اعتقال ناشطين حقوقيين في مصر

لماذا يعتقل النظام المصري المدافعين عن حقوق الإنسان

لعبت المنظمات الحقوقية في مصر دوراً هاماً في فضح الانتهاكات، التي كان يرتكبها نظام مبارك قبل الانتفاضة الثورية في 2011، ولعل هذا الدور المهم لتلك المنظمات كان أحد الأسباب الرئيسة لانطلاق ثورة 25 يناير التي خلعت مبارك بعد ثلاثين عاما من حكم مصر. تحليل تقادم الخطيب لموقع قنطرة.

تعاني المعارضة المصرية من أزمات خمس تاريخية، الأزمة الأولي تتمثل في أزمة التنظيم، فلم يكن لدي المعارضة المصرية تجربة تكوين تنظيم خارج إطار الدولة إذ اقتصرت التجارب التنظيمية خارج إطار الدولة على تجربة جماعة الإخوان المسلمين وتجربة الكنيسة القبطية وتجربة النادي الأهلي عند التأسيس لمقاومة الاحتلال البريطاني. أما التحديات الأخرى فتتعلق بالتمويل والمشروع السياسي وأزمة الخطاب، ثم أزمة القيادة.

وفي تطور معاكس استطاعت منظمات حقوق الإنسان أن تتجاوز تلك الأزمات الخمس التاريخية الخاصة بالمعارضة المصرية، كونها تضرب مثالا على التنظيم الجيد خارج إطار الدولة، كما أنها تمتلك التمويل الذي تحتاجه لإكمال عملها الذي تهدف إلى تحقيقه، وفي مجمله يقوم على توثيق الانتهاكات التي يمارسها النظام.

 

 

 

وفضلا عن ذلك تمتلك هذه المنظمات مشروعا واضح المعالم وهو ما ترجم نفسه في مبادئ حقوق الإنسان، إلي جانب الخطاب الحقوقي الذي أصبح واضحا ومتبلورا في مواجهة الخطاب القمعي للسلطة. إذا فمشروع تلك المنظمات مشروع حقوقي وليس سياسي، فما هي الأسباب التي تجعل النظام المصري يقوم بإلقاء القبض على الحقوقيين وتوجيه اتهامات لهم قد تصل إلى حد الانضمام لجماعات إرهابية.

أولا: تتمتع المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان بعلاقة قوية مع الحكومات الغربية والأمريكية، وبالتالي لديها القدرة على التأثير على تلك الحكومات فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان، وممارسة ضغوط علي النظام المصري. 

تلك العلاقات القوية مع الحكومات الغربية والأمريكية مثلت ولازالت تمثل تهديدا للنظام المصري، الذي اعتاد احتكار العلاقات الدبلوماسية مع القوي الغربية والأمريكان ولا يريد أن يكون هناك أطرافا أخري تدخل على خط هذه العلاقة أو تكون طرفا ثالثا فيها. بمعني آخر أنه لا يريد أن يكون للمجتمع المدني أي سلطة أو علاقات خارج الإطار الذي يحدده النظام.

ثانيا: وكما أشرت فإن هذه المنظمات لديها تنظيم قوي حقيقي وتنسيق بينها وبين بعضها البعض في الداخل والخارج وتقوم بفضح ممارسات النظام وانتهاكاته لحقوق الإنسان في الداخل والخارج، وهذا أمر مزعج للنظام. فطبيعة نظام يوليو أنه يقوم بمحاربة التنظيمات السياسية، كونها تمثل خطرا حقيقيا عليه.

ولعل هذا يفسر لماذا قام الضباط الأحرار بحل التنظيمات السياسية مثل الأحزاب وتعطيل الحياة السياسية بعد استيلائهم علي السلطة في 1952، وهو نفس النهج الذي انتهجه الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، حيث قام بحل الأحزاب السياسية واعتقال عدد من رؤسائها.  

وفي الواقع فإن نظام السيسي كامتداد لنظام يوليو يدرك أن وجود تنظيمات يمثل خطرا عليه وعلي بقائه في السلطة. فالتنظيم يعني القدرة علي امتلاك الأعضاء، والعمل المنظم وبالتالي القدرة علي المنافسة السياسية.

 

 

 

 

لكن علي الرغم من امتلاكها تنظيما فإن المنظمات الحقوقية لا تقوم بالمنافسة السياسية، لكن الخطر الذي يراه النظام فيها، هو أن تتمكن من خلق حركة مستقبلية تتبني التنظيم أو تنشر ثقافة التنظيم بين القوي الشبابية أو السياسية، وهذا أحد أسباب محاربة النظام لجماعة الإخوان المعروفة ببيتها التنظيمية وهو ما يشكل تهديدا مباشرا للنظام. ولعل هذا أيضا يفسر لنا لماذا لم ينتمي الرئيس المصري الحالي إلي أي حزب سياسي حتي اللحظة. فالحزب السياسي يعني ممارسة السياسة والتنظيم وهو مالا يرغب الرئيس الحالي في وجوده.

ثالثا: يتعلق السبب الثالث بالتمويلات التي تتلقاها تلك المنظمات والتي تكون وزارة التضامن الاجتماعي طرفا فيها، فهي تسبب ازعاجا للنظام، وهو غير قادر علي وضع يده على هذه الأموال، كما اعتاد الاستيلاء على المال السائل للمصريين، فقام بمنع تلك التحويلات، والاستيلاء عليها.

كما أنه قام في الفترة التي حكم فيها دونالد ترمب، الذي ألغى خطاب حقوق الإنسان من أجندته، بالتمادي بممارسة القمع والقتل والسجن في حق المعارضين، كل هذه الانتهاكات تمت تحت مرأي ومسمع من العالم، وتحت غطاء سياسي منحه لهم دونالد ترمب.

لكن الآن ومع انتخاب جو بايدن بدأ خطاب حقوق الإنسان يعود على أجندة الرئيس الأمريكي مجددا، وهو ما يسبب قلقا عميقا لتلك الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط.

 

 

 

في هذا الإطار الخاص بعودة خطاب حقوق الإنسان إلى أجندة الرئيس الأمريكي، ومناخ التفاؤل الذي صاحبه، قام عدد من أعضاء المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالاجتماع مع عدد من سفراء الاتحاد الأوروبي، وهو ما ترجمه النظام المصري إلي نوع من التحدي له، والاحتماء بالقوي الغربية، فقام علي الفور باعتقال أعضاء هذه المبادرة، وهو أراد بذلك إيصال عدة رسائل، الأولي للإدارة الأمريكية الجديدة وحلفائها الغربيين، بأنهم لن يكونوا قادرين علي ممارسة أي ضغوط علي النظام في ظل الإدارة الجديدة لبايدن. والثاني رسالة إلى الداخل المصري بأن الحكومات الغربية لن تكون قادرة علي حمايتهم من النظام، وبأنه سيمارس كل أشكال القمع التي تحلو له في حقهم.

توالت الإدانات الغربية لهذا الاعتقالات، وخاصة لعدد من الدول التي حضر سفراؤها هذا الاجتماع مثل فرنسا، التي أصدرت بيانا شديد اللهجة تندد فيه بهذه الاعتقالات، لكن المستغرب أنه حتي اللحظة لم تصدر الخارجية الألمانية أي تصريح أو بيان لهذه الحملة ضد نشطاء المجتمع المدني، علي الرغم من حضور السفير الألماني لهذا الاجتماع، وهنا يطرح السؤال مجددا حول الاقتصاد والسياسة، أيهما أولا هل الاقتصاد والعقود التجارية كالتي أبرمها النظام المصري مع الحكومة الألمانية، أم المبادئ السياسة التي يجب الدفاع عنها.

يحب النظام المصري ككل الأنظمة القمعية الظلام، وعدم الشفافية، والهروب من المسائلة، بينما تقوم المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان بالكشف عن الانتهاكات التي يمارسها النظام، وتجلو الظلام عنها، وتهدف إلى الشفافية والمسائلة القانونية.

لذلك يستهدف النظام هذه المنظمات من أجل إسكاتها والاستمرار في قمعه. فهل سيكون النظام قادرا علي الصمود طويلا في تطبيق هذا النهج، أم أن الوضع السياسي قد يتغير في أي لحظة ونشهد خروجا جديدا للشارع من قبل المصريين، ردا علي الانتهاكات المستمرة للنظام. هذا ما ستجيب عنه الايام.

 

تقادم الخطيب

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

تقادم الخطيب، باحث مصري حصل على الدكتوراة من جامعتي برينستون وبرلين، ومسؤول الاتصال السياسي سابقا بالجمعية الوطنية للتغيير في مصر وهو محلل سياسي وكاتب بعدد من الصحف العربية والاجنبية.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة