اضطهاد المسلمين الروهينجا في ميانمار - البلد الآسيوي بورما ذي الأغلبية البوذية

مجازر دموية في ظل أيقونة حقوق الإنسان الميانمارية

تكررت المواجهات الدموية بين البوذيين والمسلمين في ميانمار بعد سنة 2012. واتهم الناشطون الحقوقيون الحكومة وقوات الأمن بالتصفية العرقية والتورط في أعمال قتل واضطهاد ضد الأقلية المسلمة في هذا البلد الآسيوي. الكاتبة الألمانية شارولته فيدمان تقدم لموقع قنطرة عرضا عن مصير المسلمين الروهينجا، منتقدةً صمت أيقونة حقوق الإنسان في ميانمار السيدة سو تشي عن مذابح تصفوية جرت في حق المسلمين في بلادها ذات الأغلبية البوذية.

مسلمون من أقلية الروهينجا يحتجون على اضطهادهم في ميانمار. Foto: dapd
وجهت منظمة هيومن رايتس في تقرير اتهامات لميانمار بتنفيذ حملة تطهير عرقي ضد أقلية الروهينيغيا المسلمة. وتحدث التقرير عن إثباتات بخصوص وجود مقابر جماعية وعمليات ترحيل قسري لعشرات آلاف السكان المنتمين لأقلية الروهينجا. ويبلغ عدد الروهينجا حوالي 800 ألف شخص يقيمون في ولاية راخين، وتعتبرهم الأمم المتحدة إحدى الأقليات الأكثر تعرضا للاضطهاد في العالم. وقد حرمهم المجلس العسكري الحاكم سابقا من الجنسية. وتفيد الأمم المتحدة أن أكثر من 13 ألف شخص من الروهينجا فروا بحرا عام 2012 من ميانمار وبنغلادش من أعمال العنف الطائفية بين الأكثرية البوذية والأقلية المسلمة والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 200 شخص و140 ألف نازح في ولاية راخين في غرب بورما. وغادر آلاف الروهينجا (الذين يعتبرهم العديد في ميانمار مهاجرين غير شرعيين ولا يخفون العداء لهم) هربا من أعمال العنف وتوجهوا بحرا إلى ماليزيا بصورة خاصة.

أن نتأثر أو لا نتأثر عندما يكون هناك بشر يلقون ويلات العذاب في مكان قصي من المعمورة فذلك أمر يظل رهن عاملين مهمين، وهما: هل تدرج وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ما يحدث ضمن دائرة اهتماماتها، وتختزل لنا بذلك المسافات الجغرافية والثقافية التي تفصلنا عنه؟ ثم: هل توجد رموز (أيقونات) لتلك المعاناة أو ذلك الصراع تشكل عناصر تتجسد فيها هوية تلك الوقائع وتنعكس على سطحها المآسي والمظالم بطريقة تجعلها تحرك وجداننا المتَّسم بخصوصياتنا الثقافية الغربية؟

تمثل ميانمار اليوم، أو بورما كما يزال يسميها البعض، شيئا شبيها بيافطة تتجسد فوقها طرائق تأثير هذه الميكانيزمات ونتائجها الغريبة. ما من شخص كان يجسد الأيقونة في سنوات ماضية غير بعيدة مثل أون سان سو تشي، السيدة ذات الزهرة في شعرها. ويبدو كما لو أن الإدراك قد اكتسب معها هي فقط جسدا سياسيا حيّا، لطالما كان للهيأة الرشيقة الجذابة من وقع استطاع أن يحدد ملامح الـمِخيال السياسي المجسد في صورة حية.

مشرّدون ومهمّشون

بعيدا عن هذا الشعاع الضوئي هناك في ميانمار مليون من البشر الذين تغمرهم العتمة: إنهم الروهينجا المعلنون رسميا شعبا مشردا ومسلوبا من كل الحقوق المدنية تقريبا: لا يحق لهم التنقل دون ترخيص رسمي، ولا أن ينجبوا أكثر من طفلين. وقد صنفتهم منظمة الأمم المتحدة كواحدة من الأقليات الإثنية الأكثر عرضة لأشد أنواع الاضطهاد في العالم.

يتعلق الأمر هنا بأقلية مسلمة في بلاد أغلبية شعبه من البوذيين. وبما أنه ليس هناك من شخصية أيقونيّة بين الروهينجا، فليس هناك من تحقيقات حولهم، ولا صور عنهم تقريبا؛ أي أن لا أحد يرى نفسه متماثلا معهم. هكذا تظل معاناتهم بلا ملامح، بلا وزن، ولا تستطيع أن تُلحق برواية كبرى -عندنا هنا (في أوروبا) على أية حال، ذلك أن الرواية الكبرى السائدة لدينا تضع المسلمين في منزلة الجناة المعتدين، لا في منزلة الضحايا.

أصبح لميانمار اليوم شبابيك أوتوماتيكية لسحب الأموال ومشاغل بناء لتشييد فنادق فاخرة. وقد رفعت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إجراءات العقوبات عنها، والسيدة سو تشي تريد أن تصبح رئيسة للبلاد، وسيكون التدخل لمساندة حقوق الروهينجا عملا غير ملائم لكسب الشعبية.

مسلمون من أقلية الروهينغيا يحتجون على اضطهادهم في ميانمار. Foto: dapd
وجهت منظمة هيومن رايتس في تقرير اتهامات لميانمار بتنفيذ حملة تطهير عرقي ضد أقلية الروهينيغيا المسلمة. وتحدث التقرير عن إثباتات بخصوص وجود مقابر جماعية وعمليات ترحيل قسري لعشرات آلاف السكان المنتمين لأقلية الروهينغيا. ويبلغ عدد الروهينغيا حوالي 800 ألف شخص يقيمون في ولاية راخين، وتعتبرهم الأمم المتحدة إحدى الأقليات الأكثر تعرضا للاضطهاد في العالم. وقد حرمهم المجلس العسكري الحاكم سابقا من الجنسية. وتفيد الأمم المتحدة أن أكثر من 13 ألف شخص من الروهينغيا فروا بحرا عام 2012 من ميانمار وبنغلادش من أعمال العنف الطائفية بين الأكثرية البوذية والأقلية المسلمة والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 200 شخص و140 ألف نازح في ولاية راخين في غرب بورما. وغادر آلاف الروهينغيا (الذين يعتبرهم العديد في ميانمار مهاجرين غير شرعيين ولا يخفون العداء لهم) هربا من أعمال العنف وتوجهوا بحرا إلى ماليزيا بصورة خاصة.

حاليا تجري عمليات فرز نتائج الإحصائيات السكانية، وهي خطوة باتجاه الإعداد لانتخابات سنة 2015، وتوضيح المسائل المتعلقة بالتمثيلية العرقية في ميانمار ذات التركيبة الإثنية المتنوعة، إلا أن أقلية الروهينجا تظل خارج اللعبة.

الروهينجا لا يدخلون في الحسبان

كل من سيعرّف بنفسه كشخص ينتمي إلى الأقلية المسلمة أمام موظفي الإحصاء عند السؤال عن الانتماء الديني والعرقي سيتم إلغاؤه من الإحصائيات بتوصية من الحكومة. فمن يحسب الروهينجا من ضمن السكان فسيكون قد وقع منذ البداية في سوء فهم لمسألة الجنسية القومية، كما يقول وزير السكان في ميانمار. فال بحسب الرؤية الرسمية، التي يبدو أن عددا كبيرا من مواطني البلاد يشاطرها، هم مهاجرون غير شرعيين قادمون من بنغلاديش، ليس أكثر.

لكن من هم الروهينجا في الحقيقة؟ بعض المؤرخين ينسبونهم إلى أصول بحارين من العرب قد اختلطوا بالسكان المحليين منذ القرنين السابع والثامن ميلادي، تَلَتْهم من بعدُ موجات إضافية من المهاجرين. وبالتالي فليس الروهينجا من أصل عرقي أو إثني موحد، لكن تربط بينهم مع ذلك لغة وثقافة مشتركتان.

ومقاطعة راخين حيث يتمركز وجود الروهينجا اليوم كانت في ما مضى مملكة مستقلة تحمل اسم أراكان قد بسطت نفوذها لمدة من الزمن على أجزاء من بلاد البنغال، ثم تم ضمها من قبل السلطة الاستعمارية البريطانية إلى بورما رغما عن إرادة سكانها. وقد تعايش فيها من قبل المسلمون والبوذيون في جو من الوئام والسلام.

سحب الجنسية عن الروهينجا 

عند استقلال بورما سنة 1948 تم الاعتراف بالروهينجا كفصيلة إثنية من الشعب البورمي. لكن، بدءاً من سنة 1962، تاريخ استيلاء الجيش على السلطة، شرعت الدولة في سحب الجنسية عنهم تدريجيا. وظلت المحاولات تتكرر بصفة مستمرة لتهجيرهم من مقاطعة موطنهم الأصلي.

وخلال السنتين الأخيرتين راح الروهينجا يتعرضون إلى العديد من اعتداءات عصابات إجرامية، فيما يعمل متعصبون بوذيون من دعاة الكراهية على تأجيج المشاعر العدوانية ضدهم. وفي الأثناء أصبح هناك 140 ألف روهينغيّ يعيشون متكادسين داخل مخيمات لللاجئين. ومؤخرا رأى أفراد منظمة "أطباء بلا حدود" أنفسهم يُمنعون من القيام بعمل المساعدة التي يقومون بها تجاههم؛ بينما طردت مجموعات أخرى من أفراد المساعدة الإنسانية بطريقة عنيفة. وفي ظل هذه الأوضاع يحاول العديد من الروهينغيين الهجرة على متن زوارق صيد باتجاه البلدان المجاورة مثل بنغلاديش وتايلند وماليزيا وأندونيسيا. وهناك حاليا حوالي 35 ألف لاجئ من المسجلين في ماليزيا وحدها.

السيدة أون سان سو تشي، حاملة جائزة نوبل للسلام، تلقي كلمة في إحدى اجتماعات حزبها (حزب الرابطة الوطنية للديمقراطية) في ميانمار (بورما).  Foto: picture alliance/AP Photo
متعالية وغير مبالية تجاه الأقلية المسلمة في بلادها ميانمار: تم انتقاد حاملة جائزة نوبل السلام أون سان سو تشي مرات عديدة في الماضي على عدم إدانتها لأعمال العنف بين الأغلبية البوذية وأقلية الروهينغيا المسلمة المهمشة بشكل واضح وكافٍ.

أما السيدة أون سان سو تشي فقد اكتفت بانتقاد سياسة تحديد المواليد بطفلين، دون كلمة عن المذابح التصفوية، ودون كلمة عن إقصائهم من تعداد السكان. فإبداء المساندة لهؤلاء الأجانب المزعومين بإمكانه أن يعيق مشاغل أخرى حالية للزعيمة السياسية؛ إذ لكي تستطيع أن تصبح رئيسة للبلاد عليها أن تتوصل أولا إلى إحداث تعديل على دستور البلاد الذي يمنع في صيغته الحالية أي شخص متزوج من أجنبي أو له أطفال من أجنبي، من تبوُّؤ المركز الأعلى في هرم السلطة، والحال أن أبناء سو تشي من زوجها المتوفى يحملون الجنسية البريطانية.

والليدي سو تشي على أية حال كانت على قناعة دوما بأنها تعرف جيدا ما الذي يمكن أن يكون مفيدا للديمقراطية في ميانمار.  وهكذا نرى ابنة البطل القومي الجنرال أون سان تتحدث اليوم عن ضرورة رص صفوف الوحدة الوطنية داخل الأغلبية البورمية البوذية التي تنتمي إليها هي نفسها.

موقف استعلاء

أتذكر لقاءً لي مع سو تشي في مدينة يانغون قبل عشر سنوات. كانت الإقامة الجبرية المفروضة عليها قد رفعت عنها للتو آنذاك، وكانت تقوم في تلك الفترة بحوار مع الجنرالات الحاكمين في كنف سرية مطلقة. في مقر قيادة حزبها، في بيت قاتم كئيب، لم تقع عيناي إلا على لوحة محكمة على الجدار كعنصر ديكور وحيد: صورة بحجم طبيعي لـ أون سان سو تشي ووالدها. بينما كانت هي تقف هناك بزهرتها الأبدية التي تزين شعرها، بهيئة سلطوية وباردة.

خلال المحادثة كانت تحاضِر من موقع فوقي بأنجليزيتها الأوكسفوردية؛ وكانت ترد على كل سؤال من أسئلتي، بما فيها الأكثر لطفا وتهذيبا بلهجة شديدة معنِّفة. في ذلك الحين كان عدد من أعضاء الحزب قد بدأوا ينعتونها بالدكتاتورة.

أون سان سو تشي التي تربت في أحضان الجنرالات وهي لا تزال رضيعة، ظلت حتى أثناء إقامتها الجبرية شخصا من الطبقة العليا للمجتمع. ولئن لم تُستثْنَ من الإهانة، فإنها لم تكن معزولة تماما. فأي شيء يمكن أن يربطها إذًا ببشر مغمورين في مناطق الظل مثل الروهينجا!

لكن أهم من الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى شخصية الأيقونة سابقا، هو اليوم النقد الذي ينبغي أن نسلطه على آليات تكوين الأيقونات والرموز، وعلى ذلك النزوع الهوسي السخيف لشخْصنة أوضاع معقدة، والتبسيط الذي يجعلنا نضع مقابل الجنرالات الشريرين في يانغون صورة لشعب لطيف ناعم ومضطهد؛ شعب نعتقد أنه لا بد أن يكون لطيفا ناعما، لا لشيء إلا لأن هناك بوذيّة ومعابد جميلة.

 

 

شارلوته فيدمان

ترجمة: علي مصباح

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.