إلغاء موسم حج 2020 بسبب كورونا؟

كوفيد-19 - قواعد فقهية إسلامية راسخة لدرء الأوبئة

على خلفية جائحة كورونا دعت المملكة العربية السعودية المسلمين والمسلمات في جميع أنحاء العالم إلى التريث وتعليق استعداداتهم للحج حتى إشعار آخر حين تتضح الرؤية. ولكن كيف يمكن للسعودية تبرير إلغائها الحج في فترة الجائحة من الناحية الفقهية؟ الباحثان لينا-ماريا مولر وَ سردار كورناز يجيبان على هذا السؤال لموقع قنطرة.

 

اتَّضح حتى قبل عيد الفصح اليهودي وعيد القيامة المسيحي أنَّ جائحة كورونا مستمرة لا تتوقَّف ولا تستثني تداعياتها الحياة الدينية. إذ إنَّ القيود الواسعة النطاق المفروضة على الحياة العامة في جميع أنحاء العالم، تشمل أيضًا التجمُّعات الدينية، مثل صلوات الجماعة والقدَّاسات والجنائز.

وبالنسبة للمسلمين فإنَّ السؤال المطروح في المقام الأوَّل هو كيف ستكون الحياة الدينية المشتركة خلال شهر رمضان 2020 وفي الوقت نفسه يبرز أمام الكثير من المسلمين وعلماء الدين سؤالٌ آخر على نفس القدر من الأهمية: هل يمكن أن يؤدِّي الانتشار العالمي لفيروس كورونا إلى اتِّخاذ المملكة العربية السعودية قرار إلغاء الحج هذا العام؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل سيكون هذا القرار الحكومي القائم على أساس الحماية من انتشار العدوى مبرَّرًا  أيضًا من الناحية الفقهية؟

حياة المسلمين في ظلّ جائحة كورونا

ارتفع عدد الأشخاص المصابين بفيروس كوفيد-19 بشكل ملحوظ في شبه الجزيرة العربية حتى قبل أنَّ يتم في ألمانيا اتِّخاذ خطوات بعيدة المدى بغية احتواء جائحة كورونا. لقد قرَّرت العائلة السعودية المالكة في مطلع شهر آذار/مارس 2020 تعليق العُمْرة حتى إشعار آخر ومنع المسلمين في جميع أنحاء العالم من دخول البلاد لأداء العمرة، التي يمكن أداؤها على مدار العام.

وبعد ذلك لم يشارك في صلاة الجمعة التالية داخل الحرم المكي سوى بضعة آلاف من المصلين، وهذا مجرَّد جزء صغير من عدد المصلين الذين اعتادوا على أداء صلاة الجماعة هناك. وبعد عدة أيَّام، قامت السعودية في البداية بحظر صلاة الجمعة في جميع مساجد البلاد باستثناء مسجد الحرم المكي في مكة والمسجد النبوي في المدينة المنورة. ثم تم أيضًا إغلاق الحرمين الشريفين أمام المصلين، واللذين يعتبران أهم بيتين من بيوت الله في الإسلام.

كذلك قدَّمت السلطات وعلماء الدين في دول أخرى ذات أغلبية مسلمة توصيات في وقت مبكِّر من أجل التصدِّي لانتشار فيروس سارس كوف-2. ففي تركيا - على سبيل المثال - وجدت السلطة الدينية (ديانَت) أنَّ المشاركة في صلاة الجماعة (بما فيها صلاة الجمعة) غير مقبولة على العموم لجميع المؤمنين الذين شعروا بأعراض المرض لديهم.

 

منارة مسجد وعليها ميكروفونات لرفع الأذان. Foto: AFP/Getty Images
تأثير جائحة كورونا على الفرائض الدينية وتقييدها: في دولة الكويت مثلاً تم حتى تغيير الأذان للصلاة. فبدلًا من أن ينادي المؤذِّنون في البلاد بـ"حيَّ على الصلاة" باتوا يدعون الناس إلى الصلاة داخل بيوتهم بقولهم: "الصلاة في بيوتكم".

 

وقد تم اتِّباع هذه الحجة نفسها في الفتوى الصادرة عن مجلس الإمارات العربية المتَّحدة للإفتاء الشرعي. حيث تم منع الأشخاص الذين ظهرت لديهم أعراض المرض من المشاركة في صلاة الجمعة جماعةً. وأُعفي المسنون والمصابون بأمراض سابقة من فريضة صلاة الجماعة وطُلب منهم بدل ذلك أداء صلاة الظهر العادية في بيوتهم.

برَّر علماء الدين الإماراتيون هذه الرخصة، أي الإعفاء من أداء واجب ديني أساسي، بمبرِّرات من بينها الآية الـ78 من سورة الحجّ وذلك بالإشارة الواردة فيها: "ومَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ". وكذلك تم الرجوع إلى السُّنة النبوية، التي يجب بموجبها دائمًا اتباع تعاليم الدين بأفضل ما يمكن ضمن نطاق قدرة المؤمن.

وفي دولة الكويت تم حتى تغيير الأذان للصلاة. فبدلًا من أن ينادي المؤذِّنون في البلاد بـ"حيَّ على الصلاة" باتوا يدعون الناس الآن إلى الصلاة داخل بيوتهم بقولهم: "الصلاة في بيوتكم" ["صلُّوا في بيوتكم"]. وأصبحت الحياة الدينية العامة في العالم الإسلامي برمَّته تقريبًا مجمَّدة إلى إشعار آخر.

وفي ألمانيا، اتَّبعت الجاليات المسلمة أيضًا وعلى الفور توصيات علماء الفيروسات والسلطات الحكومية. وأعلن المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا في الثالث عشر من آذار/مارس 2020 عن أنَّه ينصح بسبب هذا الوضع بعدم المشاركة في صلاة الجمعة حتى إشعار آخر. وأضاف أنَّه يريد من خلال هذا القرار الوفاء بالتزاماته نحو كلّ المجتمع ومنع استمرار انتشار فيروس كورونا.

وفي اليوم نفسه قرَّر أيضًا مجلس الطوائف الإسلامية في هامبورغ (شورى) عدم إقامة صلاة الجمعة جماعةً في مساجد هامبورغ حتى نهاية شهر آذار/مارس 2020. وكانت هذه خطوة مهمة خاصةً على خلفية العطلة المدرسية السابقة المستمرة أسبوعين في هذه الولاية المدينة (هامبورغ) وعودة الكثير من المسافرين. واستمر سريان مفعول هذه التدابير. وبدلًا من صلاة الجماعة داخل المساجد توفَّرت للمؤمنين على موقع شورى هامبوغ الإلكتروني مجموعةٌ مختارة من خُطَب الجمعة الافتراضية في كلِّ أسبوع.

يعتبر إلغاءُ صلاة الجمعة أمرًا صعبًا بالنسبة للطوائف المسلمة في جميع أنحاء العالم، ولكن يمكن تبريره من دون شكّ من الناحية الفقهية. نتيجة لذلك تسقط خطبة وصلاة الجمعة جماعةً، التي تعتبر (على الأقل في الإسلام السُّني) فرض عين يجب على جميع المسلمين أداؤه جماعةً في يوم الجمعة، ولكن مع ذلك لا يزال بإمكان المؤمنين أداء صلاة الظهر المفروضة على المسلمين كصلاة من الصلوات الخمس اليومية.

وبالتالي يمكن مواصلة أداء هذا الركن الثاني من أركان الإسلام. ولكن ماذا لو تم تعطيل أحد أركان الإسلام الخمسة طيلة عام كامل من قبل الدولة وبسبب الحماية من انتشار العدوى؟ وهل يمكن تنفيذ الإلغاء المحتمل للحجّ الذي يبدأ في نهاية شهر تموز/يوليو 2020 بمثل هذه السهولة؟

الحجّ والحماية من العدوى

تَعْتَبِرُ الأسرة السعودية المالكة نفسها - بصفتها راعية للحرمين الشريفين (لقب ملك السعودية: خادم الحرمين الشريفين) - مسؤولةً في كلِّ عام عن مهمة تهيئة المدينتين المقدَّستين مكة والمدينة للحجّ وفتحهما للمسلمين القادمين من جميع أنحاء العالم وفي الوقت نفسه ضمان صحة الحجَّاج وسلامتهم. في تاريخ الإسلام، لم يكن الحجُّ يسير دائمًا في كلّ عام من دون مشكلات.

فقد كانت تؤدِّي الصراعات السياسية وأحيانًا الحروب بين الخلفاء المتنافسين والجماعات الإسلامية الأخرى إلى إلغاء الحجّ خاصة في العصر الإسلامي المبكِّر لفترات تستمر أحيانًا عدة أعوام. على سبيل المثال تم تعليق الحجّ آخر مرة في عام 1798 نتيجة لغزو نابليون بونابرت لمصر. إذ جعلت الحملة الفرنسية على مصر السفر بأمان إلى مكة والمدينة أمرًا مستحيلًا بالنسبة لكثير من المسلمين.

لقد خاضت أيضًا المملكة العربية السعودية، التي يقع الحرمان الشريفان فوق ترابها الوطني، تجاربَ مع المخاطر الصحية على الحجَّاج القادمين سنويًا، الذين ازداد عددهم من نحو ستين ألف حاج إلى أكثر من مليوني حاج. فقد واجهت السلطات المسؤولة في السعودية في عام 2013 تحديًا كبيرًا في تنظيم موسم الحجّ بسبب وباء ميرس، وهو مرض خطير يصيب الجهاز التنفسي تُسبِّبه أيضًا فيروسات كورونا. ولكن في ذلك الوقت لم يتم إلغاء الحجّ.

 

إيرانيات وإيرانيون مُرْتَدُون كمامات واقية في مدينة قُمّ الشيعية المقدسة. Foto: picture-alliance/AA
مدينة قُمّ مركز رجال الدين الشيعة (الحوزة العلمية) وبؤرة جائحة كورونا في إيران: تم الإعلان عن أوَّل إصابة بفيروس كورونا في إيران يوم التاسع عشر من شباط/فبراير 2020 في هذه المدينة الشيعية المقدَّسة. في هذا اليوم نفسه توفي في مدينة قُمّ رجلان بسبب فيروس كوفيد-19. انتشر الفيروس من هناك في جميع أنحاء إيران. وقد بلغ عدد المصابين بالفيروس في الجمهورية الإسلامية حتى تاريخ (21 نيسان/أبريل 2020) أكثر من أربعة وثمانين ألف شخص.

 

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ مخاوف السعودية تبدو مبرَّرة. ففي إيران، البلد الأكثر تضرُّرًا من جائحة كورونا في الشرق الأوسط، يعتقد الخبراء الآن أنَّ فيروس كورونا المستجد قد انتشر في البلاد انطلاقًا من مدينة قمّ المقدَّسة، التي يسافر إليها كلّ عام ملايين الزوَّار كونها مركزًا لرجال الدين الشيعة (الحوزة العلمية).

وبما أنَّ هذه المدينة كانت مصدر انتشار وباء كوفيد-19 في كافة أنحاء إيران، فهذا يُظهر أنَّ الزيارات الدينية أو رحلات الحجّ تشكل خطرًا كبيرًا في زمن الوباء. ولذلك فلا عجب من أنَّ وزارة الحجّ والعمرة السعودية قد طلبت في نهاية شهر آذار/مارس 2020 من المسلمين في جميع دول العالم التريُّث قبل الاستعداد للحجّ حاليًا حتى تتَّضح الرؤية، مثلما جاء على لسان وزير الحجّ والعمرة السعودي.

أسباب فقهية

وإذا نظرنا إلى ردود الفعل السريعة والبعيدة المدى من قِبَل الفقهاء والعلماء المسلمين فيما يخص صلاة الجمعة، فلا يمكن افتراض أنَّ كبار العلماء السعوديين سيعارضون احتمال طلب الأسرة السعودية المالكة إلغاء الحجّ هذا العام. في الواقع يمكن اعتبار التعليق شبه العالمي لأداء صلاة الجمعة وغيرها من شعائر العبادة الجماعية بمثابة إجماع جديد بين الفقهاء والعلماء المسلمين.

يقدِّم التقليد الإسلامي بعض الأمثلة السابقة المناسبة من أجل اتِّخاذ تدابير شاملة بهدف الحماية من انتشار العدوى، وكذلك مع مراعاة ممارسة الشعائر الدينية، وهذا ما يُفسِّر الإجماع الشامل إلى حدّ ما. وبحسب حديث نبوي موثَّق توثيقًا جيدًا في المصادر الإسلامية، فقد طلب النبي محمد أيضًا من المسلمين عدم السفر إلى أرض سمعوا بوقوع الطاعون فيها وعدم الخروج منها إذا وقع بها مثل هذا الوباء [نصُّ الحديث هو: "الطاعون آية الرجز ابتلى اللهُ عز وجلّ به أُناسًا من عباده، فإذا سمعتم به فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه"]. من الممكن اتِّخاذ هذا النوع المبكِّر من تقييد السفر كنقطة انطلاق لفرض تدابير وقائية صحية شاملة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة