -بصرف النظر عن الأسباب- يظهرون اليوم متفاجئين.

وإذا تم أيضًا تنفيذ اقتراح ياريف ليفين، والذي من شأنه أن يسمح للكنيست بإلغاء القوانين الأساسية التي تم إقرارها بأغلبية أقل من واحد وستين صوتًا (من أصل مائة وعشرين صوتًا) فسيكون القانون الأساسي الخاص بـ"كرامة الإنسان وحريته" في خطر أيضًا. وذلك لأنَّ هذا القانون قد تم إقراره في جلسة برلمانية عامة ليلية مطوَّلة في عام 1992 بأغلبية اثنين وثلاثين صوتًا فقط مقابل واحد وعشرين صوتًا بسبب غياب العديد من النوَّاب. ومن شأن إلغائه أن يُدمِّر أحد أهم إنجازات الثقافة القانونية الإسرائيلية ويُعيد النظام القانوني في إسرائيل عقودًا إلى الوراء.

 

 

جوزيف كرواتورو (يوزيف كرويتورو)

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2023

ar.Qantara.de