يتَّضح في مثل هذه اللحظات لماذا يُعتَبر اليهود الإيرانيون أوَّلًا إيرانيين ومن ثم يهودًا. إذ إنَّ أفراد أسرة موسى زاده يحبّون بلدهم أيضًا حبًا غير محدود مثل معظم الإيرانيين. غير أنَّهم أيضًا يجدون - مثل غيرهم من الإيرانيين - صعوبة في تحمُّل الوضع الاقتصادي. تقول إيليان: "أتمنى السفر إلى الخارج، ربَّما إلى أوروبا أو كندا. لم يعد من الممكن في الواقع العثور في إيران على وظيفة بأجر جيِّد، وكلّ عام يزداد الأمر سوءًا".

لا يوجد مستقبل في إيران

يشاطرها هذا الرأي أيضًا الكثيرون من الشباب الآخرين في إيران: حيث لم يعد الشباب يرون أي مستقبل لهم في بلدهم ويتمنُّون السفر إلى الخارج، على الأقل بشكل مؤقَّت من أجل العمل أو الدراسة. وفي هذا الصدد تقول إيليان: "عندما أريد السفر فلن أختار لا أمريكا ولا إسرائيل. لقد زارت إحدى قريباتنا الولايات المتَّحدة الأمريكية، ووجدَتْها مثيرة للفزع. ولم تحبّ الثقافة والحياة الصاخبة السريعة هناك على الإطلاق".

تخبرنا إيليان بالإضافة إلى ذلك أنَّ لها عمّة توفيت العام الماضي 2018 وقد كانت قبل ذلك في زيارة إلى إسرائيل من أجل العلاج الطبي. تقول إيليان: "نحن كيهود لدينا فرصة للهجرة إلى إسرائيل، والحكومة هناك تكافئ مَنْ يهاجر بنحو خمسة عشر ألف دولار. ولكن يجب علينا هناك أن نتحدَّث العِبْرية، وهي لغة لا نستخدمها إلَّا ضمن السياق الديني. وهذا سيكون أمرًا غريبًا بالنسبة لنا. ولن أشعر هناك أنَّني في وطني. وطننا هو إيران".

عندما يتم تقديم الطعام، يضع الأب شاروخ على الطاولة زجاجةً أخرى من نبيذ مصنوع صناعة منزلية. يمسك كلُّ فرد كأسًا في يده حينما يقرأ الابن الأصغر "أريان" صلاة أخرى. على المائدة سَلَطةٌ مع بذور الرُمَّان والسمك الذي تفرضه الشريعة اليهودية ليوم السبت، وخبزُ "بربري" الإيراني وأكلةٌ اسمها: جندي، وهي عبارة عن كُفتة مكوَّنة من الحمُّص والدجاج وتعتبر من الأطباق الخاصة بالمطبخ اليهودي الإيراني فقط.

وحتى أدوات العبادة والتحف الدينية، التي تُبيِّن أن هذا البيت هو بيت عائلة يهودية، تُصنع جميعها وتباع في إيران. وفي طهران يوجد أيضًا متجر لهذه الأدوات والتحف بجوار السفارة البريطانية. وفي هذا المتجر، الذي يظهر على نوافذه اسم "بابا موسى" مكتوب بأحرف لاتينية كبيرة، عُلِّقت بطاقات عمل تقريبًا من جميع السفراء الحاليين والسابقين في إيران، الذين اشتروا من هذا المتجر.

صورة عرس يهودي بجانب صورة الإمام علي

"نحن عائلة يهودية من (مدينة) أصفهان، التي توجد فيها طائفة يهودية يبلغ عدد أفرادها ألف يهودي تقريبًا. من الطبيعي تمامًا بالنسبة لنا أن تُشاهَد في نافذة متجرنا حروفٌ عبرية ونجمة داود. متجرنا موجود منذ زمن الشاه ولم تكن لدينا بتاتًا أية مشكلة مع الدولة أو مع جيراننا هنا"، مثلما يقول أحد الباعة الثلاثة في هذا المتجر. توجد فوقه على الجدار صورة من عرس يهودي معلقة بجانب صورة الإمام علي، الذي يقدِّسه المسلمون الشيعة.

 

 النائب اليهودي في البرلمان الإيراني، سيامك مره صدق.  Foto: DW
يقول النائب اليهودي في البرلمان الإيراني، سيامك مره صدق: "اليهود أقلية معترف بها في إيران، نحن نستطيع ممارسة ديننا بحرِّية. يوجد في طهران وحدها أكثر من عشرين كنيسًا يهوديًا نشِطًا. وعلى العموم يمكن القول إنَّ اليهود هنا في إيران أفضل حالًا على الدوام من حال أقرانهم في أوروبا. إذ إنَّ الإيرانيين لم يكن لدى جميعهم في أي يوم على مدى تاريخ بلدنا نفس الدين أو العرق أو اللغة - ولهذا السبب يوجد الكثير من التسامح في إيران، حيث يحترم اليهود والمسلمون بعضهم بعضًا، ولكنهم يعلمون أيضًا أنَّ هناك اختلافات".

 

وعلى الرغم من ذلك فقد غادر إيران بعد ثورة 1979 عشراتُ الآلاف من اليهود الإيرانيين. مثل "إيلي هورى زاده"، وهو عمٌّ لعائلة موسى زاده كان يريد أن يصبح حاخامًا وقد غادر إيران في عام 1980، وذلك لأنَّه لم يكن يرى أي مستقبل لحياته المهنية هنا في إيران. وهو يعيش اليوم مع زوجة وأبنائها الثلاثة عشر في القدس. "هو سعيد بكونه لم يعد يعيش في إيران ولا يوجد لديه أي اهتمام على الإطلاق في العودة إلى إيران. فقد وجد في إسرائيل الوطن الذي لم يكن من الممكن بتاتًا أن توفِّره له إيران"، مثلما تقول قريبته إيليان.

بعد قضاء مساء طويل، يجلس أفراد العائلة سويةً في غرفة الجلوس، ويراقب الجميع بحماس النسخة الإيرانية من برنامج "مَنْ سيربح المليون؟"، بينما لا يزال الشاي يتخمَّر في المطبخ. أخبرتنا إيليان أيضًا أنَّها تعارض الأفكار الغربية التي تفيد بأنَّ اليهود الإيرانيون يعانون في المقام الأوَّل من حكومتهم.

وبعدما سُئلت عن أمنياتها للمستقبل، أجابت بقولها: "إذا كان بإمكاني كيهودية أن أتوجَّه بطلب إلى الحكومة الإيرانية، فعندئذ سأطلب بعض الشباب اليهود اللطيفين والوسيمين، حتى أتمكَّن أخيرًا من العثور على شخص للزواج".

 

 

يان شنايدر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الاحتفال بالسبت اليهودي في جمهورية إيران الإسلامية

إدا اندلعت الحرب لن يستفيد منها احد؟

العلوي علي من الرباط21.07.2019 | 18:00 Uhr