الأدب الشعبي الإندونيسي الإسلامي "ساسترا إسلامي"

الأدب الشعبي الإسلامي..."هبة من الله لإندونيسيا"

ينظر ممثلو الأدب الشعبي الإندونيسي المعروف باسم "ساسترا إسلامي" باعتباره عملية تصحيحية لعملية "التغريب والعلمنة" المتزايدة في إندونيسيا. وهذا الأدب الشعبي الإسلامي يقدم نفسه كحركة دينية مضادة للأدب العلماني، الذي انتشر بشدة منذ سقوط الدكتاتور سوهارتو في عام 1998. الصحفية الألمانية بيتينا دافيد تستعرض لموقع قنطرة تقييمها للأدب الشعبي الإسلامي "ساسترا إسلامي" في إندونيسيا.

لقد تغيَّر الأخ الأكبر بعدما كان يعتبر زير نساء: حيث بات الدين الآن يُحدِّد طبيعة حياته. ولكن يومًا بعد يوم تبدأ شقيقته الصغرى بالتعجُّب من هذه الجدِّية والصرامة التي يُطبِّق بهما الإسلام في حياته اليومية. وفي ذلك اليوم، عندما كانت تريد مفاجأته بارتدائها الحجاب لأوَّل مرة، يتوفى بسبب تعرُّضه لحادث مميت. وعلى فراش الموت يتمكَّن من مشاهدة توجُّه شقيقته الحبيبة في نهاية المطاف إلى الالتزام بتعاليم الإسلام.

"عندما رحل عنا ماس جاجه" هي قصة قصيرة (صدرت عام 1993) كتبتها في مرحلة مبكِّرة الكاتبة الإندونيسية هلفي تيانا روزا، التي تعدِّ مع شقيقتها أسماء نادية من روَّاد الأدب الإسلامي الإندونيسي "ساسترا إسلامي" ولا تزال حتى يومنا هذا من الكاتبات الأكثر تأثيرًا في هذا النوع من الأدب. لقد مثَّلت قصصٌ قصيرةٌ كهذه القصة واحدةً من المحاولات الأولى للتعبير أدبيًا عن المُثُـل العليا الخاصة بإحياء الإسلام والتعبير عن صوره الذاتية في الجامعات خلال الأعوام الأخيرة من عهد الرئيس الراحل سوهارتو.

في عام 1997 أصبحت الأعمال الأدبية السليمة دينيًا والموجَّهة للشباب للمسلمين، أي الدعوة بالقلم، هي المثل الأعلى لدى اتِّحاد الكتَّاب "منتدى لينغكار بينا" (منتدى دائرة الكتابة FLP)، الذي تُعتبَر كلٌّ من هلفي تيانا روزا وشقيقتها أسماء نادية من أعضائه المؤسِّسين.

ومنتدى دائرة الكتابة هذا مُقرَّبٌ من حزب العدالة والرفاهية PKS المتأثِّر بأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وقد تطوَّر إلى حركة شعبية أدبية نشطة. وبفروعه المنتشرة في معظم الأقاليم الإندونيسية وكذلك في الخارج وبأعضائه البالغ عددهم بحسب معلوماته نحو خمسة آلاف عضو، منهم نحو سبعين في المائة من النساء، يربط منتدى دائرة الكتابة ما بين المثُل الإسلامية وبين التشجع على القراءة وورشات العمل الكتابية وكذلك مسابقات الكتابة. أثارت الانتباه مجموعات ومختارات من بينها قصص قصيرة كتبتها كاتبات من أعضاء في منتدى دائرة الكتابة، كُنَّ يعملن خادمات في هونغ كونغ.

"مصنع لكتَّاب القصص"

لقد أطلقت ذات مرة مجلة تيمبو الأسبوعية على منتدى دائرة الكتابة اسم "مصنع لكتَّاب القصص"، وفي الواقع كثيرًا ما تعتبر الكتابة الأدبية ضمن محيط كتَّاب الأدب الإسلامي بمثابة حرفة ترضي الله، بإمكان كلِّ شخص تعلمها. فالمؤلفون المحنَّكون يقدِّمون عن طيب خاطر للكتَّاب المبتدئين نصائح حول الكتابة. 

غلاف رواية "مسافرة بالجلباب" للكاتبة  أسماء نادية وهي من روَّاد الأدب الإسلامي الإندونيسي "ساسترا إسلامي"
أعمال أدبية ترضي الله و"صحيحة إسلاميًا" - نشرت أسماء نادية كُتبًا مثل كتابها "مسافرة بالجلباب" مع نصائح حول كيفية اكتشاف النساء المحجَّبات المسافرات بحقائبهن على ظهورهن جميع أنحاء العالم وكذلك حول كيفية تصرُّف المرأة المسلمة.

وعلى العكس مما هي عليه الحال في العمل الكتابي الأقرب بتوجهاته إلى النخبوية والمتأثر بالطابع الغربي، تسود هنا في هذا الأدب الإسلامي روح المثل المشتركة، أي روح الجماعة والتشجيع المتبادل - تمامًا بما يتطابق مع حُبِّ الإندونيسيين للترابط الاجتماعي والعلاقات الشخصية. ومن أجل هذا الغرض يتم استخدام موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر من قبل الكتَّاب المعروفين ضمن هذا الوسط الأدبي الإسلامي بشكل مكثَّف من أجل التواصل مع قرَّائهم.

مع رواية حبيب الرحمن الشيرازي "قصائد الحب" حقَّق الأدب الإسلامي الإندونيسي في عام 2004 نجاحًا كبيرًا. فقد تم فقط في الأربعة أعوام الأولى بعد نشرها بيع نحو سبعمائة وخمسين ألف نسخة من هذه الرواية، التي تتحدَّث حول قصة حبّ مثيرة تتمحور حول فهري، وهو طالب إندونيسي متديِّن مثالي يدرس في جامعة الأزهر في القاهرة، بالإضافة إلى أنَّ تصويرها في فيلم سينمائي في عام 2008 جذب أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدين إلى دور السينما - وهذه الأرقام لم تتجاوزها في إندونيسيا سوى رواية الكاتب الإندونيسي أندريا هيراتا "قوَّات قوس قزح".

ينظر ممثِّلو الأدب الإسلامي، ساسترا إسلامي، إلى هذا النوع من الأدب باعتباره عملية تصحيحية لعملية "التغريب والعلمنة" المتزايدة في إندونيسيا. وهذا النوع من الأدب الشعبي يمثِّل أيضًا حركة مضادة لاتجاه آخر مؤثر في الأدب الإندونيسي ظهر منذ سقوط الرئيس سوهارتو في عام 1998: وهو أدب ذو توجهات علمانية شديدة، تمثِّله كاتبات مثل الكتابة أيو يوتامي. ومن خلال وصفهم الرغبة الأنثوية والمثلية الجنسية بهدف كسر المحرَّمات، أثار هؤلاء الكتَّاب الانتباه في مطلع الألفية الثانية - بالإضافة إلى قرعهم جرس الإنذر في الوسط الاسلامي المحافظ.

في عام 2006 ثار الشاعر توفيق إسماعيل على ما أطلق عليه اسم "حركة الشهوة الجامحة". إذ تحدَّث حول "أدب أفقي" يعمل على تدمر الشعور بالحشمة في الثقافة الإندونيسية ويُسقط البلاد في هاوية أخلاقية. وفي المقابل فقد وصف منتدى دائرة الكتابة بأنَّه "هبة من الله لإندونيسيا".

الضبط الذاتي الإسلامي

ومنذ فترة طويلة باتت التطلعات الدينية والتعليمية في هذا النوع من الأدب الإسلامي تشمل أيضًا استعارة عناصر من سوق الاعتماد على الذات وضبط الذات التي تحظى في إندونيسيا بشعبية عالية. وهذا لا يتعلق فقط بما يبدو أنَّ رسالته مضمونها ديني للغاية يفيد بأنَّ مَنْ يعِش حياته تقيًا فسوف يرافقه النجاح، بل يتعلق كذلك بشؤون الحياة اليومية إلى حدّ ما. فضمن هذا السياق نشرت أسماء نادية كُتبًا مثل كتابيها "مسافرة بالجلباب" و"لا تكوني مسلمة مزعجة!" مع نصائح حول كيفية اكتشاف النساء المحجَّبات المسافرات بحقائبهن على ظهورهن جميع أنحاء العالم وكذلك حول كيفية تصرُّف المرأة المسلمة من أجل تجنُّب إزعاج الناس.

وفي رواية "لا تحزن فور جامبلو" ("لا تحزن للعزوبية" - هذا المزيج من اللغة العربية والإنكليزية والعبارات العامية الإندونيسية يعتبر مميّزًا للأسلوب اللغوي الشبابي العصري في الأدب الإسلامي الإندونيسي) تحاول أسماء نادية وكتَّاب آخرون مواساة العازبين اليائسين من خلال قصص مكتوبة بشكل فكاهي مرح.

يسود في إندونيسيا رأي يفيد بأنَّ الأدب يجب أن يكون "لطيفًا" و"مفيدًا" للمجتمع، وهو رأي يتمتَّع بتقليد طويل يعتمد عليه الأدب الإسلامي الإندونيسي. وتبيِّن الأهمية الكبيرة التي يوليها القرَّاء "للاقتباسات الملهمة" إلى أي مدى يُحدِّد هذا الرأي حول الأدب حتى في يومنا هذا التوقُّعات من القراءة. فالقصة الناجحة يجب أن تكون "ملهمة" و"تحفيزية" - وكذلك ينبغي أن يكون الجانب الملهم فيها بشكل اقتباسات مميَّزة لا تُنسى يمكن استخدامها لمساعدة الناس في الحياة.

غلاف فيلم "ماس جاجه"
نظرة على جمال الإسلام - يهدف فيلم "ماس جاجه" إلى إبراز التنوُّع في عوالم حياة المسلمين، ولكن ينبغي ألاَّ يكون تعليميًا، من أجل مخاطبة الشباب القادمين من أوساط أقل اتسامًا بالتدين الإسلامي.

