اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل

قرار ترامب...إطلاق العنان لموجة جديدة من التطرف؟

بعد عام 1967، حشدت الجماعات الإسلامية الناس بتسليط الضوء على الظلم الممارَس على الإسلام والمسلمين في موقع الضحية. وعقب قرار ترامب -المُدان دولياً والمعترِف بالقدس عاصمة لإسرائيل- بات لهذه الجماعات مواصلة استخدام فلسطين لإثبات نظريتها القائلة إن "الحرب على الإسلام" ما زالت قائمة. الباحث عبد الهادي العجلة يرى -في تعليقه التالي لموقع قنطرة- أن قرار ترامب جاء لصالح الجماعات الجهادية واليسارية المتطرفة.

في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2017، أعلن رئيس الولايات المتحدة ترامب، اعترافه بالقدس عاصمة للشعب اليهودي ولدولة إسرائيل. وبهذه الخطوة غير المحسوبة، لم يخالف ترامب إرادة المجتمع الدولي وقراراته وتطلعاته فحسب، بل أيضاً استمر بدعمه غير المشروط لحكومة اليمين في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو.

وقد استُقبِل قرار ترامب بالإدانة من قبل الدول العربية، والبلدان الإسلامية، والدول الأوروبية، وروسيا والصين. حتى أن البابا فرانسيس انتقد حركة الرئيس. كما حذر رئيس الوزراء التركي من أن هذه الحركة ستثير حرباً مقدسة في المنطقة، وأعلن البرلمان الإيراني أن قرار ترامب من الممكن أن يؤدي إلى نشوب نزاع.

توبيخ دولي لاذع

في 21 كانون الأول/ديسمبر، صوتت 192 دولة لصالح قرار غير ملزم في الأمم المتحدة، رافضة قرار ترامب ومعلنة أنه لاغ وباطل. من ناحية، فإن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة هو صفعة في وجه السياسة الخارجية لترامب، بما أنه وللمرة الأولى، صوّتت كل الدول الأوروبية تقريباً ضد رغبات الولايات المتحدة أو امتنعت عن التصويت.

ومن ناحية أخرى، فإن ترامب يحيد عن تاريخ الولايات المتحدة الطويل من الدبلوماسية فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وبالتحديد، النزاع العربي-الإسرائيلي، الذي لعبت فيه الولايات المتحدة دور وسيط سلام. وبقراره، جعل ترامب الولايات المتحدة جزءاً من النزاع بدلاً من كونها وسيط سلام.

Protesters in East Jerusalem following Trump's decision on Jerusalem (photo: Reuters/A. Awad)
قُتِل شخصان على الأقل وجُرح العشرات في اشتباكات مع الشرطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الأيام التي تلت قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. كما تظاهر عدة آلاف آخرين في أنحاء العالم الإسلامي. ففي جاكرتا بإندونيسيا وحدها، زاد عدد المتظاهرين عن 80 ألفاً. ويظهر في الصورة متظاهرون في القدس الشرقية.

ووفقاً للباروميتر العربي لعام 2016، الذي شمل سبع دول عربية (الجزائر، الأردن، مصر، تونس، المغرب، فلسطين ولبنان)، فإن 14% من الأشخاص الذين شملهم المسح، قالوا إنهم يعتبرون الولايات المتحدة التهديد الأكبر للمنطقة، بينما يرى 36% إسرائيل التهديد الرئيسي.

ورأى أقل من 6% أن إيران هي التهديد الرئيسي للمنطقة أو مصدرٌ لعدم الاستقرار. وفي نفس المسح، عند السؤال عن أفضل سياسة إيجابية يمكن أن تنتهجها الولايات المتحدة في المنطقة، قال 42% إن ذلك سيكون في عدم التدخل و25% قالوا إن ذلك سيكون بحل النزاع العربي-الإسرائيلي.

وفي حين أن قرار ترامب قد أثار احتجاجات في أنحاء العالم الإسلامي -ولا سيما في الأراضي الفلسطينية المحتلة- إلا أنني أعتقد أن التأثير الحقيقي سيظهر على المدى الطويل. فالأرقام المذكورة أعلاه عمرها سنة واحدة فقط؛ وقد يظهر استطلاع جديد أن الغالبية يعتقدون أن الولايات المتحدة هي المصدر الأساسي لعدم الاستقرار في المنطقة.

لا يضع ترامب نفسه ضد إرادة المجتمع الدولي من أجل إرضاء نزوته ونزوة نتنياهو، بل أيضاً يضع بلده في خطر لأن غالبية الشباب في الشرق الأوسط يعتقدون أن الولايات المتحدة هي عدو عظيم كإسرائيل.
 
 
في 6 كانون الأول/ديسمبر 2017، تخلت واشنطن عن دورها كوسيط سلام، وفرضت حلاً رفضته جميع الأطراف باستثناء رئيس الوزراء الإسرائيلي وحلفائه. وقد وضع قرار ترامب الأنظمة العربية في موقف لا يحسدون عليه. ففي نهاية المطاف، هم تحالفوا مع ترامب خلال زيارته الأخيرة إلى المنطقة. أما الآن فسيُنظر إليهم باعتبارهم حلفاء له في تسليم واحدة من أكثر المدن المقدسة بالنسبة للإسلام والمسيحية إلى نتنياهو.

Leaders of Islamic nations at the conference of the OIC in Istanbul, 13 December 2017 (photo: picture-alliance/AP Photo/L. Pitarakis)
ذكر البيان الختامي الذي اتفق عليه مندوبو الدول الـ 57 الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي أن "القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، وندعو جميع الدول للاعتراف بذلك". يظهر في الصورة قادة الدول الإسلامية في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول بتاريخ 13 كانون الأول/ديسمبر من عام 2017.


أما نتيجة قرار ترامب على المدى الطويل فهي مُدمِّرة، إن لم تكن كارثية. فبقراره هذا، صدم ترامب العالم العربي والإسلامي. وآثار هذه الصدمة لن تكون أقل من تأثير حرب عام 1967 حين احتلت إسرائيل القدس، والضفة الغربية، وقطاع غزة، وسيناء ومرتفعات الجولان.

بيد أن الفرق الأساسي هنا أنه لا توجد الآن قيادة عربية أو إسلامية قادرة على امتصاص التأثير وملء الفجوة فوراً لتلبية مطالب الدول العربية والإسلامية. ورغم حقيقة أن تركيا وإيران تملآن الفجوات بوصفهما قوى إقليمية، تقف في وجه إسرائيل وسياساتها، فإن الوضع الحالي سيقود إلى موجة جديدة من التطرف.

تأجيج لهب التطرف المتجدّد

بعد 1967، كانت إحدى الحجج التي استخدمها الجهاديون والإسلاميون لحشد الأفراد هي أن الإسلام والمسلمين هما الضحية. ويمكن للجماعات الجهادية والإسلامية الآن استخدام فلسطين كإثبات على نظريتهم القائلة إن هناك "حرباً على الإسلام". فإعلان القدس عاصمة لإسرائيل هو لصالح هذه السردية.

وفي اعتقادي، فإن الوضع السياسي الحالي مماثل لذاك الوضع في عام 1979، الذي شهد الثورة الإسلامية، والانسحاب السوفييتي من أفغانستان، والمقاطعة العربية لمصر بعد معاهدة السلام، وانقلاب الإخوان المسلمين في السودان وإنشاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية. لكن يشارك الآن لاعبون جدد، وستكون العواقب طويلة الأمد.

إذ ستتشكل جماعات راديكالية جديدة وستعيد الجماعات الراديكالية الموجودة تشكيل نفسها بعد هزيمتها في سوريا والعراق. وستسهّل القدس وقضية فلسطين عودتها. وكما يشير محمد مشارقة، فإنه من المحتمل تشكيل تحالف بين الجماعات اليسارية والسلفية الجهادية، وكلاهما مُعادٍ للأنظمة العربية. على أية حال، هناك أدلة أقوى توحي بأن الوضع الحالي سيعطي لنشاطات الإخوان المسلمين أو مواليهم أملاً جديداً من أجل معركتهم.

بالمختصر، وبالنظر إلى الإحباط واليأس الذي يشعر به الشباب، فإن قرار ترامب بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل سيحفّز جماعات وأفراد معادين للولايات المتحدة والأنظمة العربية على إعادة تشكيل وإعادة تجميع أنفسهم. وقد تكون عملية التطرف في المنطقة ونتائجها كارثية من كل النواحي وتنشر الفوضى في أنحاء المنطقة كلها.

 

 

عبد الهادي العجلة
ترجمة: يسرى مرعي
حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

 

عبد الهادي العجلة هو المدير التنفيذي لمعهد دراسات الشرق الأوسط في كندا. يشغل منصب المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في معهد أنواع الديمقراطية فى جامعة غوتينبورغ السويدية. حاصل على درجة الدكتوراه في علم السياسة المقارن من جامعة ميلانو. وهو كاتب وأكاديمي فسطيني-سويدي.
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.