الأنثروبولوجي ديتر هالر
طنجة المغرب وجبل طارق أوروبا: مدينتان بثقافة واحدة

جبل طارق (غيبرالتر) منطقة حكم ذاتي تابعة لبريطانيا واقعة جنوب إسبانيا ممتدةً بالبحر المتوسط ليس ببعيد عن طنجة المغربية. في كتابه (طنجة/جبل طارق "حكاية لمدينة واحدة") يناقش ديتر هالر أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة بوخوم الألمانية روابط اجتماعية مشتركة بين جبل طارق وطنجة. فوزية حيوح حاورته لموقع قنطرة.

هل طنجة/جبل طارق مجرد فنتازيا أم أنها واقع، وإن لم تكن واقعا سياسيا، ألا يمكن ان تمثل إذن واقعا ثقافيا؟

 

ديتر هالر: طبعا إداريًا لا يمكن أن نتحدث عن طنجة/جبل طارق على الرغم من وجود الدبلوماسيين والعسكريين البريطانيين في كلتا المدينتين. قد نستحضر هنا القائد “هنري ماكلين” الذي خدم في جبل طارق ونظم لاحقًا جيش سلاطين المغرب.

لكن كأنثروبولوجي، أركز على العلاقات الرسمية وغير الرسمية. هذا ما يسمح لي بأن أتحدث عن مدينة واحدة: خلال فترات معينة من التاريخ، حيث كانت المدينتان مترابطتين بشكل كبير ديموغرافيا، وعلى مستوى العلاقات الأسرية، والممتلكات، وتجاريا سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، وما إلى ذلك، لدرجة أنني أجرؤ على تسميتها: طنجة/جبل طارق TanGib.

لقد كان أمرا واقعا في بعض الفترات التاريخية، ولكن في فترات تاريخية أخرى تراجعت هذه الترابطات بشدة. إلى جانب البريطانيين، لعب يهود السفارديم دورا مهما في هذه الروابط بين المدينتين، إلى جانب عائلات مثل عائلات بيتري وساكوني وكاتزاروس وفيراري، وكلهم موجودون في كلا المدينتين.

كتاب TANGIR/GIBRALTAR: ‘A Tale of one city’ (طنجة/جبل طارق "حكاية لمدينة واحدة") يناقش الروابط الاجتماعية المشتركة بين جبل طارق وطنجة، للأنثروبولوجي الألماني ديتر هالر. Cover of Dieter Haller's new book "Tangier/Gibraltar- A Tale of one city: An Ethnography" (source: transcript Verlag)
مفهوم "الدائرة الثقافية": يقول الأنثروبولوجي الألماني ديتر هالر: "عادةً يتم تفسير مفهوم "الدائرة الثقافية" على أنها منطقة مغلقة، متجانسة داخليًا تمامًا ومختلفة جدًا عن الدوائر الأخرى ... الدوائر الثقافية بالطبع لها روابط مع الخارج وليست متجانسة على الإطلاق. إذا كان هناك الكثير من القواسم المشتركة بين مجتمع أو مجموعة عرقية وما إلى ذلك مع كيان آخر على العديد من المستويات، فيمكن للمرء أن يطلق عليهم مسمى "الدائرة الثقافية" - على الرغم من أن مصطلح "دائرة" ربما لا يكون الأكثر ذكاءً لأنه يحمل فكرة الإغلاق". ديتر هالر، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة بوخوم بألمانيا، تركزت أعماله الأنثروبولوجية على الحدود، والمنطقة المتوسطية، صدر له كتاب TANGIR/GIBRALTAR: ‘A Tale of one city’ (طنجة/جبل طارق "حكاية لمدينة واحدة") يناقش فيه الروابط الاجتماعية المشتركة بين جبل طارق وطنجة.

هل يمكن أن يمثل حقيقة ثقافية؟ إنه بالفعل (أو لا يزال): يرى الناس نفس الرياح والأمواج ودرجة الحرارة والضوضاء والأوساخ (فكر في طيور النورس الدائمة). فكر في مغاربة جبل طارق الذين - إلى جانب الدارجة (العامية المغربية) يتحدثون لغة جبل طارق يانيتو (Yanito) بدلاً من الإنجليزية أو الإسبانية. هل يمكن أن يمثل واقعا ثقافيا أكثر تأثيرا في المستقبل؟ نعم بالتأكيد. لكن هذا بالطبع يعتمد على المزيد من التطورات الجيوسياسية، مثل المصالح البريطانية المغربية المشتركة.

