إعادة الإعمار لترسيخ النفوذ

يدرك جميع الأفرقاء الخارجيين جيداً العلاقة بين إعادة الإعمار والحكم والنفوذ. فحتى فيما يتفاوضون على الترتيبات المتعلقة بنزع التصعيد ووقف إطلاق النار، غالب الظن أنهم سيسعون أيضاً إلى ترسيخ دوائر نفوذهم في سوريا عن طريق إعادة الإعمار. على سبيل المثال، تستثمر تركيا في إعادة إعمار البنى التحتية المتضررة من الحرب في الباب، خارج حلب، حتى إنها أعلنت أنها تنوي بناء ضاحية جديدة على مقربة من الباب.

في حين تأمل تركيا بأن يساهم ذلك في طرد المجموعات المتطرفة وتشجيع عدد كبير من اللاجئين الذين تستضيفهم في غازي عنتاب، داخل الأراضي التركية، على العودة إلى سوريا، ليس الهدف من هذه الجهود بسط الاستقرار في الوقت الراهن وحسب، إنما أيضاً إرساء النفوذ السياسي التركي في المستقبل.

محادثات سورية في سبتمبر 2017 في أستانا. Foto: Getty Images/AFP
تحوُّل إعادة الإعمار بسهولة إلى أداة لتثبيت مكاسب الحرب وديناميكيات النفوذ القائمة: تحذر الباحثة بينيديتا برتي قائلةً: "بحسب ما هو متعارَف عليه حول المعافاة وإعادة الإعمار بعد النزاعات، يجب أن تتم إعادة البناء المادّية والمعافاة الاقتصادية والإصلاحات السياسية والمصالحة المجتمعية بصورة متزامنة من أجل نقل البلاد من حالة الحرب إلى "السلم". لكن في سوريا، ثمة خطر بأن يتواصل الجزء الأكبر من إعادة الإعمار والمعافاة الاقتصادية بمعزل عن المفاوضات لإنهاء الأعمال الحربية. في ظل هذه الظروف، يمكن أن تتحوّل إعادة الإعمار بسهولة إلى أداة لتثبيت مكاسب الحرب وديناميكيات النفوذ القائمة، ما يحول دون عملية الانتقال من الحرب إلى السلم أو يطرح تعقيدات أمامها، بدلاً من دعمها".

ومع تقدّم عملية إعادة الإعمار، سيواجه معارِضو الأسد سابقاً، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، معضلةً بين الاستثمار في إعادة الإعمار "التقنية" – التخلّي عن فرض شروط على المساعدات، والاتجاه بحكم الأمر الواقع إلى مكافأة النظام والمساهمة في ترسيخه لنفوذه على الأرض – وبين رفض المشاركة في عملية إعادة الإعمار برمتها، ما يُعرِّضهم لخطر خسارة مزيد من التأثير.

يواجه قطاع التطوير الدولي برمته المأزق نفسه في ما يتعلق بآلية العمل التي يجدر به اتباعها في السياق السوري المعقّد. بالفعل، في حين أن الحاجة إلى إعادة الإعمار والمعافاة أمرٌ محسوم لا يمكن إنكاره، بإمكان النظام السوري أن يستمر، بحكم العنف والعسكرة المتواصلَين، في استخدام إعادة الإعمار لتثبيت سيطرته وتوطيد تحالفاته التي بناها في زمن الحرب.

لكن إذا تواصلت عملية إعادة الإعمار المادية للبنى التحتية بمعزل عن المحادثات من أجل التوصل إلى تسوية سياسية وتصحيح النسيج الاجتماعي المدمّر في سوريا، سوف يؤثّر ذلك سلباً في الشرائح التي تعاني أصلاً من الهشاشة في المجتمع السوري ويتسبب بمزيد من التأخير في أي نقاش حول السبيل إلى تجاوز الحرب والنزاع.

 

بينيديتا برتي

حقوق النشر: صدى 2017

 

ar.Qantara.de

بينيديتا برتي هي زميلة باحثة في معهد بحوث السياسة الخارجية (FPRI)، وزميلة رفيعة المستوى في برنامج "تيد".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.