يتحقق ذلك بطريقتَين أساسيتين: أولاً، عبر منح مناقصات إعادة الإعمار مباشرةً إلى السلطات المحلية والمنظمات غير الحكومية المدعومة من النظام، والأفرقاء المحليين، والشراكات المحلية الظرفية بين القطاعَين العام والخاص، وذلك كله وفقاً لمنطق يكافئ الولاء السياسي للنظام.

ثانياً، عبر الاستمرار في المطالبة بأن يعمل جميع الأفرقاء الدوليين حصراً مع الشركاء المحليين الحائزين على موافقة الحكومة؛ وهكذا وجدت الحكومة المركزية سبيلاً للتوفيق فعلياً بين الدعوة التي وجّهها المانحون الدوليون لوضع عملية إعادة الإعمار في عهدة السلطات المحلية من جهة وبين الحفاظ على سلطتها وسيطرتها بحكم الأمر الواقع من جهة ثانية.

تضغط الحكومة أيضاً من أجل إعادة تطوير المستوطنات غير النظامية، بما في ذلك بساتين الرازي في منطقة دمشق، حيث يهدف مشروع لإعادة التطوير المديني بقيمة ملايين الدولارات إلى بناء منطقة سكنية واسعة لإيواء أكثر من ستين ألف شخص واستبدال المستوطنة السابقة. غير أن الطابع الحديث للمشروع – بما في تلك المباني الشاهقة – يطرح مشكلات محتملة؛ فتنفيذه يقتضي حكماً تدمير المشهد المديني السابق وإعادة تصوّره في شكل كامل وجذري.

ويمكن أن يكون لإعادة التطوير، بدورها، تأثيرٌ وخيم على سكّان المستوطنة السابقين، لا سيما وأن عدداً كبيراً منهم طاله النزوح بسبب النزاع. يُثير إخلاء هذه المناطق لإعادة تطويرها مخاوف لدى النازحين من أن نزوحهم وحرمانهم من أرضهم ومقتنياتهم قد يصبحان دائمَين، عبر هدم منازلهم وإعادة توزيع حقوقهم في التملّك وفقاً لما يفرضه الأمر الواقع.

ليست مستوطنة بساتين الرازي باستثناء. إنها من المستوطنات غير النظامية الكثيرة – هذه المستوطنات هي من المناطق الأفقر والأشد تضرراً جراء الحرب في مدن مثل حمص ودمشق وحلب وسواها – المنوي إعادة إعمارها وتطويرها. أكثر من ذلك، في المستوطنات على غرار بساتين الرازي في منطقة دمشق أو في حي جورة الصياح في حمص، كانت المناطق الواقعة في صلب مشاريع إعادة التطوير معاقل للمعارضة في السابق، ما يعزّز المخاوف من أن العملية الدراماتيكية والجذرية لإعادة تصوّر هذه المناطق قد تشكّل أداةً لتثبيت النفوذ والسيطرة على السكان، مع ما يترتب عن ذلك من تأثير كبير على المدنيين، لا سيما على أكثر من 6.3 ملايين شخص هم من النازحين داخلياً في مختلف أنحاء البلاد.

استفحال النزاع المجتمعي بدلا من التخفيف من حدّته

في هذه الحالات، قد تتسبّب إعادة الإعمار باستفحال النزاع المجتمعي بدلاً من التخفيف من حدّته، فيما تزيد من هشاشة شرائح السكان المعرّضين في الأصل للخطر. بعبارة أخرى، لسياسات إعادة الإعمار تأثير سياسي ملموس، فضلاً عن قدرتها على خلق أشكال من التهميش داخل البلاد أو ترسيخها. على هذا الأساس، تطرح هذه السياسات مشكلة كبيرة أيضاً في مجال الحماية.

من السبل الأخرى التي يعتمدها النظام السوري كي يزيد إلى أقصى حد مردوده السياسي من عملية إعادة الإعمار، الحرص على أن يستمر الأفرقاء الخارجيون الذين يساهمون في تسديد فاتورة إعادة الإعمار أو يؤدّون دوراً بارزاً في مشاريع إعادة الإعمار، في منحه حرية المناورة، ما يُتيح له ترسيخ التفوق الذي يتمتع به في النزاع. لهذا أعلنت الحكومة السورية مراراً وتكراراً أنها ترحّب بتأدية الصين والهند وإيران وروسيا دوراً في إعادة إعمار سوريا، لأنه يُنظَر إليها بأنها أقل ميلاً إلى ربط المساعدات بالإصلاحات السياسية، وذلك خلافاً لما يشترطه الاتحاد الأوروبي. كلما ازدادت قدرة النظام السوري على الاعتماد على هؤلاء الحلفاء الأساسيين، لا سيما إيران وروسيا، تعزّزت قدرته على المضي قدماً بعملية إعادة الإعمار بمعزل عن المسائل المتعلقة بالانتقال والإصلاح السياسي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.