 

لقد اشتغلتم في بحوثكم السابقة على إشبيلية جبل طارق وطنجة ويمكن أن ما يجمع بين هذه المناطق هو ماضيها الأندلسي، هل يمكن لهذا الماضي أن يلعب دورا في توحيد الضفتين، أم أن الرؤية الأورو-مركزية ستظل سيدة الموقف؟

 

ديتر هالر: الأنثروبولوجيا ليست تخصصًا تنبؤيًا، لذا فإن خبرتي تتعلق "بما يفعله الناس" بدلاً من "ما سيفعلونه في المستقبل". لدينا بالطبع أساس شامل من المعرفة والشبكات والخبرة الطويلة في مجالات بحثنا.

هذا يسمح لي بتطوير بعض الأفكار حول المستقبل. للمغرب اهتماماته ومشاريعه مع الجانب الآخر، والمملكة المتحدة وإسبانيا لديهما مصالحهما ومشاريعهما. بالطبع من منظور أوروبي، يتم تفسير الوضع وفق منظور مركزي أوروبي.

يمكن تحدي هذا الأسلوب الإقناعي بنجاح إذا فهم المغرب أن يصف نفسه للأوروبيين ليس فقط كبوابة إلى الجنوب، ولكن أيضًا لشركائه في جنوب الصحراء كبوابة إلى الشمال، أو - نظرًا للميناء الجديد - إلى العالم. يعتبر المغرب إلى حد بعيد أنجح بلد في شمال / شمال غرب إفريقيا. يجب ألا يتفاعل مع التفكير الأوروبي فقط، بل يجب أن يقدم نفسه كقوة إقليمية.

في بعض الجوانب، فإن الدور الجديد للمغرب قد خرق بالفعل التفكير والسلوك. فكر في كامبو ديه غيبرالتر Campo de Gibraltar. لالينيا على سبيل المثال هي واحدة من أفقر الأماكن في إسبانيا. أيضا، أماكن أخرى تعاني من الفقر المتزايد خلال الأزمة المالية.

معدل البطالة مرتفع. لقد قابلت أزواجًا إسبانًا أصغر سناً عبروا المضيق بحثًا عن فرص اقتصادية. سوف نرى إن شاء الله.

 

تعرضتم في كتابكم للبركسيت، ما هو الدور الذي يمكن أن يضطلع به جبل طارق في العلاقات بين بريطانيا والمغرب وإفريقيا عموما؟

 

ديتر هالر: لا مجال للشك. أن مدينة مثل طنجة، يمكنها السيطرة على البوغاز. وإذا كان لنا أن نصدق رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، فإن نفقًا من (خنفوش) طنجة إلى جبل طارق قيد التخطيط.

ولعله أول مشروع مالي باء بالفشل لربط إفريقيا وأوروبا. بالنظر إلى الوضعية الجيولوجية في بوغاز، لست متأكدًا مما إذا كان هذا المشروع قابلاً للتحقيق. نقطة أخرى: بالنظر إلى أن محمد السادس والأسرة الملكية كانوا دائمًا - على الأقل منذ القرن العشرين - يحمون المجتمعات السفاردية، فإن جبل طارق هو الوحيد المتبقي في المنطقة (باستثناء سبتة ومليليه - وهذه مشكلة مختلفة).

وعلى الرغم من أنه لا يوجد أكثر من 1000 يهودي في جبل طارق، إلا أنهم مرتبطون ارتباطًا وثيقًا بهؤلاء اليهود وذريتهم في طنجة وتطوان وأصيلة والعرائش ...، الذين لا يعيشون في الخارج، خاصة في كندا، أمريكا اللاتينية وإسرائيل، لذا من وجهة نظر وظيفية (ليست لي) يمكن للمرء أن يقول: "مورد" جيد جدًا للسياسة المشتركة للمغرب والمملكة المتحدة.

 

ما الذي تفهمه من مفهوم "الدائرة الثقافية"، لا سيما في سياق طنجة/جبل طارق "TanGib

 

منطقة جبل طارق (الظاهرة في الصورة). Aerial view of Gibralter and the rock of Gibralter from the air (photo: Government of Gibraltar)
تصنيف جبل طارق: يرى ديتر هالر أن جبل طارق يصنف نفسه على أنه عالمي، حيث يعيش البروتستانت والكاثوليك والمسلمون واليهود والهندوس معًا في وئام. ويضيف: (حتى وقت قريب كانت المجموعات في جبل طارق ذات تسلسل هرمي فقد فهمت نفسها على أنها بريطانية ويهودية بشكل أساسي. لكن لا ينبغي تصنيف سكان جبل طارق على أنهم مجرد ممثلين للغرب. كان على السكان المستعمرين إيجاد هوية خاصة بهم تتجاوز كونهم إسباناً أو بريطانيين. كان ذلك يعتمد على الظروف الخارجية: لقد أرادوا إثبات أن لا شيء مشترك لديهم مع الأندلسيين، لأن إسبانيا تميل إلى اعتبارهم مجرد "إسبان غريبين". لكنهم أكدوا على هويتهم البريطانية، والتي كانت نتيجة سياسة التعليم: أرسل سكان جبل طارق أطفالهم إلى الجامعات البريطانية. عاد معظمهم إلى جبل طارق بتجربة قبولهم ليس كـ "بريطانيين مثل البريطانيين"، بل كـ "بريطانيين مستعمرين". في التسعينيات، أعلنت الحركة الوطنية البريطانية المتوسطية، بسبب جذورها في مالطا وكتالونيا وجنوا والبرتغال. كانت هذه هي السنوات التي قمت فيها بأول عمل ميداني في جبل طارق. للأسف، تم استبعاد اليهود والمسلمين والهندوس من السرد القومي").

 

 

ديتر هالر: عادة، يتم تفسير مفهوم "الدائرة الثقافية" على أنها منطقة مغلقة، متجانسة داخليًا تمامًا ومختلفة جدًا عن الدوائر الأخرى. هذا التملك غير المشروع للدائرة من قبل العلماء الأغبياء والخطاب العام لا يعكس معناها الأصلي، الذي طوره فروبينيوس وَغرايبنَر في أوائل القرن العشرين.

ما كان يدور في أذهانهم هو إيجاد مفهوم للثقافات، يجعلها أكثر ارتباطًا بعضها ببعض أكثر من ارتباطها بالمناطق الأخرى. بمعنى أن الدوائر الثقافية بالطبع لها روابط مع الخارج وليست متجانسة على الإطلاق.

إذا كان هناك الكثير من القواسم المشتركة بين مجتمع أو مجموعة عرقية وما إلى ذلك مع كيان آخر على العديد من المستويات، فيمكن للمرء أن يطلق عليهم مسمى "الدائرة الثقافية" - على الرغم من أن مصطلح "دائرة" ربما لا يكون الأكثر ذكاءً لأنه يحمل فكرة الإغلاق.

إن البوغاز بالنسبة لي "دائرة ثقافية"، لأن الناس، واللغة، والطعام، وأنماط العيش، وما إلى ذلك، ارتبطوا ارتباطًا وثيقًا بعضهم ببعض منذ قرون. دعنا نقول أقرب بكثير مما لجبل طارق مع منطقة مالقة أو لطنجة مع مراكش.

للتلخيص: اتصالات وثيقة في العديد من المجالات المختلفة لفترة أو فترة أطول. هذا ما يمكن أن أسميه الدائرة الثقافية.

ويمكن أن يوفر طريقة للخروج من الهوية التي سممت الكثير من التفكير المعاصر، سواء كان ذلك العرق أو الثقافة أو الجنس أو أيا كان. لكن طريقة للخروج تقوم على العمل الميداني التجريبي العلمي الذي هو حقيقي لتخصصي.

يعتمد العديد من التفكير الحالي على الهوية كاعتراف: "أنا هذا، أنا ذاك". نحاول تقدير ذلك أيضًا، ولكن الأهم ليس ما يقوله الناس، ولكن ما يفعلونه. هذا هو السبب في أننا لا نحب المقابلات: ما يقوله الناس، وما يفعلون ليسوا متشابهين.

 

لم تخصصوا حيزا معقولا لقضية الهجرة في كتابكم، على الرغم من كونها من القضايا الأساسية المطروحة اليوم في العلاقة بين ضفتي المتوسط، ألا تؤكد مأساة الهجرة صعوبة الحديث عن شيء كـ "طنجة/جبل طارق" TanGib؟

 

ديتر هالر: لا، ليس كذلك. يركز معظم الزملاء الذين يعملون في المنطقة فقط على الأسئلة المتعلقة بالهجرة. الرغبة في الهجرة، كارثة الهجرة، الطاقة التي يستثمرها الناس فيها. كل شيء مأساوي وقد تم توثيقه منذ فترة طويلة مرارًا وتكرارًا. لسنا بحاجة لأنثروبولوجي يفعل الشيء نفسه. أُفضل أن أنظر إلى مسارات حياة الأغلبية التي لم تهاجر وإلى حياتها المحلية.

إلى جانب ذلك، أركز على طنجة وجبل طارق. أنظر تاريخيا إلى الهجرة بين المكانين: الليبراليون الإسبان في القرن التاسع عشر الذين غادروا إسبانيا عبر جبل طارق إلى المغرب (والعديد منهم أسسوا الصحف المحلية)؛ اللاجئون اليهود الذين غادروا إلى جبل طارق عبر طنجة في حرب 1886؛ لاجئون بريطانيون مثليون (غالبًا ما يتم التشهير بهم على أنهم مجرد غريبو الأطوار) الذين ذهبوا إلى طنجة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي؛ اليهود الذين غادروا المغرب بعد الاستقلال. العمال المغاربة الذين هاجروا إلى جبل طارق منذ عام 1965.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة