كلما كان يتم استخدام غاز السارين في سوريا، كان مصدره من مخزون النظام. هذا ما بيَّنته مقارنة العيِّنات بالمواد، التي كانت قد سلَّمتها دمشق لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية (OPCW) من أجل إتلافها. وبالإضافة إلى ذلك، تقوم اللجنة التابعة للأمم المتَّحدة منذ سنين بتوثيق استهداف النظام ومؤيِّديه البنى التحتية المدنية بالغارات والقصف، وخصوصًا المستشفيات، وتجويع المدنيين كسلاح في الحرب وكذلك الإبادة المُمَنْهَجَة للمدنيين في مراكز الاعتقال التابعة للنظام.

تؤكد التقارير الواردة من منظمات غير حكومية دولية، مثل منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية ومنظمة أطباء بلا حدود، استخدام هذه الأساليب التي تندرج قانونيًا ضمن خانة جرائم الحرب والجرائم ضدَّ الإنسانية. ولذلك فقد صدرت مذكرات اعتقال دولية ضدّ المستشار الأمني الخاص للأسد، علي مملوك، ورئيس المخابرات الجوية، جميل حسن.

إيمان متزايد بنظريات المؤامرة

ومع ذلك فقد بات عدد متزايد من "المواطنين الناقدين" يثقون بنظريات المؤامرة المنتشرة على شبكة الإنترنت أكثر من ثقتهم بتحقيقات الأمم المتَّحدة، التي يجب أن تلبي المعايير العلمية. مثلًا في حالة الهجوم بغاز السارين على منطقة خان شيخون في الرابع من نيسان/أبريل 2017، الذي سقط ضحيته أكثر من ثمانين قتيلًا. وعلى الرغم من أنَّ فريق الخبراء التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية ولمنظمة والأمم المتَّحدة قد حمَّل الحكومة السورية المسؤولية عن هذا الهجوم بعد تقييمه جميع الأدلة (وقت الهجوم والحُفَر التي خلفها القصف والغارة الجوية والأعراض الظاهرة على الضحايا وكذلك عيِّنات الدم والتربة)، إلَّا أنَّ هناك روايات مخالِفة بعناد حول المسؤول عن هذا الهجوم.

قصف بلدة دوما في دمشق - أبريل / نيسان 2018.  Foto: picture-alliance/Xinhua
حقائق مُبِينَة لا يمكن دحضها بدلاً من الأخبار الكاذبة و"الحقائق المُتَصَوَّرة": بحسب استنتاجات مجلس الأمم المتَّحدة لحقوق الإنسان، فقد تم استخدام الغاز السام في نيسان/أبريل 2018 في مدينة دوما السورية، التي كان يسيطر عليها لفترة طويلة مقاتلو المعارضة. وبحسب تقرير تم نشره في حزيران/يونيو 2018 في جنيف حول القتال لاستعادة معقل المعارضين السابق -منطقة الغوطة الشرقية الواقعة قرب العاصمة دمشق- فإنَّ الدلائل المتوفرة تتَّفق مع استخدام غاز الكلور. كما تتطابق الأعراض الظاهرة على المصابين مع استخدام مادة كيميائية أخرى.

عندما يتم دعم هذه الروايات من قِبَل صحفيين أو باحثين مشهورين، فعندئذ تبدو لذلك أكثر مصداقية، حتى وإن كان هؤلاء الخبراء يستندون إلى مصادر مشكوك فيها وإن كانت مزاعمهم قد تم تفنيدها بوضوح من خلال تقارير التحقيقات. يبدو أنَّ انعدام الثقة في المؤسَّسات ووسائل الإعلام الأساسية كبيرٌ لدرجة أنَّ "مكتشفي الحقائق" بات يتم الاحتفاء بهم كمستضعفين شجعان، بصرف النظر عن القمامة التي يردِّدونها.

ينطبق هذا أيضًا على الأساتذة الجامعيين الألمان، الذين يزعمون أنَّ جميع هجمات الأسلحة الكيميائية وقعت "تحت راية مزيَّفة"، وقد خسروا بذلك الأرضية العلمية. وكفاعلين مقتنعين فهم يمثِّلون بالنسبة لمروِّجي الأخبار الكاذبة أدوات دعائية فعَّالة بشكل خاص. إذ إنَّ وجود باحث يؤمن بما يقوله عندما ينشر الأكاذيب يعدُّ أفضل ما يمكن أن يحدث لقناة روسيا اليوم وسبوتنيك أو فوكس نيوز. وذلك لأنَّ مزاعمه الغامضة تحقِّق هدف حملة التضليل الإعلامي، أي: زرع الشكّ في الحقيقة إلى أن تظهر (الحقيقة) كواحدة من عدة روايات محتملة.

هكذا تصبح هيئات التحرير الصحفية، التي تعلن في الأزمة السورية فقط عن مواقف أطراف الحرب من دون أن تكلف نفسها عناء مقارنتها بحقائق يسهل التقصِّي عنها، جزءًا من اللعبة. إنَّ إجراء مقابلة في الصباح مع الخبير "ألِف" وفي المساء مع الخبير "باء" هو عمل لا علاقة له بالتغطية الإعلامية المحايدة، بل هو عمل يفضح العجز الذاتي عن معرفة الأخبار الكاذبة.

كيف يمكننا إذًا فرض الحقيقة في الحرب؟ من خلال تمييزنا: يجب علينا أن نحاول فهم التصوُّرات، وأن نناقش التحليلات مناقشة جدلية، ولكن مع ذلك لا بدّ من احترام الحقائق - أيضًا في سوريا.

 

 

 

كريستين هيلبيرغ
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: تاتس / موقع قنطرة 2018

 

 
 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.