الإخوان المسلمون وخطاب المظلومية
إخوان ما بعد حسن البنا: معضلة التأسيس الثاني للأيدولوجيا والتنظيم

مع الحفر التاريخي لجماعة الإخوان يمكن القول إن مفهوم المظلومية يحتل موقعا مركزيا في الأدبيات الأخوانية، كونه يساهم في تجسير الصلات وتمتين العلاقات بين كوادر وعناصر التنظيم. فالمحنة تحتاج إلى شرعية دينية وتوظيف مباشر للمقدس. استقراء كريم شفيق لموقع قنطرة

مثّلت المظلومية التاريخية لدى جماعة الإخوان المسلمين ما هو أبعد من مجرد حيلة تعبوية وأداة وظيفية تبريرية مؤقتة، سواء على المستوى الحركي أو بين حواضنهم المجتمعية، خاصة في لحظات الإخفاق التاريخي الذي تعرض له التنظيم. فالمظلومية التي تبدو، في أحايين كثيرة، محض مناورة تكتيكية لعبور المحن والمعضلات التنظيمية والسياسية، إنّما هي بمثابة سرديّة تحمل مضامين أيدولوجيّة، وتتعيّن داخلها آليّات اشتغال عمل التنظيم من خلال الأنساق الرمزية المختلفة، وعلى أسس فكرية تعمل بالموازاة مع الأدبيات المؤسّسة والنصوص التدشينية التي وثقها المرشد العام الأول والمؤسس للجماعة، حسن البنا، في سيرته الذاتية: "الدعوة والداعية"، وكذا كتاب "مجوعة رسائل" والذي يضم 25 رسالة.

ومع الحفر التاريخي والكرونولوجي لجماعة الإخوان، يمكن توثيق أنّ صدام الجماعة التقليدي مع الحكومات السياسية، خلال تسعة عقود، الأمر الذي رافقها على مدار تاريخها، لم يترك أثره المباشر والفوري على رأسمالها الرمزي الخاص إلا مع لحظة وفاة المؤسس. ومن ثم، فإنّ اللجوء الاضطراري لهذه الكتل النفسية، التي تشكلت تحت وطأة الأزمات التنظيمية والسياسية، ثم توظيفها الاستراتيجي بعد فترة وجيزة من وفاة البنا، كان أمراً ملحاً لجهة ملء الفراغات الأيدولوجية المباغتة وسد الجيوب التنظيمية التي تهدد بتصدعات متفاوتة.

إذاً، جاء موت البنا في ۱۲ شباط/ فبراير 1949، ليكشف عن "تراجيديا ذات أبعاد لا يمكن حصرها" بالنسبة لأعضاء الجماعة، بتعبير ريتشارد ميتشل، في كتابه المعنون بـ"مجتمع الإخوان المسلمين"، والذي صدر عام 1969. ويرى ميتشل أنّ "كل ما أصاب الإخوان كأفراد أو كجماعات على يد السلطة لم يكن له مثل ذلك الأثر المدمر على الحركة الذي ترکه فقدان القائد".

وقد مثّل تعيين حسن الهضيبي، إثر ذلك، خليفة للبنا، النتيجة النهائية لعدد من الحلول الوسط بين القصر والإخوان، من جهة، وبين الإخوان أنفسهم، من جهة أخرى. كما أثرت هذه التوازنات بالسلب على التماسك الداخلي للجماعة، بينما نشأ عنها فراغ أيديولوجي، أفسح المجال بدوره للتعبير عن تلك النزعات التي فسرت التراث العقائدي لحسن البنا، على الرغم من إدعائها الإخلاص له، بأساليب مختلفة بدرجة كبيرة، حسبما يوضح جيل كيبل في كتابه: "النبي والفرعون"، إذ كان المرشد العام الجديد، والذي كان يعوزه النفوذ الفكرى، عاجزاً عن عمل أيّ شيء سوى أن يمنح أو يمتنع عن إعطاء موافقة التنظيم على ما ينشره أعضاؤه.

