إنَّ فرنسا وإيطاليا، العضوتَيْن المؤسِّستَيْن في الاتِّحاد الأوروبي، والمعروف عنهما أنَّهما تسعيان إلى قيادة "سياسة خارجية مشتركة"، تدعمان طرفين متحاربين متعارضين في المنطقة المجاورة مباشرة للقارة العجوز! يبدو الأمر كأنَّ الأوروبيين باتوا يتنافسون مرة أخرى على النفوذ الاستعماري والقوة العالمية. غير أنَّ الفرق الوحيد هو أنَّ إيطاليا باتت اليوم دولة شبه مفلسة تشتريها الصين تدريجيًا، ولم يبقَ في الواقع الكثير من مكانة فرنسا كقوة عالمية. لذلك فإنَّ مَنْ أرادَ الحصول على فكرة عن الوضع الحالي في أوروبا، يجب عليه أن يأخذ هذه الأحداث المتزامنة الجديدة بعين الاعتبار.

السقوط على أقساط

بريطانيا لم تكمل بعد - مثلما يلاحظ المؤرِّخ المعروف إيان كيرشو بشكل صائب - سقوطها من مكانتها كإمبراطورية عالمية. لم تصل إلى الأرض ولم ينتهِ هذا السقوط مع استقلال مستعمراتها الكبيرة قبل سبعين عامًا. ويُظهر خروج بريطانيا من الاتِّحاد الأوروبي أنَّه لا يزال يوجد مُتَّسَع لمواصلة السقوط.

 

قوات خليفة حفتر تسير في اتجاه طرابلس - ليبيا.  Foto: Getty Images/AFP
نشاط مثير للريبة والشكّ في الحرب الأهلية الليبية: فرنسا وإيطاليا، العضوتان المؤسِّستان في الاتِّحاد الأوروبي، والمعروف عنهما أنَّهما تسعيان إلى قيادة "سياسة خارجية مشتركة"، تدعمان طرفين متحاربين متعارضين في المنطقة المجاورة مباشرة للقارة العجوز! تقوم القوة الاستعمارية السابقة إيطاليا بدعم حكومة رئيس الوزراء فايز السراج، بينما تقف فرنسا إلى جانب قوَّات المتمرِّدين بقيادة خليفة حفتر، الذي كان يتمتَّع في السابق بثقة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA).

 

غير أنَّ بريطانيا العظمى لا تزال تحكم جبل طارق، الجبل الاستراتيجي الواقع على المضيق البحري ما بين أوروبا وشمال إفريقيا، والذي يُطلَق عليه باللغة العربية اسم مضيق جبل طارق. كما أنَّ بريطانيا العظمى تثبت للتو أنَّ جبل طارق ليس مجرَّد موقع جَذْبٍ سياحي غريب الأطوار للسياح الوافدين إلى إسبانيا، الذين يريدون رؤية الجنود الإنكليز المُرتَدِين ملابس دافئة أثناء تدريباتهم، بل هو ورقة رابحة ينبغي استخدامها ببرود شديد في اللعبة الجيوسياسية الحالية.

لقد أوقفت البحرية البريطانية ناقلة نفط إيرانية قادمة من المحيط الأطلسي أثناء محاولتها عبور مضيق جبل طارق، قِيْل إنَّها كانت تسير في طريقها إلى سوريا. وكذلك تم اعتقال القبطان والضابط الأوَّل المسؤول عن هذه السفينة من قِبَل البريطانيين، واتَّهمتهما لندن بخرق العقوبات المفروضة على إيران وسوريا. وفي الوقت نفسه شدَّد وزير الخارجية الألماني على أهمية الالتزام بالاتِّفاق النووي مع إيران. كذلك تحذِّر فرنسا وألمانيا من الانهيار الاقتصادي لهذا البلد، الذي يعاني من "أقسى عقوبات في التاريخ".

ربَّما تكون كلمة "غريب الأطوار" هي الكلمة المناسبة لوصف "الانقضاضة" الإنكليزية على ناقلة النفط الإيرانية في مضيق جبل طارق. أصداء الماضي التاريخية واضحة جدًا. وبطبيعة الحال، تستخدم الدعاية السياسية الإيرانية هذا الحدث بكلّ سرور، وتتحدَّث حول: الهجمة البريطانية على بلاد فارس، وحروب الأفيون، و"شركة النفط الأنغلو إيرانية" في مدينة عبدان في جنوب غرب إيران، وعملية أياكس، أي الإطاحة المخطط لها من قِبَل المخابرات البريطانية والأمريكية في عام 1953 برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، الذي أراد تأميم "شركة النفط" في عبادان، إلخ… ، إلخ…

العودة إلى الألعاب الاستعمارية القديمة

ماذا تعني هذه العودة إلى أنماط التفكير القديمة؟ كانت توجد مرارًا وتكرارًا تشنُّجات استعمارية لاحقة. ولنتذكَّر مثلًا حرب السويس ["العدوان الثلاثي"] في عام 1956. ولكنها عادت في عام 2019؟

في ضوء تجارب الماضي، فإن استخدام الدول الأوروبية بشكل انفرادي للقبضات والانقضاضات والعمليات - من أجل تحقيق أهدافها المنشودة - هو أمرٌ بالإمكان التشكيك به. هذا لا يعني أنَّها ستبقى من دون عواقب. ولكن النتائج ستكون مختلفة عن النتائج المنشودة.

على الأرجح أنَّ أي محلل نفسي سينظر بقلق إلى أوروبا الحالية، التي تتفكَّك من الداخل. فقد بات البعض يريدون الخروج من الاتِّحاد الأوروبي، في حين يدعو آخرون إلى حكم سلطوي جديد. لا يمكن لدول أوروبا التوصُّل إلى أي اتِّفاق - سواء بشأن القضايا العملية أو القضايا المتعلقة بالموظفين. لا أحد يريد استقبال المزيد من اللاجئين. وفي خضم هذه الأزمة، عادت الآن ومن جديد القوى الإمبريالية الساقطة إلى لعب ألعابها الاستعمارية القديمة. وهذا يبدو مثل جُمُوحٍ ناشِزٍ قبل السقوط الأبدي إلى مكانة عديمة الأهمية.

 

 

شتيفان بوخن

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de 

يعمل المؤلف شتيفان بوخن كصحفي تلفزيوني لبرنامج "بانوراما" السياسي لدى القناة الأولى الألمانية أيه آر دي ARD.

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.