تقول مارتينيز: "أرادت الممالك الشمالية التوسّع إلى الجنوب واحتاجت إيديولوجية، فادّعت أنها وريثة مملكة القوط الغربيين التي احتلّت شبه الجزيرة الإيبيرية من قبل. بيد أنهم كانوا أعداء من قبل، إذ كانت مملكة القوط الغربيين في معركة مستمرة مع الممالك الشمالية".

اقترنت، لاحقاً، هذه الفترة من التوسّع المسيحي وتوطيد السلطة في شبه الجزيرة الإيبيرية والتي تُعرف باسم "حرب الاسترداد Reconquista  ريكونكيستا" [سقوط الأندلس]، وهي الفترة التي صوّرت المسلمين كأعداء، اقترنت بتطور الحركات القومية وتأسيس الدول القومية في البرتغال وإسبانيا. تضيف مارتينيز: "فكرة "حرب الاسترداد" أثبتت أنها تحظى بشعبية أيضاً لدى الديكتاتوريين، والآن تعتمدها أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا".

 

 

بيد أن ما وجده علماء الآثار في ميرتولا يحكي قصة مختلفة جداً. قصة تعايش واستمرارية بين شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط. تقول مارتينيز: "فكرة المواجهة والنزاع بين المسيحيين والمسلمين عززتها النُخَب".

يريد علماء الآثار في ميرتولا رواية قصص الناس العاديين والتعايش في حياتهم اليومية التي أسكتها ومسحها التاريخ المدوّن. لا يصب تركيزهم على المعارك ومصالح النخب الحاكمة، بل على كيف عاش أناس عاديون من أديان مختلفة مع بعضهم البعض، ودُفِنوا في المناطق ذاتها، وتشاطروا أساليب معيشة وتقاليد متماثلة.

الاستمرارية عبر البحر الأبيض المتوسط

أما بالنسبة لكلاوديو توريس، فإن أفضل مثال عن التعايش هو كنيسة ميرتولا، وهو المسجد، من العصور الوسطى، الأكثر احتفاظاً بمعالمه ومميزاته في البرتغال، المكان الذي ما زال المسيحيون يصلون فيه باتجاه مكة [الكعبة]. يقول توريس: "ما وجدناه في هذه المدينة المليئة بآثار الماضي الإسلامي كان شعوراً بالاستمرارية". يركز بحثه على العلاقات الوثيقة بين الناس عبر البحر الأبيض المتوسط.

يعتقد توريس أن الإسلام لم يُفرض بالقوة بعد المعارك، بل انتشر بالتدريج عبر التجارة في موانئ البحر الأبيض المتوسط. ويشير موقع ميرتولا الأثري إلى وجود اعتناقات جماعية للإسلام.

يحاول عمل توريس، استناداً  إلى الاعتقاد بالتاريخ المشترك بين البرتغال وشمال إفريقيا، كشف زيف المفاهيم التي تصوّر المسلمين كغزاة وتصوّر الإسلام كغريب عن أوروبا.

لقد كان توريس في شبابه منشقاً عارض الدكتاتورية الكاثوليكية المحافظة التي حكمت البرتغال حتى عام 1974. اعتُقِل وعُذِّب بسبب نضاله. ولعدم وجود أموال لدفعها للمهربين للوصول إلى بر الأمان في فرنسا، فرّ توريس من البرتغال على متن قارب صغير إلى المغرب.

 

 سوزانا مارتينيز أستاذة آثار وتاريخ العصور الوسطى في جامعة إيفورا البرتغالية. (photo: Marta Vidal)
قصة مناقضة لسردية الهوية القومية: ما وجده علماء الآثار في ميرتولا يحكي قصة مختلفة جداً. قصة تعايش واستمرارية بين شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط. تقول مارتينيز: "فكرة المواجهة والنزاع بين المسيحيين والمسلمين عززتها النُخَب". في الصورة: سوزانا مارتينيز أستاذة آثار وتاريخ العصور الوسطى في جامعة إيفورا البرتغالية.

 

{روابط عميقة بين أوروبا والإسلام: وجد عالم الآثار كلاوديو توريس في مدينة ميرتولا في جنوب البرتغال مصادفة قِطعاً خزفية من الآثار الإسلامية قرب كنيسة في داخلها يوجد محراب يشير إلى اتجاه مكة، يدل على أن الكنيسة كانت مسجداً ذات مرة، اكتشف علماء الآثار قطع خزف إسلامية نادرة. كما تم اكتشاف حَيّ إسلامي من فترة الموحدين من القرن الثاني عشر.}
 

فرّ من الدكتاتورية في عام 1961 مع زوجته الحامل ومنشقين آخرين. كادوا يغرقون في البحر الأبيض المتوسط، في رحلة لا تختلف عن رحلة عبور البحر التي يخوضها العديد من اللاجئين اليوم.

عاد توريس من المنفى حين انتهت الديكتاتورية. وكان التركيز على الماضي الإسلامي للبرتغال طريقته للعمل على ما كان العكس تماماً للنظام الكاثوليكي المتطرف. يقول توريس: "كان نشاطنا الأثري جزءاً من مشروع للتغيير السياسي".

مع تنامي التعصب والإسلاموفوبيا في أوروبا، يمكن أن يكون مشروعه أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 

 
مارتا فيدال
ترجمة: يسرى مرعي
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة