الأدب العربي ينجزه المنفى

لطفيّة الدليمي: مؤلفاتي هي بمثابة رد إبداعي على الاقتلاع والنفي

لطفيّة الدليمي: لا أؤمن بالهشاشة المفاهيمية التي تتوسّل الكتابة الصحافية اليومية مسوّغاً للتحلّل من القيمة الفكرية للمادة المكتوبة، وأرى أن نقيم موازنة دقيقة بين الرصانة الفكرية ومتطلبات مخاطبة الجمهور العام.

لطفيّة الدليمي، روائية وقاصة ومترجمة عراقية، حصلت على ليسانس آداب لغة عربية. صدرت لها أعمال عدة، نذكر منها: "يوميات المدن"، كتاب "العودة إلى الطبيعة"، رواية "سيدات زحل"، مجموعة قصصية بعنوان "مسرّات النساء"، رواية "عُشّاق وفونوغراف وأزمنة". تُرجِمت قصصها إلى الإنكليزية والبولونية والرومانية والإيطالية وترجمت رواية "عالم النساء الوحيدات" إلى اللغة  الصينية.

قامت الدليمي بترجمة العديد من الكتب إلى اللغة العربية، نذكر بعضها: "تطوّر الرواية الحديثة" جيسي ماتز، "فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة: حوارات مختارة مع روائيات وروائيين"، "رحلتي: تحويل الأحلام إلى أفعال" (مذكرات الرئيس الهندي الراحل زين العابدين عبد الكلام)، "الرواية المعاصرة" روبرت إيغلستون، "الثقافة" تيري إيغلتون. 

في هذا الحوار ترى الدليمي أن نكوصاً خطيراً طالَ جهود هذه المرأة وأصابها في مقتل وأطاح كثيراً من النجاحات النسبية التي حققتها المرأة خلال عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

تكتبين الرواية والقصة القصيرة بالإضافة إلى عملك مترجمة. كيف تستطيعين الجمع بين هذه الأنماط الأدبية المختلفة؟

لطفيّة الدليمي:ثمة مفهوم قديم منذ الفلسفة الإغريقية يوصف به بعض الأشخاص، وهو (الهايدرا المعرفية) ويشير إلى الجسم الثقافي الذي يتشكّل من فروع معرفية بينية متداخلة، وما زلنا نشهد أمثلة من هذا التداخل المعرفي لدى بعض الكتاب والفلاسفة والعلماء في عصرنا هذا، حيث تداخل الفكر والفلسفة والفيزياء والذكاء الاصطناعي وعلوم الدماغ وعلوم السايكولوجيا الإدراكية واللغة، وقد انعكست تأثيرات هذا التداخل المعرفي على السرديات بعامة حتى غدت الرواية المعاصرة  تركيبة معرفية وتنقيبية تنطوي على حكاية أساسية مطعمة بالتشويق والمتعة.

يشكل السرد - قصة ورواية - بالنسبة إليّ عالمي الأساسي فسيح الآفاق الذي أحيا حريتي في مدياته اللامحدودة، وما زلت أستكشف تضاريسه المتغيرة كل يوم شرقاً وغرباً وأتعرّف إلى تحولاته حاله حال المكتشفات الكوسمولوجية الحديثة والثورات المتعاقبة في فيزياء الكم. أما عن الترجمة التي تشكّل اهتمامي الثاني، فلطالما كان لديّ عشق متوهّج للغة الإنكليزية منذ يفاعتي، وقد سار في خط متوازٍ مع ولَعي بكتابة القصة والرواية، فاتجهت ترجماتي الأولى إلى القصة والرواية واليوميات خاصة؛ غير أنّ ترجماتي الحديثة أصبحت أكثر تنوعاً وضمت موضوعات السيرة والسيرة الذاتية والمذّكرات والمصنّفات الفلسفية والعلمية إلى جانب الحواريات المعرفية ذات المضامين الفلسفية. ويجمع بين هذه الاهتمامات كلها ويوازن بينها سرّ صغير جميل اسمه (الشغف).

 لديك ما يقارب خمسة وعشرين كتاباً، كما أنك تتكئين في عملك على مُنجَز روائي عربي وغربي، فهل لنا أن نعرف من أثّر فيك أكثر؟

لطفيّة الدليمي: الحقّ أن مجموع كتبي المنشورة في حقل التأليف والترجمة يكاد يقترب من حاجز الخمسين كتاباً، وما زال في جعبتي ما يقرب السبع مخطوطات مترجمة إلى جانب مسوّدتي روايتين وكتابين مؤلفين.

الروافد المعرفية التي أثّرت فيّ كثيراً هي ذاتها كثيرة يصعب حصرها؛ فثمة التراث العربي في ميدان الفلسفة والكلاسيكيات الكبرى وخاصة الفكر المعتزلي العظيم وكتابات المتصوفة الأجلّاء، وثمة من جانب آخر الكلاسيكيات الغربية التي يصعب حصرها في الحقل العلمي والفلسفي والروائي إلى جانب كثير من المقروءات التي امتدّ الشغف بها على مدى ستة عقود ويكاد يزيد قليلاً.

ولا بد أن أعترف بالدور الأساسي والجوهري الذي لعبته الموسيقى في حياتي إلى جانب الفنون البصرية. أما إذا شئت تعداد أسماء محددة للذين أثّروا فيّ فينبغي ذكر مئات الأسماء لكني سأكتفي  بهؤلاء: أفلاطون، التوحيدي، ابن عربي، لاوتسو، نيتشه، فيرجينيا وولف، كازانتزاكي، هيسه، راسل، بيتهوفن، ماركيز خوان رولفو، ادغار موران..... الخ.

قمت بترجمة كثير من الأعمال الأدبية إلى العربية، هل انعكس هذا الأمر على لغة السرد البليغة والسلسة التي نقرأها في رواياتك؟

لطفيّة الدليمي:  لو أردت الحقيقة لتوجّب عليّ القول إن لغة مترجماتي هي التي تأثرت بلغتي السردية من حيث مبناها الموسيقي وهيكليتها اللغوية المنضبطة على الرغم من إيلائي الرشاقة التعبيرية اهتماماً مهووساً؛ لكنّ العلاقة بين لغتي السردية ونظيرتها الترجمية تبقى علاقة تتغذى بدفعٍ من تأثير التغذية الاسترجاعية الإيجابية المعروفة في علم السيطرة الآلية، إذ هناك نموّ وتطوّر وارتقاء يطاول كلاً من اللغتين كنتيجة للتطور الذي يطاول الأخرى، وإنني لسعيدة أعظم السعادة بهذه العلاقة الإيجابية الرائعة بينهما.

 

 

 كتبت على مدى سنوات، وما زلت، أعمدة صحافية ومقالات في العديد من الصحف العراقية والعربية. إلى أي حد تختلف الكتابة الصحافية عن الكتابة الروائية، برأيك؟

لطفيّة الدليمي: أفهم بالطبع متطلبات الكتابة الصحافية التي تخاطب الجمهور العام والتي يُرادُ منها التبسّط وسهولة تمرير المعلومة بأقلّ قدر من الفذلكات المفاهيمية؛ لكني لا أؤمن بالهشاشة المفاهيمية، التي تتوسّل الكتابة الصحافية اليومية مسوّغاً للتحلّل من القيمة الفكرية للمادة المكتوبة، وأرى أن نقيم موازنة دقيقة بين الرصانة الفكرية ومتطلبات مخاطبة الجمهور العام.

عموماً أرى أن الأعمدة الصحافية - والثقافية منها خاصة - عليها الابتعاد عن الكتابات الموضوعاتية المتداولة وأن تسعى إلى تمرير حزمة من الأفكار إلى القارئ بطريقة يفهم منها الجدّة والحداثة ومواكبة إيقاع العصر حتى لو كانت المادة المكتوبة تتخذ صفة الكتابة الناقدة للمتداول في زمننا، ولو راجع القارئ مثلاً مقالتي المعنونة "بوّاب عمارة اسمه فتغنشتاين" التي ظهرت في ثقافية صحيفة المدى العراقية، أو مقالتي الأخرى المعنونة "أنا روائي، إذن أنا أكره الرياضيات" المنشورة في ثقافية صحيفة العرب اللندنية لأدرك ما أنا ساعية لتحقيقه عبر مقالاتي  الثقافية  في الصحف اليومية.

"في ما يخصّ الدمج بين الفصحى والعامية فلا أراه سوى نوعٍ من الدعوة إلى الفصاحة الجديدة التي ترتكن إلى المغايرة الشكلية فحسب من غير  إثراء  المحتوى، ولم أعتقد، ولست أعتقد حتى اليوم، بأن بوسع العامية منافسة العربية الفصيحة إلا في بعض الأشكال الشعرية التي تخاطب الضمير الوجداني بطريقة مباشرة وتبتغي تمرير رسالة سياسية أو عاطفية محددة."

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.