اشتهاء صورة الشاب «اللامتدين»

بموازاة موجة «الشباب الخطيرين»، كانت هناك موجة أخرى تحاول رصد علاقة الشباب بالتدين، بيد أنها خلافا للرؤية السابقة التي حاولت ربطهم بـ«داعش»، بدت تحاول رصد ظاهرة الإلحاد، وفق تعبيرها، بين الشباب المحبط.

ففي ظل الانتكاسة التي عرفتها الجماعات الإسلامية، كان عدد من الشباب يغادر فضاء الإسلاميين والتدين، وغالبا ما عُبِّر عن هذا الفراق من خلال أنماط وسلوكيات لا تراعي القواعد الدينية/الاجتماعية السائدة. سنلاحظ في هذه الفترة أيضا ازدياد الدراسات واستطلاعات الرأي، التي تتناول ظاهرة التدين المرن في هذا العالم، كان آخرها التقرير الذي نشرته قناة «بي بي سي» حول نتائج استطلاع البارومتر العربي تحت عنوان «هل بدأ الشباب العربي يدير ظهره للدين؟».

"بعد إخفاقات الربيع العربي بات من الضروري، إعادة تقييم النشاط الشبابي بشكل أعمق، لاسيما في ضوء النظر إليهم في السابق، بوصفهم الترياق المحتمل لكل داء، بينما الواقع كان أكثر تعقيدا. وبناء على ذلك يوصي التقرير بإعادة تقييم النظر من جديد برؤية الشباب الذين لطالما قُيِّموا في السابق بوصفهم يمثلون «التيار الإصلاحي» بينما أثبت الواقع وتجربة الربيع العربي أن هؤلاء الشباب هم أكثر هجومية و«ثورية» الآن"

تدين أقل؟ أم تدين فرداني؟

بيد أنه خلافا لمقولات تراجع الميول الدينية لدى الشباب، رفض بعض الباحثين هذه الاستنتاجات المتسرعة. فوفقا لهم، تكمن إشكالية هذه الاستطلاعات في بقائها أكثر انحيازا لمقولات إعلامية منها لتفسيرات سوسيولوجية.

من بين هؤلاء الباحثين، يمكن الإشارة مؤخرا إلى الجهد الجماعي الذي قدمه عدد من السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين أمثال آصف بيات وحسن رشيق ويورغ غرتل (جامعة لايبزيغ) ونادين سيكا وغيرهم، عبر إشرافهم على استطلاع رأي حول رؤية الشباب لعدد من القضايا بعيد ست سنوات على أحداث الربيع العربي (صدر بالألمانية عام 2017، وتُرجِم مؤخرا للعربية عن دار الساقي).

وقد اختار واضعو الدراسة، بدلا من مصطلح «سياسات المرح» التي عرفها الشباب في فترة ما قبل الربيع العربي، تعبيري «فقدان الأمن» و«غياب اليقين» كمصطلحين رئيسيين لوصف وضعهم والإحاطة به.

 

 

"غالبية المتدينين جدا أيدوا نظاما سياسيا ديمقراطيا بدلا من نظام حكم مبني على الشريعة"

ينطبق فقدان الأمن على ظروف المعيشة وتوفر الموارد، في حين يرتبط غياب اليقين بكيفية تعاملهم مع المستقبل في ما يتعلق بآمالهم وأحلامهم؟ وشملت الدراسة تسعة آلاف شاب تتراوح أعمارهم بين الـ16 و30 سنة في ثماني دول عربية: البحرين، الأردن، لبنان، المغرب، فلسطين، تونس، اليمن إلى جانب اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان. ورغم أن الدراسة شملت عدة قضايا تتعلق بالجندر والقيم والنظرة للمستقبل والجوع والهجرة، فإن فصل «الدين والشباب» كان من بين أكثر الفصول لفتا للاهتمام، في ظل النتائج التي كشفت عنها استطلاعات الرأي. وقد ضمّ الاستطلاع 94 ٪ مسلمين و6٪ مسيحيين.

وردا على السؤال: ما هي درجة تدينك اليوم؟ وفق معدل يتراوح بين نقطة واحدة (لست متدينا على الإطلاق) و10 نقاط (متدين جدا)، اتضح أن الشباب في البحرين هم الأكثر تدينا، في حين كان الشباب في تونس هم الأقل.

وعموما سُجِّل ارتفاع طفيف في نسبة التدين لدى المستطلعين، مقارنة بمعدله قبل خمس سنوات، الأمر الذي فسّره معد هذا الفصل (رشيد أوعيسى/جامعة ماربورغ الألمانية) كون الجيل الأكبر سنا كان يؤمن بالأحلام التي كانت تحركها الدولة، كما أنه استفاد من الازدهار الاقتصادي الذي عرفه عدد من البلدان في الثمانينيات، في حين مُنع الجيل الأصغر سنا في يومنا من الارتقاء. وبالتالي تبدو الشعبية الحالية للدين والقيم الدينية في أوساط الشباب العربي، نوعا من البديل عن غياب فرص اجتماعية ومهنية.

الإسلام الحضري أكثر تساهلا من الإسلام الريفي

"التدين قد يكون نوعا من رأس المال للتعويض عن تدني الفرص الاجتماعية والمهنية، التي كانت متاحة للجيل الأقدم المجهز برأسمال تعليمي"

 

اقرأ/ي أيضًا:

وجهة نظر: الإسلام لا يحتاج مصلحاً دينياً مثل مارتن لوثر!

تحويل الفقه إلى دين وشرع يحكم الحياة اليومية للإنسان

تعارُض الإسلام مع الحداثة أطروحة ساذجة

باحثة ألمانية بوسنية: يمكن للمسلمين التعلم من تجربة الإصلاح المسيحي

 

وبالعودة مرة ثانية إلى سؤال: ما هي درجة تدينك اليوم؟ نجد أن 34٪ من الشباب المشاركين في الاستطلاع صنفوا أنفسهم بـ«المتدينين جدا و32٪ بـ«المتدينين نسبيا» ونحو 24٪ من المستطلعين هم «متدينون بعض الشيء» في حين سجل 8٪ فقط نسبة «تدين متدن». وإذا ما قارنا هذه الأرقام مع تلك التي تقيس مجموعة المتدينين نسبيا، نجد انخفاض الأرقام بالنسبة إلى الذين سجلوا تدينا متدنيا من 12٪ إلى 8٪ (خلافا لتقرير بي بي سي الأخير)، أو الذين صنفوا انفسهم بـ«المتدينين نسبيا» من 27٪ إلى 24٪. ويدل هذا على ارتفاع شامل لنسبة التدين، وربما للتطرف الديني على مدى نصف العقد المنصرم.
 

ما يلاحظه معدو الكتاب، هو أنه في عام 1969، كان ارنست غلنر/عالم الاجتماع الفرنسي قد صرّح في دراسته للمدن المغربية، بأن الإسلام الحضري أكثر تساهلا من الإسلام الريفي، إلا أن التحولات الاجتماعية وأنماط التنقل المختلفة التي شهدتها السنوات الاخيرة، والنزعة الهائلة نحو التحضر، غيرت على ما يبدو أنماط وكثافة التدين في الدولة العربية. ولذلك يبدو أن نمطا محافظا من الإسلام تمركز في المدن الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. فقد باتت هذه الأماكن، وفقا للتقرير، مأهولة بصورة أساسية من شباب متدينين بدرجة عالية نحو 71٪، في حين نجد أن الشباب الذين يصنفون أنفسهم في خانة «التدين المتدني» أو المتدينين بعض الشيء يعيشون في المدن الصغيرة والمتوسطة الحجم.

ولكن ما أسباب ارتفاع أرقام نسب التدين؟

في هذا السياق يرى التقرير أن التدين قد يكون نوعا من رأس المال للتعويض عن تدني الفرص الاجتماعية والمهنية، التي كانت متاحة للجيل الأقدم المجهز برأسمال تعليمي. إذ يمنح الدين شعورا بالأمن والتفاؤل، ليضفي على الآفاق الاقتصادية القاتمة بعض الأمل. فمثلا نجد أن 74٪ من الشباب المتدينين جدا متفائلون بالنسبة لمستقبل أفضل، في حين أن درجة التشاؤم أكبر في أوساط الأشخاص ذوي التدين المتدني.

ولعل ما يلفت النظر أيضا، أن غالبية المتدينين جدا أيدوا نظاما سياسيا ديمقراطيا بدلا من نظام حكم مبني على الشريعة. من خلال الربط بين نتائج الدين وغياب اليقين وتفضيل نظام ديمقراطي يصل التقرير إلى نتيجة وهي، أن الدين لم يعد مشروعا اجتماعيا، أو سياسيا شاملا، أو قاعدة ليوتوبيا اجتماعية إسلامية، بل غدا ركيزة لتحقيق اليوتوبيا الفردية، التي تشكل أيضا سندا في حالات غياب اليقين التي يعيشها العالم العربي، الأمر الذي يعني تداعيا في التدين السياسي وتقدما على مستوى التدين الاجتماعي.

ووفقا للباحثين فإن هذه النتيجة قد تكون بداية لما يسميه تايلور بـ«عصر الفردانية التعبيرية» أو «نظام ما بعد الدوركهايمية».

ففي مرحلة الدوركهايمية الحديثة أصبح الانتماء الديني مسيسا بشدة، وشكل الدين قوة للتعبئة السياسية والاجتماعية، أما في مرحلة لاحقة (ما بعد دوركهايمية) أصبح الدين مسألة تعني الفرد، وأصبح التدين طريقة حياة وتعبير عن الشخصية الذاتية للفرد.. فهل هذا ما تعنيه زيادة أرقام التدين الفرداني بعيد الحرب في عالمنا العربي؟

 

محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: محمد تركي الربيعو 2019

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.