وكلما كان التحليل أكثر تمايزًا، تطلَّبت القراءة مجهودًا أكبر. ولهذا السبب فإنَّ التفسيرات البسيطة يمكن ترويجها بشكل أفضل، وخاصة عندما تبدو ناقدة للذات - وبالتالي مناهضة للغرب. وعندئذ يتم اختزال الحرب في سوريا إمَّا في رغبة الغرب في تغيير النظام أو في فشل صفقة خط أنابيب أو في تدخُّل ضدَّ إيران.

ويكاد السوريون لا يظهرون بشكل مميَّز في هذه المنافسات الجيوستراتيجية حول الوثائق الاستخباراتية والمواد الخام - على الأقل ليس كفاعلين، بل على أكثر تقدير كضحايا استغلال وتضليل. ومن خلال ذلك فإنَّ مؤيِّديهم يتبنَّوْنَ ما ينتقدونه: رؤية أبوية عميقة للغاية. وكأنَّما لم يكن السوريون من دون وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) قادرين على الوقوف في وجه نظام ظالم.

نمط التفكير حول "الخير" و"الشر"

بشكل خاص يُحِبّ اليساريون والناشطون من أجل السلام تبنِّي نظريات تغيير النظام وخطوط الأنابيب، لأنَّها تنسجم مع نمط تفكيرهم الذي يعود إلى عقود من الزمن حول "الخير" (الشرق المناهض للرأسمالية) و"الشر" (الغرب الإمبريالي المتعطِّش للمواد الخام). على الرغم من أنَّ في روسيا والصين الآن تجاوزات معادية جدًا للمجتمع من جانب رأسمالية غير مقيَّدة، ورغم أنَّ سوريا تمثِّل الليبرالية الجديدة والمحسوبية في أنقى أشكالهما.

وبالإضافة إلى ذلك لا يوجد أساسًا في السياسة الدولية أخيار وأشرار، بل توجد مصالحُ فقط. وعلى مستوى السياسة الخارجية يسعى كلُّ قائد من قادة الدول إلى تحقيق مصالح بلاده أو عملائه - سواء دونالد ترامب أو كيم يونغ أون أو أنغيلا ميركل أو فلاديمير بوتين. أمَّا التفوُّق الأخلاقي فيظهر على أبعد تقدير من خلال اختيار الوسائل لتحقيق هذه المصالح، لأنَّ هذه المصالح يجب أن تراعي القانون الدولي لحقوق الإنسان، الأمر الذي نادرًا ما تفعله بشكل كافٍ - لدى جميع الأطراف.

ولكن مع ذلك يوجد في سوريا خيرٌ وشر، لأنَّ في عمل الإنسان تسري من دون شكّ معاييرُ أخلاقية. فالطبيب، الذي يُهرِّب الأدوية إلى منطقة محاصرة، يفعل خيرًا، بينما الجندي المُرتزق، الذي يجمع لنفسه ثروة عند حاجز عسكري، فهو لا يفعل الخير.

رؤساء فروع الاستخبارات، الذين ينظرون إلى التعذيب السادي في مراكز الاعتقال الخاضعة لإمرتهم كوسيلة تخويف مشروعة، يعتبرون شريرين للغاية بحسب المفاهيم الإنسانية (وليس الغربية). تمامًا مثل قادة المقاتلين المعارضين، الذين يشفون غليلهم في الثأر من الجنود الأسرى. الشاب غير المسلح، الذي يتظاهر من أجل الحرية، يعتبر أفضل من الجندي، الذي يطلق النار عليه، أو أفضل من رئيسه (الضابط المسؤول عنه)، الذي يجبره على فعل ذلك.

دونالد ترامب وكيم يونغ أون في 12 يونيو / حزيران 2018 في قمة كوريا الشمالية في سنغافورة. Foto: picture-alliance/AP
مناورة ومراوغة: لا يوجد أساسًا في السياسة الدولية أخيار وأشرار، بل توجد مصالح فقط. وعلى مستوى السياسة الخارجية يسعى كلُّ قائد من قادة الدول إلى تحقيق مصالح بلاده أو عملائه - سواء دونالد ترامب أو كيم يونغ أون. أمَّا التفوُّق الأخلاقي فيظهر على أبعد تقدير من خلال اختيار الوسائل لتحقيق هذه المصالح، لأنَّ هذه المصالح يجب أن تراعي القانون الدولي لحقوق الإنسان، الأمر الذي نادرًا ما تفعله بشكل كافٍ - لدى جميع الأطراف.

تكييف الأزمة مع صورة العالم المؤدلجة

نحن نجازف بإضاعة هذه البوصلة الأخلاقية في سوريا، عندما ندَّعي عدم معرفة أي شيء، لأنَّ جميع الأطراف يحاولون فقط التأثير على تصوُّراتنا من خلال التضليل والإخراج. وفي النهاية نخلط ما بين المجرمين والضحايا ونقدِّم خدمة لرافضي الحقيقة، الذين يتبنّون كلَّ إشاعة على شبكة الإنترنت، لتحويل نظام الأسد من جانٍ إلى ضحية. بعض اليساريين المزيَّفين قاموا بتكييف الحرب السورية مع صورتهم المؤدلجة عن العالم من خلال ادِّعائهم بأنَّ هناك "حكومة سورية تستمد شرعيَّتها من انتخابات ديمقراطية تتصدَّى للإمبريالية الغربية".

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى الحقيقة. توجد في هذه الأزمة حقائقُ لا يمكن إنكارها. الرئيس السوري لا يستمد شرعيَّته من انتخابات ديمقراطية، لأنَّ هذه الانتخابات ليست حرة وليست سرّية وليست متساوية. لقد تمت مبايعة آل الأسد طيلة ثلاثة وأربعين عامًا عن طريق الاستفتاء على البقاء في الحكم من دون وجود مرشَّحين منافسين. العملية الانتخابية كلها -من الدخول إلى مراكز الاقتراع وحتى فرز الأصوات- في يدّ النظام.

توجد أيضًا فيما يتعلَّق باستخدام الغازات السامة والكلور حقائق عامة. فمن أصل تسعٍ وثلاثين حالة موثَّقة منذ عام 2013، نسبت لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتَّحدة ثلاثًا وثلاثين حالة للنظام، بينما لم تتمكَّن من أن تثبت بوضوح هوية الطرف المسؤول عن الست حالات المتبقية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.