حتمية المحنة في تجربة الدعوة

ثمّة جذور أو بالأحرى شروط مؤسّسة للمظلومية في رسائل البنا، الذي ألمح فيها (25 رسالة) إلى أنّ الصدام مع الأنظمة السياسية أمراً محتوماً، ومن ثم، حدوث الخصومة وتوقع النتائج والمآلات الصعبة. فيقول البنا في رسالته: "بين الأمس واليوم": "أحب أن أصارحكم أنّ دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية".

 

كتاب «الإخوان المسلمين» ريتشارد ميتشل
كتاب موضوعي رصين حول تاريخ حركة الاخوان المسلمين: في كتابه المعنون بـ"مجتمع الإخوان المسلمين"، يعتبر الباحث ريتشارد ميتشل أنّ "كل ما أصاب الإخوان كأفراد أو كجماعات على يد السلطة لم يكن له مثل ذلك الأثر المدمر على الحركة الذي ترکه فقدان القائد".

 

وعرج البنا في الرسائل ذاتها على حتمية المحنة في تجربة الدعوة وفق ما جاء في رسالة "التعاليم"، التي تحمل إنذاراً بالعنف الموجه ضد المجتمع الذي يقف ضدهم فيقول: "الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية، حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنّهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولًا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح".

غير أنّ البنا يعاود حديثه فيقول مخاطباً الإخوان: "وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدي هذا الامتحان : {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}. ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين.. فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟".

كما يقول في رسالته "بين الأمس واليوم"، وهي من أوائل رسائله في بدايات دعوته: "وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة، فقولوا نحن دعاة حق وسلام، نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا، فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا، وكنتم الثائرين الظالمين".

واللافت أنّه في الفترة بين عامي 1949 و1954، وهي اللحظة التي أعقبت وفاة البنا بعام، وامتدت حتى الصدام مع سلطة يوليو الجديدة والناشئة بعد سقوط الملكية في مصر، سجلت وفرة في كتابات الإخوان بواسطة مجموعة من الكوادر التنظيمية، وتنامت مساهماتهم على أكثر من مستوى. ومن بين هذه الأسماء عبد القادر عودة، محمد الغزالي، سيد قطب، البهی الخولي، محمد طه بدوی. وجميعم سعوا لمواصلة عمل المرشد المؤسس (حسن البنا) في كتاباتهم الشخصية.

فالمرشد العام الراحل لم يترك من أفكاره سوى القليل من الآثار المكتوبة. وطوال حياته كان، مؤسس الإخوان، هو الذي يقرر كل شيء، وهو الذي يحدد خط التنظيم في ضوء تطورات الموقف السياسي والاجتماعي والاقتصادى والدینی. ولم يكن هذا الإنتاج الذي تركه كافياً، بحال من الأحوال، لمعالجة كل المشاكل والتحديات التي واجهها الإخوان بعد موته، خاصة خلال محنة عام 1954.

أدلجة الصراع مع السلطة وتصنيف نظام عبد الناصر وحكومته بأنّها "جاهلية" أو "بربرية ما قبل الإسلام"

أزمة عام 1954، وانتقال الجماعة من حليف للنظام، بل ورديف سياسي له، إلى خصم، كشفت عن معضلة المحنة الكبرى المتمثلة، في الواقع، في ضعف وعدم إمكانية التعاطي مع هذا الصراع من الناحيتين السياسية والأيدولوجية. إذ كانت الجماعة بحاجة إلى مقولات سياسية وأدوات نظرية لتحليل النظام بصورة تماثل ما كانت عليه الأوضاع في الفترة الملكية من خلال تحديد التناقض (العدو) الأساسي (الإنجليز)، والتناقض الثانوي وعدوها المرحلي (القصر)، مثلاً. ولذلك، كان سيد قطب هو الذي ملء هذا الفراغ الأيديولوجي من خلال مؤلفاته النظرية التي كتبها بالسجن في الفترة بين عامي 1954 (عندما تم اعتقاله لأول مرة) و1964 (عندما أطلق سراحه لفترة وجيزة ليعاد القبض عليه مرة أخرى وتجرى محاكمته وينفذ فيه حكم الإعدام عام 1966).

وفي كتابه الأخير: "معالم في الطريق"، والذي ضم فصولاً من كتابه: "في ظلال القرآن"، اشتق من التراث الديني الإسلامي مفردات لتعيينها على الواقع، ووضع تصوراته السياسية الشمولية بحيث تمكنه من تحليل طبيعة النظام القائم، بناء على مخياله العقائدي، وبالتبعية، أدلجة الصراع وتصنيف نظام الرئيس جمال عبد الناصر وحكومته بأنّها "جاهلية" أو "بربرية ما قبل الإسلام"، الأمر الذي قام بتعميمه على المجتمع وشمل به الأفراد بنفس الدرجة التي صنف بها النخبة السياسية الحاكمة ومؤسسات الدولة وأجهزتها. فيما عمد إلى بناء تصور حركي لتفكيك النظام واستبدالة بما اعتبره "دولة إسلامية" وتحقيق "الحكم لله".

غلاف كتاب  "معالم في الطريق"، أحد أهم المرجعيات التي وجَّهت حركة الاخوان المسلمين في العقود الماضية. الصورة دار الشروق
مانفيستو الإسلام السياسي الحركي: يعد كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" أحد أهم المرجعيات التي وجَّهت حركة الاخوان المسلمين في العقود الماضية. والنسخة التي بين أيدينا هي الطبعة السادسة التي صدرت له عام 1979م، عن "دار الشروق" القاهرية، . الكتاب تضمن 13 مقالة تضمنت أفكار قطب عن مفهوم الانتماء إلى الإسلام، وكيف تكون "لا إله إلا الله" منهج حياة. وكيف يكون انتماء المسلم للإسلام بمثابة "جنسية" وانتماءً أسمى له. "معالم في الطريق" يعد بمثابة وثيقة نظرية تعكس حدود وأطر الصراع الأيدولوجي الذي تشكل بين جماعة الإخوان من جهة، والنظام والدولة المصرية في عقود لاحقة وممتدة، من جهة أخرى. وقد تضمن الكتاب جملة المبادىء التي عدّها الإسلاميون الحركيون بمثابة البرنامج العام (أو المينافستو) الذي التزمت به أجيال عدة من الإسلام السياسي.

نجح سيد قطب في توظيف فكرة المظلومية في سياق آخر وعلى مستوى حركي أكثر عمقاً وتنظيماً، بحيث أضحت المحنة التي سيتم التأصيل النظري لها في التأسيس الثاني للجماعة من خلال ما سيعرف بـ"فقه الابتلاء" و"فقه الثبات" و"فقه المحنة"، ضرورة أو عتبة رئيسية للوصول لمرحلة التمكين. أي تمكين الفئة المصطفة الثابتة التي لم تهتز الأرض أسفلها، أو تتعرض لخرق في ما يخص إيمانها العقيدي، وفق التعبير القرآني: "وليمحص الله الذين آمنوا".

ومع حادثة المنشية التي حاول من خلالها الإخوان تدبير عملية اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، ألقي القبض على سيد قطب وآخرين، بينما حكم عليه بالمؤبد، قضاها بين سجن طرة والمستشفى الملحق به. وفي هذه الفترة عكف قطب على كتابة تفسيره للقرآن تحت عنوان "في ظلال القرآن"، بل إنّه نشر مؤلفه في صورة كتيب وطبعها في القاهرة، فضلاً عن كتابات أخرى عديدة. كما بدأ في عام 1962، كتابة الفصول الأولى من كتاب "معالم في الطريق". غير أنّه بعد الإفراج عنه في نهاية 1964 بفضل وساطة الرئيس العراقي، عبد السلام عارف، الذي كان في زيارة رسمية للقاهرة، آنذاك، أصبح سيد قطب هو الحلقة الأكثر متانة التي يتموضع حولها ما بقي من جماعة الإخوان المسلمين. 

وعندما أعلن عبد الناصر في ۳۰ أغسطس 1965 أنّ "مؤامرة جديدة للإخوان المسلمين" قد تم كشف النقاب عنها، أعيد أعتقال سيد قطب، باعتباره الرأس المدبر للمؤامرة. وقد ضبطت نسخ من "معالم في الطريق"، في كل المنازل التي جرى مداهمتها. وقد كتبت زينب الغزالي تقول: "إذا أردت أن تعرف لماذا حكم على سيد قطب بالإعدام فاقرأ "معالم في الطريق"".

وكتاب سيد قطب "معالم في الطريق" يعد بمثابة وثيقة نظرية تعكس حدود وأطر الصراع الأيدولوجي الذي تشكل بين الجماعة (جناحها القطبي تحديداً الذي سيتشكل لاحقاً ويتبنى تلك الأفكار والمقولات المتشددة والراديكالية)، من جهة، والنظام والدولة المصرية في عقود لاحقة وممتدة، من جهة أخرى. وقد تضمن الكتاب جملة المبادىء التي عدّها الإسلاميون الحركيون بمثابة البرنامج العام (أو المينافستو) الذي التزمت به أجيال عدة من الإسلام السياسي.

"كتاب "معالم في الطريق" وثيقة نظرية تعكس حدود وأطر الصراع الأيدولوجي بين الجماعة  من جهة، والنظام والدولة المصرية" و قطيعة تامة مع منهج البنا

ولئن كانت "الجاهلية" نقطة الانطلاق المحورية التي اعتمد عليها قطب لتحقيق أهدافه النظرية والعملية، فإنّ ذلك عنى التطبيق القسري داخل المجتمع المعاصر الذي هو بالأساس "صورة متطورة لهذه الجاهلية"، وخلق "العصبة المؤمنة" و"الجيل القرآني" الذي يقف على مسافة حادة وحيادية تجاه مجتمعه في حالة من "العزلة الشعورية"، دون ثمة ارتباط عضوي أو انتماء أو التماس هوية فيه.

ولذلك، جاء طرح قطب على هذا الأساس الذي استلهم من خلاله التراث الديني الإسلامي، وعمد إلى توظيفه بصورة تحقق أغراضه النهائية، الأمر الذي انتبه له وفسره كيبل في كتابه: "النبي والفرعون". فيقول: "الواجب أن تكون نظرة المسلم هذا للمجتمع مماثلة لنظرة الرسول والصحابة إلى مجتمعهم، وطليعة اليوم يجب عليها أن تسترشد بهذه القدوة في تحديد أسلوب عملها. وقد استخدم الرسول تكتيك المراوحة بين الانسحاب من المجتمع الذي يعيش فيه والاتصال به، وهو الذي اختار، على سبيل المثال، أن يهاجر من مكة إلى المدينة عندما وجد نفسه في موقف ضعيف، ليعود في النهاية فاتحاً للمدينة التي هجرها قبل ذلك".

وفي كتابه: "معالم في الطريق" طرح سيد قطب مفاهميه عن المجتمع الجاهلي الذي يتم فيه تعطيل "الحكم بما أنزل الله" وكف يد الله عن التشريع وتعطيل أحكامه، وذلك من خلال "حكم الطاغوت". هذا الحكم الذي يتشكل من خلال المؤسسات المدنية وأجهزة الدولة التي تقوم بتطبيق القوانين والتشريعات الوضعية. هذا التصنيف الذي توجه لنقد نظام عبد الناصر كان يمثل قطيعة تامة مع منهج البنا الذي يعمد إلى المراوغة والتشويش والتعمية عن أفكاره بينما لم يجرؤ لحظة على إتهام المجتمع وأفراده بمثل هذه المقولات الدينية العنيفة.

وقال سيد قطب في كتابه: "إنّ المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم! وإذا أردنا التحديد الموضوعی، قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده.. وهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار "المجتمع الجاهلی" جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا. واستعرض قطب بعد ذلك الصيغ المختلفة للمجتمعات، شارحا لماذا تشكل كل منها جزء من هذه الجاهلية بشكل عام. وفي قمة هذه القائمة تقف المجتمعات الشيوعية، التي تنكر الله والتي فيها "نظام العبودية فيه للحزب على فرض أن القيادة الجماعية في هذا النظام حقيقة واقعية لا لله سبحانه وتعالی".

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة