تقع أشهر جامعات إيران في وسط هذه المدينة المليونية الصاخبة. وبالفعل: فقد لفتت انتباهي مرارًا وتكرارًا -بينما كنتُ أسير في شارع الثورة مرورًا بالجامعة وعلى طول شارع تنتشر فيه محلات بيع الكتب الشعبية- دواوينُ شعر سميكةٌ لأعمال جلال الدين الرومي معروضة في نوافذ عرض المحلات. لم أرَ قطّ في أي مكان آخر مثلَ هذا العدد الكبير من محلات بيع الكتب المنظَّمة تنظيمًا جيدًا والمنتشرة في بقعة واحدة. عندما تحدَّثت إلى أحد بائعي الكتب، أخبرني بأنَّ حتى التعليقات الأدبية على شعر الرومي والمكوَّنة من ستة مجلدات تُباع حاليًا بشكل جيِّد.

طهران ليست مدينة تستحوذ مباشرة على قلب زائرها. ينبض فيها قلبُ الأمة النابضُ وأحيانًا القلقُ. ومع ذلك، يزدهر هنا أيضًا المشهد الثقافي الأكثر ديناميكية في الشرق الأوسط. تعمل منذ بضعة أعوام مبادرة اسمها "أراك في إيران" على تقريب غير الإيرانيين من حياة هذا المشهد الثقافي وبالتالي على تحسين سمعة البلاد.

لقد بدأ كلُّ شيء في عام 2015 بمنصة على موقع فيسبوك أسَّسها شبابٌ إيرانيون دَرَسُوا في الغرب وشاهدوا كيف يُنظر في الخارج إلى إيران. وكانوا التقوا بأشخاص يخافون بشكل منهجي من السفر إلى إيران. والآن بات بإمكان المسافرين إلى إيران مشاركة تجارب سفرهم مع عدد من الأعضاء يزداد باستمرار في هذه المجموعة الافتراضية.

"لا يتعلق الأمر فقط بنشر الإيجابيات"، مثلما تقول ياسمان تميزكار، وهي فنَّانة وقائمة على معارض، يبلغ عمرها ثمانية وعشرين عامًا، تُقدِّم في مجموعة "أراكُم في إيران" جولات عبر المسارح والمعارض الفنِّية في طهران. وتضيف: "يتم نشر الأخبار الجيِّدة والسيِّئة من دون غربلتها، بحيث تتكوَّن صورة أكثر واقعية". صورة -بحسب تعبيرها- بعيدة عن التشويهات الإعلامية والخطابات السياسية.

محاصرون في دوامة سلبية

وتساهم في ذلك لقاءات بين الأشخاص وتجارب انفتاح الكثير من الإيرانيين على السيَّاح.  تقول ياسمان تميزكار: "يعود الكثيرون إلى أوطانهم كسفراء ثقافيين بعد أن أثرتهم تجاربهم". أدارت مبادرةُ "أراكم في إيران" خلال الأعوام الماضية حفنةً من الفنادق ومركزًا ثقافيًا، ونظَّمت جولات حضرية وَوَرشات عمل حول موضوعات مثل "نساء الشرق الأوسط" أو "البداوة كتحرُّر". ولكن في جائحة كورونا لم تعد الفنادق قادرة على البقاء، وتم نقل البرامج الثقافية إلى الإنترنت.

وفي هذا العام (2020)، زاد بشدة من جديد التناقض بين إيران التي عرفتُها وتلك التي تتصدَّر اهتمام الرأي العام. ففي احتجاجات البنزين في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2019، انفجر استياء الكثير من الإيرانيين بكامل قوَّته، خاصةً في المحافظات الحدودية الكردية داخل إيران.

 

رسم غرافيتي - يظهر عليه العلم الإيراني وشكل الخميني - مناهضة للولايات المتَّحدة الأمريكية في طهران – إيران.
تشتهر إيران كثيرًا بمثل هذه الصور: رسومات غرافيتي مناهضة للولايات المتَّحدة الأمريكية في طهران. العاصمة الإيرانية "طهران ليست مدينة تستحوذ مباشرة على قلب زائرها. ينبض فيها قلبُ الأمة النابضُ وأحيانًا القلقُ. ومع ذلك، يزدهر هنا أيضًا المشهد الثقافي الأكثر ديناميكية في الشرق الأوسط"، مثلما يكتب ماريان بريمر.

 

وقد ردَّ الحكَّام بقسوة على الغضب الشعبي وأعمال التخريب، وقُتل الكثيرون من الناس. ثم أعقب ذلك اغتيالُ الجنرال قاسم سليماني بطائرة أمريكية مسيَّرة من دون طيَّار وإسقاطُ طائرة الركاب الأوكرانية بالخطأ بعد وقت قصير من إقلاعها من قِبَل ضابط في القوَّات الجوية الإيرانية. كانت كلُّ الإشارات تشير إلى التصعيد. ومن جديد، كان يبدو أنَّ إيران وقعت في دوامة سلبية. ومن جديد، سألت نفسي: إلى أي مدى وإلى متى يمكن رسم صورة مختلفة لإيران من خلال الجمال الثقافي والعنصر الإنساني؟

يرتبط هذا السؤال بالنسبة لي ببحث دائم صادفت من خلاله في النهاية أسئلةً أكثر عمقًا. على سبيل المثال: ما هي الموضوعية؟ إلى ماذا أريد ويجب عليّ أن أوجِّه انتباهي؟ كيف يمكنني البقاء واقعيًا من دون الإسهام في الأرضية الإعلامية الملغومة بما فيه الكفاية؟ وبعض الإجابات بالنسبة لي هي: الاستمرار في السفر إلى إيران، وحتى إلى حيث لا يسافر أحد آخر.

والحفاظ على الاتِّصال مع أصدقائي الإيرانيين، والسماح لحماسي لأسلوب الحياة الفارسي بأن يتدفَّق في كتاباتي، حتى وإن كان في ذلك مجازفة بأن يتم إقصائي كمستشرق رومانسي.

وعلى أية حال، إنَّ لحقيقة اصطدام حافظ قبل مئات السنين بعدة جوانب دينية وسياسية -لا تزال حاضرة حتى يومنا هذا- دلالات كثيرة. وعلى سبيل المثال، من بين انتقاداته اللاذعة ما معناه مترجمًا:

"النفاق في عرفهم حلال وكأس الخمر حرام (…) اشرب كأسك، فمائة معصية (…) أفضل من النفاق والرياء".

 

["وأي لوم لمن يحتسي مثل هذه الخمر وهذا الشراب؟!

وأي وعي نعيبه عليه إذا فقد الوعي وأضاع الصواب؟

وشارب الخمر الذي لا رياء فيه ولا نفاق

خير من بائع الزهد الذي يكون فيه الرياء وضعف الأخلاق"

 

ألا أيها الدرويش حسبك كوبك الملآن

وزهدك في حطام العيش والرحمة والرضوان

فلا تحفل بما قالوا وما يجري ولا ما كان

وكم حلّ على شيراز من بغي ومن طغيان

وزال البغي والباغي وغاب الملك والسلطان

ولكن بقي النسرين والنرجس والريحان.]

 

يمكن قراءة حافظ من أجل فهم العالم فهمًا أفضل قليلًا. ومن أجل التمتُّع بالحياة على الرغم من عدم استساغة السياسة اليومية. وسواء كان حافظ يقصد الخمر الحقيقي أو كان يقصد به مجازيًا السُّكْر الروحي - فهذا نقاش قديم أُفضِّل عدم الخوض فيه.

 

ماريان بريمَر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

......................

طالع أيضا

أثر خمس روايات فارسية على ثقافة الإيرانيين الشعبية

شعب إيران بين شقي رحى نظام الملالي والإدارة الأمريكية

عقول إيرانية جميلة - من عمر الخيام إلى مريم ميرزاخاني

الإعدام في إيران...ردع تام ورعب من شبح تقويض النظام

......................

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة