الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الاجتماعية في الجزائر

النقابات المهنية الجزائرية تتحدى الحكومة

لأشهر عديدة وقع نظام التعليم ونظام الصحة في الجزائر في حالة شلل بسبب موجة إضرابات نقابية. ورغم احتجاجات شديدة ضد سياسات العمل والسياسات الاجتماعية الحكومية رفضت الدولة رفضا تاما تقديم تنازلات للحركة الاحتجاجية. لكن ما الفرق بين مطالب المضربين في قطاع الصحة ومطالبهم في القطاعات الأخرى؟ سفيان فيليب نصر يسلط الضوء لموقع قنطرة على الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الاجتماعية الجزائرية.

لقد ولى العصر الذي كان يمكن فيه للحكومة الجزائرية شراء السلام الاجتماعي الهش باستخدام مليارات الدولارات من عائدات صادراتها من النفط والغاز. فنظرًا لانخفاض الأسعار العالمية للنفط والغاز الطبيعي انخفضت منذ عام 2014 ميزانية الدولة واحتياطيات العملات الأجنيبة في الجزائر إلى النصف تقريبًا.

باتت الآن شرائح كبيرة من المواطنين الجزائريين عرضة لمشكلات خطيرة، بسبب ارتفاع معدَّلات البطالة وارتفاع نسبة التضخُّم المالي وانخفاض قيمة الدينار الجزائري، وكذلك بسبب النقص في توفير المواد الغذائية الأساسية المستوردة من الخارج. فالدولة لم تعد لديها الموارد المالية الضرورية لتعويض العيوب الهيكلية في الاقتصاد الجزائري من خلال المعونات والحوالات المالية الأخرى.

وبينما يحاول أحمد أويحيى، رئيس الوزراء الجزائري ورئيس الحزب الحاكم "التجمع الوطني الديمقراطي" (RND)، تهدئة المخاوف مع الإشارة إلى الميزانية الوطنية المتوتِّرة وصرف الأنظار عن أخطائه الخاصة من خلال دعاية شعبوية مغرضة ضدَّ المهاجرين الأفارقة، يفقد العاملون في الجزائر صبرهم على نحو متزايد.

Streikende Mediziner in Algier; Foto: Reuters
إعلان حرب ضدَّ الحكومة بزعامة رئيس الوزراء أحمد أويحيى: بسبب استمرار حالة البؤس في القطاع الصحي، بدأت النقابة المستقلة "التنسيقية المستقلة للأطباء المقيمين الجزائريين" (CAMRA) اعتصامات أسبوعية في عدة مستشفيات في جميع أنحاء الجزائر، وفي بداية شهر كانون الثاني/يناير 2018 أعلنت حتى عن إضراب مفتوح.

منذ عامين تعمل النقابات المهنية المستقلة على التعبئة ضدَّ سياسات العمل والسياسات الاجتماعية الحكومية، وكان عملها في البداية يقتصر على احتجاجات حذرة وإضرابات. ولكن منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2017 باتت تسير وعلى نحو متزايد أعدادٌ لا تحصى من الاتِّحادات المهنية المستقلة في القطاع العام في طريق المواجهة مع الحكومة.

وبالإضافة إلى شركة الطيران "الخطوط الجوية الجزائرية" المملوكة للدولة وشركات النقل العام ومصلحة البريد، تأثرَّت مؤخرًا أيضًا شركاتُ الكهرباء والغاز المملوكة للدولة بالإضرابات والاحتجاجات. حتى أنَّ العسكريين المتقاعدين قد خرجوا في شهر كانون الثاني/يناير 2018 إلى الشوارع من أجل التأكيد على مطالبتهم بتعديل معاشاتهم التقاعدية بحسب التضخُّم المالي.

موجة من السخط والغضب

بيد أنَّ نظامي الصحة والتعليم يتصدَّران موجة الإضرابات المستمرة. ففي شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بدأت النقابة المستقلة "التنسيقية المستقلة للأطباء المقيمين الجزائريين" (CAMRA) اعتصامات أسبوعية في عدة مستشفيات في جميع أنحاء الجزائر، وفي بداية شهر كانون الثاني/يناير 2018 أعلنت حتى عن إضراب مفتوح.

لقد جاء هذا الإضراب المفتوح ردَّا من التنسيقية المستقلة للأطباء المقيمين الجزائريين على تفريق مظاهرة من قبل الشرطة شارك فيها مئات من الأطباء والصيادلة وطلبة الطب أمام مستشفى مصطفى باشا الجامعي في الجزائر العاصمة في الثالث من كانون الثاني/يناير 2018. وبعد هذا الحدث انتشرت بسرعة في شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية صورٌ ومقاطعُ فيديو لمتظاهرين مضرَّجين بالدماء، أثارت موجة من السخظ والغضب.

لذلك فقد تضامنت مع الأطباء بعض النقابات المهنية المستقلة الأخرى ومنظمات حقوق الإنسان، مثل الفرع الجزائري لمنظمة العفو الدولية، الذي أدان بشدة استخدام القوة من قِبَل الشرطة الجزائرية وأشار إلى حقِّ التظاهر المضمون دستوريًا، وزادت هذه النقابات من حدة انتفاضتها أكثر.

في طريق المواجهة

Ahmed Ouyahia, Premierminister und Vorsitzender der Regierungspartei "Rassemblement National Démocratique" (RND); Foto: Reuters
قمع معارضة النقابات المهنية بيد من حديد: قال رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى بعد وقت قصير من الإضراب العام في قطاع الخدمات العامة في الرابع عشر من شباط/فبراير 2018 إنَّه لن يتسامح لفترة أطول مع "استمرار هذه الفوضى" في نظام التعليم ونظام الصحة، وسيضع حدًّا لهذه الاحتجاجات.

وعلى الرغم من أنَّ محكمة في الجزائر العاصمة اعتبرت هذا الإضراب في شهر كانون الثاني/يناير 2018 غير قانوني، ولكن التنسيقية المستقلة للأطباء المقيمين الجزائريين عارضت حكم هذه المحكمة بشدة. وبينما لا تزال وزارة الصحة ترفض مطالب الأطباء رفضًا تامًا وتقول إنَّها لا تريد التفاوض إلَّا بعد إنهائهم انتفاضتهم، تتصاعد الاحتجاجات أكثر وأكثر.

وعلى الرغم من فرض حظر عام على التظاهر منذ عام 2001 في الجزائر العاصمة، فقد احتشد في الثاني عشر من شهر شباط/فبراير 2018 مئاتٌ من الأطباء والعاملين في قطاع الصحة أمام البريد الرئيسي في قلب العاصمة. وبعد أسبوع واحد فقط، لبَّى آلافٌ من الجزائريين دعوة التنسيقية المستقلة للأطباء المقيمين الجزائريين إلى الاحتجاج، وخرجوا في احتجاجات صاخبة عبر كلّ من مدينة البليدة وسطيف ووهران. وكذلك شهدت مدينة قسنطينة عدة مظاهرات في نهاية شهر شباط/فبراير 2018.

ضدَّ تدنِّي الأجور ونقص التجهيزات في المرافق الطبية

وفي حين أنَّ العمَّال المضربين في القطاعات الأخرى غالبًا ما يطالبون بزيادة الأجور، ويحتجُّون بالتالي على تراجع القوة الشرائية بشكل كبير لدى قطاعات واسعة من المواطنين بسبب التضخُّم المالي في البلاد، فإنَّ الأطباء والعاملين في قطاع الصحة يحتجُّون قبل كلِّ شيء على ظروف العمل السيِّئة والتجهيزات غير الكافية، التي غالبًا ما تكون غير صالحة في المستشفيات الحكومية، وكذلك من أجل إلغاء الخدمة المدنية، وهي خدمة إجبارية تتراوح مدَّتُها من عام واحد إلى خمسة أعوام، ويجب على الخرِّيجين أداؤها في المناطق النائية من البلاد.

وعلى الرغم من أنَّ هذا الإجراء يهدف إلى الحدِّ من نقص الأطباء في المناطق الريفية، يشير الأطباء والعاملون في قطاع الصحة من خلال مطالبتهم بإلغائه إلى مشكلات أساسية في النظام الصحي العام. ذلك لأنَّهم لا يشتكون فقط من عدم كفاية البنية التحتية لإيواء ونقل الأشخاص الذين يؤدُّون الخدمة المدنية في المناطق النائية، بل يشتكون أيضًا من نقص التجهيزات في المرافق الطبية.

وفي هذه الأثناء دعمت التنسيقية المستقلة للأطباء المقيمين الجزائريين احتجاجاتها بحملة إعلامية ونشرت صورًا وأشرطة فيديو من المستشفيات الحكومية، من أجل توثيق الأوضاع البائسة في الكثير من المرافق الطبية، وبالتالي من أجل زيادة الضغط على الحكومة.

ولكن مع ذلك، بينما لا تزال الحكومة متمسِّكةً بموقفها المُتزمِّت، تستمرت الاحتجاجات في الجزائر - وحتى في قطاع التعليم: فمنذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2017 تقوم نقابة العمَّال المستقلة "المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع ثلاثي الأطوار للتربية" (Cnapeste) بتعبئة العاملين في مدارس الجزائر وتطالب برفع الأجور وبإصلاح نظام المعاشات التقاعدية وتوظيف موظفي الدولة.

تزمُّت الحكومة ورفضها التسوية

في نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2018 دخل "المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع ثلاثي الأطوار للتربية" في إضراب مفتوح، تم وصمه أيضًا من قبل القضاء بأنَّه غير قانوني. وبحسب وزيرة التربية والتعليم نورية بن غبريط فقد تم وقف خمسمائة وواحدٍ وثمانين معلمًا عن العمل في مدينة البليدة. وكذلك يجري الإعداد حاليًا لإجراءات تأديبية أخرى، مثلما قالت الوزيرة، التي يُهدِّد قطاعها بإقالة حتى تسعة عشر ألف معلم، وفق ما ذكرت صحيفة الوطن اليومية الجزائرية.

Streikende Ärzte in Algier; Foto: Reuters
"يكفي فقد طفح الكيل": على الرغم من فرض حظر عام على التظاهر منذ عام 2001 في الجزائر العاصمة، فقد احتشد في الثاني عشر من شهر شباط/فبراير 2018 مئاتٌ من الأطباء والعاملين في قطاع الصحة أمام البريد الرئيسي في قلب العاصمة. وبعد أسبوع واحد فقط، لبَّى آلافٌ من الجزائريين دعوةَ التنسيقية المستقلة للأطباء المقيمين الجزائريين إلى الاحتجاج، وخرجوا في احتجاجات صاخبة عبر كلِّ من مدينة البليدة وسطيف ووهران.

وبينما بات ممثّلو أولياء الأمور يحتجُّون بالفعل منذ شهر كانون الأول/ديسمبر 2017 بشكل منتظم ضدَّ إضراب الهيئة التدريسية ويطالبون النقابة بعدم الاستمرار في كفاحها على حساب أطفالهم، فقد أعلنت خمس نقابات مهنية مستقلة أخرى من قطاع التربية والتعليم عن أنَّها ستواصل إضرابها أيضًا، وذلك بعد اجتماع فاشل مع الوزيرة نورية بن غبريط.

من جانبه قال رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى في هذه الأثناء وبعد وقت قصير من الإضراب العام في قطاع الخدمات العامة في الرابع عشر من شباط/فبراير 2018 إنَّه لن يتسامح لفترة أطول مع "استمرار هذه الفوضى" في نظام التعليم ونظام الصحة، وسيضع حدًّا لهذه الاحتجاجات. وقبل ذلك طالبت الكتل البرلمانية التابعة للأحزاب الحاكمة الأربعة، بما فيها حزب "التجمع الوطني الديمقراطي"، الحكومة بعدم التسوية وبمواجهة الإضرابات بقوة.

وبينما تستمر الحكومة في تعاملها بتزمُّت مع النقابات المهنية المستقلة، فإنَّ خطط الخصخصة المقدَّمة من قِبَل رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى لم تعد على الأقل مطروحة الآن. ففي شهر كانون الأوَّل/ديسمبر 2017 توصَّل رئيس الوزراء إلى اتِّفاق مع اتِّحاد نقابات العمَّال، الذي تسيطر عليه الدولة "الاتِّحاد العام للعمَّال الجزائريين" UGTA ورابطة أرباب العمل يقضي بفتح الشركات المملوكة للدولة أمام رأس المال الخاص. غير أنَّ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تدخَّل ورفض خطط الخصخصة المقدَّمة من أحمد أويحيى رفضًا تامًا ووبَّخ رئيسَ حكومته بشكل علني.

وحاليًا لا يوجد ما يشير إلى نهاية احتجاجات النقابات المهنية المستقلة. وكذلك يبقى من غير المعروف إن كانت الحكومة الجزائرية قادرة على تبنِّي نهجًا أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات في تعاملها مع نقابات العمَّال المستقلة، أو أنَّها ستلجأ مرة أخرى إلى تشديد إجراءاتها القمعية أكثر، مثلما فعلت في التسعينيات.

 

 

 

سفيان فيليب نصر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.