إشكالية المفاهيم والديموقراطية في العالم العربي والإسلامي
العلمانية والإسلام السياسي وتجديد الخطاب الديني...مفاهيم تحت المجهر

يحاول الباحث حسام الدين درويش في كتابه "في المفاهيم المعيارية الكثيفة: العلمانية، الإسلام (السياسي)، تجديد الخطاب الديني" المساهمة في إيجاد صيغة توافقية تتجاوز الجدال الذي يضع العلماني مقابلَ الديني في العالم العربي الإسلاماتي المعاصر. أماني الصيفي في مراجعة لأهم محاور الكتاب.

تُعَدُّ مسألة شكل حضور "الدين"، في المجال العمومي، وطبيعة هذا الحضور، وعلاقته بقيم الديموقراطية، من أكثر المسائل إشكالية في النقاشات الدائرة حول الحداثة وطبيعة المجتمعات الحديثة عمومًا، والمجتمعات غير الغربية خصوصًا.

وفي هذا السياق، يحاول حسام الدين درويش في كتابه " في المفاهيم المعيارية الكثيفة: العلمانية، الإسلام (السياسي)، تجديد الخطاب الديني"، الذي صدر مُؤخَّرًا عن دار الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت؛ يحاول المساهمة في إيجاد وساطة للخروج من الجدال الذي يضع العلماني مقابلَ الديني في العالم العربي الإسلاماتي المعاصر.

ويركز الكتاب اهتمامه على النقاش الدائر حول إشكالية العلاقة بين الديني والعلماني، من خلال عرضٍ مُكثَّفٍ للمفاهيم المستخدمة في النقاش الدائر حول تلك العلاقة من قبل الأكاديميين المختصين على اختلاف توجهاتهم الفكرية والعقائدية، منذ شيوع الجدال حول حضور الدين في المجال العمومي، أو إقصائه منه، في المجتمعات العربية الإسلاماتية، في بداية من القرن العشرين وحتى وقتنا الحالي.

وفي هذا العمل البحثي يسعى درويش إلى ضبط النقاشات الأيديولوجية المتعلقة بحضور الدين المجال العمومي، أو إقصائه منه ، من خلال المعرفة النقدية المطلوبة أساسًا لتحقيق الغاية الجوهرية من حضور مفهوم "العلمانية"، بعيدًا عمَّا يصفه بأنه قد يكون اتفاقًا أو اختلافًا زائفين بين المتناقشين، بسبب سوء الفهم، أو عدم الفهم، للمفاهيم المستخدمة للتعبير عن العلاقة بين الدين/ الإسلام وقيم الديمقراطية.

ففي الفصل الأول المُعنون بـ"المفاهيم المعيارية الكثيفة وتجاوز مثنوية الواقعة والتقييم"، ينطلق الباحث من بحثٍ نظريٍّ فلسفيٍّ لما يسمى بـ"المفاهيم المعيارية الكثيفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية"، ويُحلِّل، من خلاله، العلاقة بين المفاهيم المعيارية الكثيفة والمفاهيم المعيارية الخفيفة.

ووفقًا للباحث فـ"المفاهيم المعيارية الكثيفة" هي مفاهيم تتضمن "وصفًا غير معياريٍّ وتقييمًا معياريًّا في الوقت نفسه"، في مقابل المفاهيم الوصفية التي تتضمن وصفًا خالصًا (تقريبًا)، والمفاهيم المعيارية الخفيفة التي تتضمن تقييمًا معياريًّا خالصًا (تقريبًا)". ويتسم المفهوم المعياري الكثيف بالعمومية والتجريد، حيث يجتمع "الوصف والتقييم" و"لا يتنافران".

ويضيف درويش كذلك أنه يمكن القول من وجهة نظر أخرى أن المفهوم المعياري الكثيف موجِّهٌ للفعل، بمعياريته، في حين أنه، بوصفيته، مُوجَّهٌ بالعالم الذي نحيا به (الثقافة التي تُشكِّل العُرْف، والمعايير المجتمعية) كما بيَّن برنارد وليامز، الذي قام بصياغة مفهوم "المفهوم المعياري الكثيف".

 

"علمانية، علمنة، تعلمن، علمانوية، إسلامويةمفاهيم معياريةٌ كثيفةٌ بامتياز"

كتاب " في المفاهيم المعيارية الكثيفة: العلمانية، الإسلام (السياسي)، تجديد الخطاب الديني"، الذي صدر مُؤخَّرًا عن دار الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت.
كتاب "في المفاهيم المعيارية الكثيفة: العلمانية، الإسلام (السياسي)، تجديد الخطاب الديني"، الذي صدر مُؤخَّرًا عن دار الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت للباحث حسام الدين درويش "يؤمن بأن هناك دينامياتٍ داخليةً ومحليةً جعلت من ثورات العالم العربي لحظات “معرفية” هامة؛ حيث انتقل الجدل من صالونات فكرية ضيقة إلى جدل مجتمعي حول قضايا في غاية الأهمية، مثل: العلمانية، الإسلاموية، الإسلام السياسي، تجديد الخطاب الديني… إلخ، وفق تقديم دار النشر.

ويرى الباحث أن المفاهيم التي تتعلق بالعلاقة بين الديني والعلماني في السياق الإسلامي، مثل: "علمانية، علمنة، تعلمن، علمانوية، إسلاموية، هداية"، هي مفاهيم معياريةٌ كثيفةٌ بامتيازٍ؛ أي أنها مفاهيم تتضمن وصفًا تحليليًّا وقيمًا معيارية لهذا المفهوم المستخدم، سواء كانت تلك القيمة سلبية أو إيجابية.

وحسب الباحث، فالقيم المعيارية هنا تنطوي على مبدأ جوهري، وهو استدعاء التغيير من حال كائن غير مرغوب فيه (سلبي) إلى حال مرغوب به (إيجابي) يجب أن يكون عليه المجتمع العربي الإسلاماتي المعاصر. ولهذا فهدف الباحث هنا ليس التعريف بماهية المفاهيم المعيارية في حدِّ ذاتها، والعلاقة بين المفاهيم المعيارية المختلفة، فحسب، وإنما استخدام تلك المفاهيم والمعايير التي تتضمنها، والتمييز بينها، كوسيلة لفكِّ الارتباط بين قيمٍ سلبية أو إيجابية مُهيمِنة ارتبطت بمفهوم العلمانية، والعلاقة بين العلمانية والإسلام في المجتمعات العربية الحديثة والمعاصرة.

وفي هذا السياق، يشير درويش إلى غياب التمييز بين المفاهيم التالية: "العلمانية" و"العلمانوية" و"التعلمن" في الجدال الدائر حول العلاقة بين الدين الإسلامي والدولة والسياسة، واعتبارها جميعًا تشير لمعنى واحد.

وهذا المعنى يعتبر بالضرورة مفهومًا معياريًّا كثيفًا، أي: أنه مفهوم تُتجاوز فيه القيمة الوصفية الخالصة لتحمل في طياتها قيمة معيارية "إيجابية أو سلبية" أثَّرت ولا زالت تؤثر في عدم الفهم أو سوء الفهم لهذه المفاهيم من قِبل كلٍّ من العلمانيين والإسلاميين. ونتج عن ذلك إعاقة تحقيق أهداف أساسية وجوهرية لها علاقة بهذا المفهوم "العلمانية". ويأتي على رأس تلك الأهداف تحقيق قيم الديمقراطية في المجتمع العربي الإسلاماتي المعاصر.

 

1. الدين الإسلامي ومشروع علمانيات متعددة: بين الاستثناء والخصوصية!

 

يخلص المدخل النظري المتعلق بالتعريف بالمفاهيم المعيارية الخفيفة والمفاهيم المعيارية الكثيفة إلى عدم إمكانية الفصل التام بينهما، وإلى تحدي التقابل المانوي بين العلماني والديني في السياق السياسي، خصوصًا، وإلى إبراز حضور التداخل الديني والعلماني في السياق العربي الإسلاماتي حتى قبل الحداثة "العلمانية". "فالعلماني" قد يحمل ضمنيًّا "الديني"، وكذلك "الديني" قد يحمل في طياته "العلماني".

ولكن  درويش يؤكد أن هذا التداخل لا يمكن اعتباره استثناءً للمجتمعات والثقافات العربية دون غيرها، لكن يمكن اعتباره "خصوصية الدين الإسلامي". وهذا ما يناقشه الفصل الثاني المعنون بـ"دراسة العلاقة بين العلمانية والإسلام في مركز الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية والانسانية: علمانيات متعددة: ما وراء الغرب، ما وراء الحداثات في جامعة ليبزج الألمانية".

وهذا المشروع البحثي الذي بدأ العمل به على خلفية مشروع بحثي أكاديمي تحت قيادة الباحثة في علم الاجتماع الثقافي مونيكا فولراب سار بعنوان "علمانيات متعددة" بين عامي 2011 و2012 يُمثِّل نقدًا لنظرية كونية "الحداثة الأوربية العلمانية". ويرى هذا النقد أنَّ الحداثة الغربية "الأوربية" قد قامت بإقصاء تاريخ المجتمعات غير الغربية وثقافاتها، بما ينكر على تلك المجتمعات نموذجًا من الحداثة يتوافق مع تاريخ تلك المجتمعات وسياقاته الثقافية والاجتماعية.

وينطلق المشروع البحثي إذن مخالفًا نظرتين إقصائيتين تتمثل الرؤية الأولى في نظرة ثقافوية و/ أو استشراقية جوهرانية للعلاقة بين الإسلام والعلمانية السياسية تفصل بين الإسلام والحداثة الكونية العلمانية بالضرورة، وترى أن الإسلام في جوهره لا يتضمن تمايزً او تمييزًا بين الديني والعلماني، أو السلطة الدينية والدنيوية، وهو ما يعتقد أنه السبب الرئيس وراء تخلُّف المجتمعات الإسلامية، كما يجادل دان دانر في كتابه "الضياع في المقدس" أو برنارد لويس في كتابه "ما الخطأ؟". فالنظرة الثقافوية/ الاستشراقية ترى أن العالم الإسلامي، بثقافته الإسلامية، يُشَكِّل "وحدة ثقافية متميزة وقائمة أو مكتفية بذاتها، وأنها منفصلة عن الغرب، ولها منطقها الخاص" (124). فالمجتمعات الإسلامية، بثقافتها، إذن مختلفة بالضرورة عن الغرب وعن قيمه التي تسمح بالفصل والتمايز بين العلماني والديني في السياسة، كما يشير الباحث مثلًا إلى أنتوني بلاك في كتابه "الفكر السياسي الإسلامي: من الرسول إلى الحاضر"، وجيرهارد باورينج في مقدمة "موسوعة برينستون للفكر السياسي الإسلامي".

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة