احتجاجات العراقيين المدنيين 2019

العراق - من يقتل المحتجين؟ خشية من "انقلاب كما في اليمن"

سجلت احتجاجات العراق 2019 أعلى الأرقام في عدد القتلى من بين جميع الاحتجاجات المتزامنة معها على مستوى العالم. ولكن مَنْ الذي يطلق النار على المتظاهرين؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال - الذي يؤدِّي إلى انفجارات سياسية. الصحفية الألمانية والخبيرة في الشؤون العراقية بيرغيت سفينسون تسلط الضوء من بغداد لموقع قنطرة على الاحتجاجات العراقية.

الهواء كثيف في بغداد. بالمعنى المبهم لهذا التعبير. فمن ناحية ها هو  ضبابُ الشتاء بدأ يهبط ممتدّاً إلى طبقات الهواء المنخفضة ويختلط بالدخان المُنطلق من الغازات المسيلة للدموع وإطارات السيَّارات المحترقة. ومن ناحية أخرى أسفرت المناوشات العنيفة التي وقعت في الأيَّام الأخيرة عن العديد من القتلى والجرحى وقلبت المدينة وفي الوقت نفسه شلَّت حركتها.

متظاهرون شبابٌ يَعْرِجُونَ على امتداد ساحة التحرير بأربطة طبية سميكة. لم نعد نسمع أصوات الرصاص، ولكن في المقابل ازدادت صفَّارات سيَّارات الإسعاف. يتراوح المزاج بين الاستسلام وبين "الآن أكثر من قبل". وبسبب الخوف من الوقوع في مرمى نيران القناصة، فقد بقيت بشكل خاص الأُسر والنساء في البيوت.

على الأرجح أنَّ هذا هو هدف العملية الدموية، التي نظَّمتها الحكومة، لأنَّها تريد إنهاء الانتفاضة. هذه المرة الثانية التي يسمح فيها رئيسُ الوزراء العراقي عادل عبد المهدي منذ اندلاع الاحتجاجات في العراق قبل ستة أسابيع بإطلاق النار على المتظاهرين. في الواقع من المؤكَّد أنَّ: الاحتجاجات في العراق هي الأكثر دموية من بين جميع الاحتجاجات والانتفاضات الموجودة حاليًا في جميع أنحاء العالم.

 

احتجاجات ضد الحكومة في ساحة التحرير - بغداد العراق. Foto: Birgit Svensson
لقد سئم العراقيون من سوء الإدارة والتدبير والفساد وسوء استخدام السلطة السياسية طيلة سنين: منذ بداية شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2019، يحتج العراقيون - مثلما هي الحال هنا في ساحة التحرير ببغداد - ضدَّ الحكومة المركزية برئاسة عادل عبد المهدي. تهزُّ العراق منذ عدة أسابيع انتفاضةٌ أودت حتى الآن بحياة أكثر من ثلاثمائة وثلاثين شخصًا.

 

مَنْ الذي أعطى أمر إطلاق النار؟

بينما تقوم آليات أمانة بغداد وعمَّالُها بإزالة الشظايا والقطع المكسورة وتجرُف الجرَّافات بمجارفها أحجار الرصف، التي تُستَخدم من قبل المتظاهرين كمقذوفات، لا تزال نهاية حالة الدمار والفوضى السياسية، التي أبرزتها هذه الاحتجاجات وألقت الضوء عليها، غير مُتَوقَّعة. 

لا يوجد خلاف على تحديد هوية الشخص الذي أصدر أمر استخدام الذخيرة الحيّة بالإضافة إلى الغاز المسيل للدموع في الاحتجاجات، وبالتالي تحديد المسؤول عن موت المتظاهرين السلميين حتى الآن إلى حدّ بعيد. تحدَّثت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتَّحدة في العراق عن سقوط ثلاثمائة وثلاثين قتيلًا منذ بدء الاحتجاجات في مطلع شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2019 ونحو ثمانية عشرة ألف جريح. ولكن من غير الواضح مَنْ الذي أطلق الرصاص.

يستقبل ضياء السعدي الزوَّار داخل مكتبه في نقابة المحامين العراقيين على الضفة الأخرى من نهر دجلة، مقابل ساحة التحرير. وفي الكرخ، في القسم الغربي من مدينة بغداد، تقع المنطقة الخضراء، حيث توجد المقرَّات الحكومية والعديد من الوزارات وكذلك المقرُّ الرسمي لرئيس الوزراء. ومن الكرخ بالذات تم إطلاق النار على المتظاهرين في ساحة التحرير.

اعتاد رئيس نقابة المحامين العراقيين ضياء السعدي على وصول الزوَّار في هذه الأيَّام متأخرين عندما يأتون إليه من الجانب الآخر من نهر دجلة. ومن بين جسور دجلة الأربعة التي كانت تحتلها حركة الاحتجاجات حتى قبل أسبوع، قامت قوَّات الأمن بإخلاء ثلاثة جسور، ولكن لم يتم فتحها أمام حركة المرور. ولذلك يضطر الناس إلى السفر عبر طريق طويلة تستغرق وقتًا طويلًا من أجل الوصول من الرصافة إلى الكرخ.

ضياء السعدي رجلٌ قصير القامة وحكيم يُفَكِّر في البداية قبل أن يُجيب. ومن المهم بالنسبة له أنْ يؤكِّد على أنَّ نقابة المحامين هي منظمةٌ مستقلة موجودة منذ عام 1933 وأنَّه شخصيًا قد تم انتخابه كمُرَشَّحٍ مستقل. ويضيف أنَّ ذلك لم يكن سهلًا، لأنَّ السياسيين والمُتَديِّنين في العراق يريدون التدخُّل في كلِّ مكان.

 

 

زيادة الاحتجاجات

يقول رئيس المحامين مؤكِّدًا: "مَنْ أعطى أمر العمليَّتين ضدَّ المتظاهرين هو القائد الأعلى لقوَّات الأمن ورئيس الوزراء". ويضيف أنَّ عادل عبد المهدي هو مَنْ يتحمَّل المسؤولية عن القتلى والجرحى. لقد وقع في منتصف شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2019 في بغداد وفي محافظات العراق الجنوبية، التي تشتعل فيها الاحتجاجات أيضًا، تدخُّلٌ أمنيٌ عنيف سقط ضحيَّته أكثر من مائة قتيل. وبعد أن كانت المظاهرات قد هدأت لبضعة أسابيع، عادت من جديد لتزداد أكثر.

يُظهر مثال بغداد مدى اتّساع مخيَّم الاحتجاج. فبينما كانت الخيام تقتصر في بداية شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2019 على ساحة التحرير فقط، باتت تتَّسع الآن. وضياء السعدي متأكِّد من أنَّ هذه العملية الثانية لن تكون الأخيرة. ولكن مَنْ الذي يُطلق النار على الناس؟

الكثير من جنود الجيش موجودون في مخيَّم الاحتجاج، وكذلك يتضامن الكثير من رجال الشرطة مع المتظاهرين، الذين يشاهدونهم وهم يسيرون في شوارع بغداد حاملين العلم العراقي - وهذه علامة واضحة على التعاطف. ويعود الفضل في ذلك إلى نقابة المحامين أيضًا، مثلما يقول رئيسها ضياء السعدي: "محامو نقابتنا وقفوا أيضًا إلى جانب حركة الاحتجاج. يوجد لدينا ركنان في ساحة التحرير، حيث نتحدَّث مع الناس ولدينا مجموعة من محامين يهتمون بالمتظاهرين المعتقلين". ويخبرنا بفخر أنَّهم قد تمكَّنوا حتى الآن من إطلاق سراح أكثر من مائة معتقل.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.