كانت تربط غيرترود بيل عداوةٌ شديدةٌ مع مارك سايكس، وهو أحد المفاوضَيْن في الاتِّفاقية السرية بين فرنسا وبريطانيا. وكان يصفها بأنَّها "امرأة كالرجل مسطحة الصدر، ورحالة تلعب بذيلها، وثرثارة رخيصة". أما هي فقد كانت تصفه من ناحية أخرى بأنَّه شخص يتَّسِم بعدم كفاءة بلا حدود.

وذلك لأنَّ الاتِّفاقية التي صاغها البريطاني مارك سايكس بالتعاون مع نظيره الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، كانت مثيرة للجدل إبَّان توقيعها. وكان بيكو مفاوضًا لديه خبرة أكثر بكثير من نظيره البريطاني وقد أدرك كيف يضمن لفرنسا أكثر بكثير مما كان متوقعًا. وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ هذه الاتِّفاقية تحتوي على تناقضات مهمة. ففي حين أنَّ بريطانيا كانت قد تعهَّدت في وقت سابق بأنَّها ستدعم العرب في حالة قيامهم بثورة ضدَّ الدولة العثمانية وستعترف باستقلال العرب لاحقًا، فقد تقاسمت فرنسا وبريطانيا حينئذٍ أجزاءً كبيرة من الأراضي العربية فيما بينهما وخلقتا دولاً مثل سوريا والعراق.

ولكن في الواقع فقد تضمَّنت اتِّفاقية سايكس بيكو في الفقرة الأولى إشارة إلى أنَّ كلاً من فرنسا وبريطانيا على استعداد للاعتراف بدولة عربية مستقلة وحمايتها في المناطق المحدَّدة بعلامة ألف وباء على الخريطة. غير أنَّ كِلتا الدولتين احتفظتا في مناطق نفوذهما بامتيازات استفادتا منها حتى الخمسينيات.

تشويه خَلْقيّ في تشكيل العراق الحديث

ولكن غيرترود بيل، التي صحيح أنَّها كانت تعمل في خدمة بريطانيا غير أنَّها كانت تسعى دائمًا من أجل مصلحة العرب، لم توافق على ذلك. ومن جانبه لم يكن مارك سايكس يعبأ بذلك، حيث أنَّه كان يهتم بمصير الأرمن - الذين كانوا يعانون من ضغط الدولة العثمانية - أكثر من اهتمامه بمستقبل العرب والأكراد. وكذلك كان مارك سايكس يعمل لصالح أطماع اليهود التي ظهرت حينها والهادفة إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

Grab von Gertrude Margaret Lowthian Bell. Foto: Birgit Svensson
البحث عن آثار "ملكة الصحراء" في بغداد - في مقبرة تحيطها مساجدُ وكنائسُ ومباني وزارات وشوارعُ مليئةٌ بالحفر وطوابير سيَّارات لا نهاية لها، يوجد تابوت حجري يحمل النقش التالي: غيرترود مارغريت لوثيان بيل. وفوق هذا التابوت الحجري توجد باقةٌ صغيرةٌ من الورود البلاستيكية الحمراء والبيضاء.

ثم أظهرت التطوُّرات اللاحقة كيف تنشأ من هذه المصالح المختلفة صراعاتٌ دمويةٌ وتتفاقم حدَّتُها في يومنا هذا. إذ لم يجلب تكوين دولة العراق من المناطق الثلاث المختلفة عرقيًا ودينيًا، أي الموصل وبغداد والبصرة، السعادة للعراق. فقد كانت دائمًا المملكة العراقية غير مستقرة، وفي عام 1958 قام الجيش بانقلاب عسكري ضدَّ الملك فيصل الثاني. وفي عام 1968 استولى حزب البعث الاشتراكي على السلطة، وفي عام 1979 أقام صدام حسين ديكتاتوريه، وحافظ على وحدة البلاد بوحشية يمكن وصفها بأنَّها قديمة.

في منطقة باب الشرجي الواقعة على الضفة الشرقية من نهر دجلة، يفتح علي منصور الباب المعدني الذي يفضي إلى المقبرة الإنجيلية. ومنذ نحو خمسين عامًا يُعْتَبَر هذا الرجل الشيعي البالغ من العمر اثنين وسبعين عامًا هو المسؤول هنا عن القبور القليلة.

وفي مقبرة تحيطها مساجدُ وكنائسُ ومباني وزارات وشوارعُ مليئةٌ بالحُفَر وطوابير سيَّارات لا نهاية لها، يوجد تابوت حجري يحمل النقش التالي: غيرترود مارغريت لوثيان بيل. وفوق هذا التابوت الحجري توجد باقةٌ صغيرةٌ من الورود البلاستيكية الحمراء والبيضاء.

وبعد سؤاله حول الدور الذي لعبته هذه المرأة الميِّتة بالنسبة لبلاده، أجاب حارس المقبرة علي منصور بشكل دبلوماسي: "إنَّ لكلِّ شخص حسناته وسيِّئاته". وأضاف أنَّ هذا ينطبق أيضًا على الآنسة غيرترود بيل. وأنَّها من ناحية هي المسؤولة عن رسم الحدود المشؤومة وكذلك عن تكوين العراق، الذي لم يكن موجودًا من قبل. ولكنها من ناحية أخرى كانت تعمل دائمًا من أجل التراث الثقافي في هذا البلد وقد أسَّست المتحف الوطني العراقي. "وكانت تتكلم لغتنا وتعرف قبائلنا وعاداتنا وتقاليدنا".

بيد أنَّها لم تكن تعرف الخلافات بين السُّنَّة والشيعة، وبين العرب والأكراد. "ولو عرفت ذلك لكان من الممكن تجنُّب الكثير من الأمور".

 

بيرغيت سفينسون

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.qantara.de 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.