أمَّا الكتاب الشبابي الأكثر إلهامًا في الأدب الإندونيسي فقد كان بالطبع كتاب أندريا هيراتا "قوَّات قوس قزح". هذه الرواية تعتبر "دليلاً" محفزًا يدل على أنَّ الصعود الاجتماعي من خلال الاجتهاد والتعليم أمر ممكن. وكذلك تستخدم رواية أحمد فؤاد "أرض الأبراج الخمسة" حول شبابه في واحدة من المدارس الإسلامية الداخلية قدرًا كبيرًا من الخيال الشعبي. "مَنْ جدّ وجد"، هو شعار عربي لتحفيز الناس يتم تعليمه في المدارس الإسلامية الداخلية وينقله الكاتب إلى قرَّائه الممتنين.

وفي هذه النصوص يعتبر ارتداء الحجاب المصبوغ بصبغة مثالية للغاية بمثابة واجب مطلق مفروض على كلِّ مسلم "صحيح" - حيث يبدو الالتزام الصارم بالأحكام الإسلامية في المقام الأوَّل كإطار رمزي أخلاقي يخدم مشروع الهوية الإندونيسية الإسلامية، التي من الممكن أن يتم الجمع تحت سقفها بين إيديولوجيات النجاح العالمية وبين الحاجة المحلية للحفاظ على العلاقات الجماعية والأسرية.

وفي الأدب الإسلامي الإندونيسي يدور الحديث إلى حدّ كبير قبل كلِّ شيء حول الحُبّ - حبُّ الله والوالدين، والحبُّ بين الزوجين - وكذلك حول القيم القائمة على أسس إسلامية مثل التعاطف والشعور مع الغير والصبر والامتنان والعفو والمسؤولية الاجتماعية.

استحضار عالم مثالي

يتم حاليًا تصوير رواية "عندما رحل عنا ماس جاجه" في فيلم سينمائي يجري تمويله بشكل جماعي تحت شعار "هذا فيلمنا ونحن نموِّله، وننتجه، والعالم يراه!". يهدف هذا الفيلم إلى إظهار جمال الإسلام، ولكنه ينبغي ألاَّ يكون تعليميًا، من أجل مخاطبة الشباب القادمين من من أوساط أقل اتسامًا بالتدين الإسلامي. وفي لقاء مع صحيفة "ريبوبليكا" قالت هلفي تيانا روزا: "نأمل ألاَّ تتم مشاهدة الفيلم من قبل المحجَّبات فقط، بل كذلك من قبل المراهقين محبي الموسيقى وشباب البانكز".

لقد أصبح الأدب الإسلامي منذ فترة طويلة جزءًا من تسويق الإسلام و"تعميمه" باعتباره النموذج المثالي لنمط حياة موجَّه أخلاقيًا، ولا يستثني الوعي بموضة الاتجاه العام والتسلية والمرح وكذلك المشاركة في الحداثة العالمية. فالأدب الإسلامي الإندونيسي يستحضر عالمًا مثاليًا وكذلك الغرب بما فيه عالم الخير والفضيلة الإسلامي.

ومع ذلك ثمة هنا تطوُّرات إشكالية للإسلام المُسيَّس تبقى مَخفيَّة، تمامًا مثل تناقضات ومخاطر التحمُّس الحالي للتديُّن. وهكذا تأمل هلفي تيانا روزا أن فيلمها لن يثير فقط إعجاب المراهقين ذوي التوجُّهات الاستهلاكية، بل سيخاطب أيضًا أنصار تنظيمات مثل حزب التحرير. إنَّ الحدود بين الإسلام كأسلوب حياة لهوية ثقافة البوب ​​وبين الإيديولوجية السياسية تجري بشكل غير واضح ولا تتم معالجتها بشكل صريح في الأدب الإسلامي الإندونيسي، الذي يرمز كثيرًا لحلم عن مجتمع عالمي يشمل جميع المسلمين.

وكذلك تبدو نظرة الأدب الإسلامي الإندونيسي إلى الغرب ساذجة. ففي رواية أندريا هيراتا "الحالم" يحصل الشاب أراي على منحة دراسية من الاتِّحاد الأوروبي في جامعة السوربون لمشروع بحثي يهدف إلى دحض نظرية النشوء والترقي بـ"نظريات" هارون يحيى العجيبة - الأمر الذي تم إسقاطه في الترجمة الألمانية، ولكن يتم تصديقه بكلِّ سرور من قبل الكثيرين من قرَّائه الإندونيسيين.

ولذلك لا يجد المرء غالبًا في أعمال الأدب الإسلامي الإندونيسي المعاصرة أسلوب التفكير الناقد للذات وللآخرين. إذ إنَّ قرَّاء الأدب الإسلامي الإندونيسي، الذين يعتبر معظمهم من الشباب، ينتظرون نماذج أدبية يقتدى بها وتعليمات بسيطة لنمط حياة حديث ولكنه أيضًا يرضي الله ويمنح المرء الشعور بالسعادة. والأدب الإسلامي الإندونيسي يبيعهم الأساطير المناسبة لتوقعاتهم.

 

بتينا دافيد

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2015 ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.