الإخوان المسلمون وخطاب المظلومية
إخوان ما بعد حسن البنا: معضلة التأسيس الثاني للأيدولوجيا والتنظيم

مع الحفر التاريخي لجماعة الإخوان يمكن القول إن مفهوم المظلومية يحتل موقعا مركزيا في الأدبيات الأخوانية، كونه يساهم في تجسير الصلات وتمتين العلاقات بين كوادر وعناصر التنظيم. فالمحنة تحتاج إلى شرعية دينية وتوظيف مباشر للمقدس. استقراء كريم شفيق لموقع قنطرة

مثّلت المظلومية التاريخية لدى جماعة الإخوان المسلمين ما هو أبعد من مجرد حيلة تعبوية وأداة وظيفية تبريرية مؤقتة، سواء على المستوى الحركي أو بين حواضنهم المجتمعية، خاصة في لحظات الإخفاق التاريخي الذي تعرض له التنظيم. فالمظلومية التي تبدو، في أحايين كثيرة، محض مناورة تكتيكية لعبور المحن والمعضلات التنظيمية والسياسية، إنّما هي بمثابة سرديّة تحمل مضامين أيدولوجيّة، وتتعيّن داخلها آليّات اشتغال عمل التنظيم من خلال الأنساق الرمزية المختلفة، وعلى أسس فكرية تعمل بالموازاة مع الأدبيات المؤسّسة والنصوص التدشينية التي وثقها المرشد العام الأول والمؤسس للجماعة، حسن البنا، في سيرته الذاتية: "الدعوة والداعية"، وكذا كتاب "مجوعة رسائل" والذي يضم 25 رسالة.

ومع الحفر التاريخي والكرونولوجي لجماعة الإخوان، يمكن توثيق أنّ صدام الجماعة التقليدي مع الحكومات السياسية، خلال تسعة عقود، الأمر الذي رافقها على مدار تاريخها، لم يترك أثره المباشر والفوري على رأسمالها الرمزي الخاص إلا مع لحظة وفاة المؤسس. ومن ثم، فإنّ اللجوء الاضطراري لهذه الكتل النفسية، التي تشكلت تحت وطأة الأزمات التنظيمية والسياسية، ثم توظيفها الاستراتيجي بعد فترة وجيزة من وفاة البنا، كان أمراً ملحاً لجهة ملء الفراغات الأيدولوجية المباغتة وسد الجيوب التنظيمية التي تهدد بتصدعات متفاوتة.

إذاً، جاء موت البنا في ۱۲ شباط/ فبراير 1949، ليكشف عن "تراجيديا ذات أبعاد لا يمكن حصرها" بالنسبة لأعضاء الجماعة، بتعبير ريتشارد ميتشل، في كتابه المعنون بـ"مجتمع الإخوان المسلمين"، والذي صدر عام 1969. ويرى ميتشل أنّ "كل ما أصاب الإخوان كأفراد أو كجماعات على يد السلطة لم يكن له مثل ذلك الأثر المدمر على الحركة الذي ترکه فقدان القائد".

وقد مثّل تعيين حسن الهضيبي، إثر ذلك، خليفة للبنا، النتيجة النهائية لعدد من الحلول الوسط بين القصر والإخوان، من جهة، وبين الإخوان أنفسهم، من جهة أخرى. كما أثرت هذه التوازنات بالسلب على التماسك الداخلي للجماعة، بينما نشأ عنها فراغ أيديولوجي، أفسح المجال بدوره للتعبير عن تلك النزعات التي فسرت التراث العقائدي لحسن البنا، على الرغم من إدعائها الإخلاص له، بأساليب مختلفة بدرجة كبيرة، حسبما يوضح جيل كيبل في كتابه: "النبي والفرعون"، إذ كان المرشد العام الجديد، والذي كان يعوزه النفوذ الفكرى، عاجزاً عن عمل أيّ شيء سوى أن يمنح أو يمتنع عن إعطاء موافقة التنظيم على ما ينشره أعضاؤه.

حتمية المحنة في تجربة الدعوة

ثمّة جذور أو بالأحرى شروط مؤسّسة للمظلومية في رسائل البنا، الذي ألمح فيها (25 رسالة) إلى أنّ الصدام مع الأنظمة السياسية أمراً محتوماً، ومن ثم، حدوث الخصومة وتوقع النتائج والمآلات الصعبة. فيقول البنا في رسالته: "بين الأمس واليوم": "أحب أن أصارحكم أنّ دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية".

 

كتاب «الإخوان المسلمين» ريتشارد ميتشل
كتاب موضوعي رصين حول تاريخ حركة الاخوان المسلمين: في كتابه المعنون بـ"مجتمع الإخوان المسلمين"، يعتبر الباحث ريتشارد ميتشل أنّ "كل ما أصاب الإخوان كأفراد أو كجماعات على يد السلطة لم يكن له مثل ذلك الأثر المدمر على الحركة الذي ترکه فقدان القائد".

 

وعرج البنا في الرسائل ذاتها على حتمية المحنة في تجربة الدعوة وفق ما جاء في رسالة "التعاليم"، التي تحمل إنذاراً بالعنف الموجه ضد المجتمع الذي يقف ضدهم فيقول: "الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية، حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنّهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولًا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح".

غير أنّ البنا يعاود حديثه فيقول مخاطباً الإخوان: "وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدي هذا الامتحان : {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}. ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين.. فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟".

كما يقول في رسالته "بين الأمس واليوم"، وهي من أوائل رسائله في بدايات دعوته: "وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة، فقولوا نحن دعاة حق وسلام، نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا، فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا، وكنتم الثائرين الظالمين".

واللافت أنّه في الفترة بين عامي 1949 و1954، وهي اللحظة التي أعقبت وفاة البنا بعام، وامتدت حتى الصدام مع سلطة يوليو الجديدة والناشئة بعد سقوط الملكية في مصر، سجلت وفرة في كتابات الإخوان بواسطة مجموعة من الكوادر التنظيمية، وتنامت مساهماتهم على أكثر من مستوى. ومن بين هذه الأسماء عبد القادر عودة، محمد الغزالي، سيد قطب، البهی الخولي، محمد طه بدوی. وجميعم سعوا لمواصلة عمل المرشد المؤسس (حسن البنا) في كتاباتهم الشخصية.

فالمرشد العام الراحل لم يترك من أفكاره سوى القليل من الآثار المكتوبة. وطوال حياته كان، مؤسس الإخوان، هو الذي يقرر كل شيء، وهو الذي يحدد خط التنظيم في ضوء تطورات الموقف السياسي والاجتماعي والاقتصادى والدینی. ولم يكن هذا الإنتاج الذي تركه كافياً، بحال من الأحوال، لمعالجة كل المشاكل والتحديات التي واجهها الإخوان بعد موته، خاصة خلال محنة عام 1954.

أدلجة الصراع مع السلطة وتصنيف نظام عبد الناصر وحكومته بأنّها "جاهلية" أو "بربرية ما قبل الإسلام"

أزمة عام 1954، وانتقال الجماعة من حليف للنظام، بل ورديف سياسي له، إلى خصم، كشفت عن معضلة المحنة الكبرى المتمثلة، في الواقع، في ضعف وعدم إمكانية التعاطي مع هذا الصراع من الناحيتين السياسية والأيدولوجية. إذ كانت الجماعة بحاجة إلى مقولات سياسية وأدوات نظرية لتحليل النظام بصورة تماثل ما كانت عليه الأوضاع في الفترة الملكية من خلال تحديد التناقض (العدو) الأساسي (الإنجليز)، والتناقض الثانوي وعدوها المرحلي (القصر)، مثلاً. ولذلك، كان سيد قطب هو الذي ملء هذا الفراغ الأيديولوجي من خلال مؤلفاته النظرية التي كتبها بالسجن في الفترة بين عامي 1954 (عندما تم اعتقاله لأول مرة) و1964 (عندما أطلق سراحه لفترة وجيزة ليعاد القبض عليه مرة أخرى وتجرى محاكمته وينفذ فيه حكم الإعدام عام 1966).

وفي كتابه الأخير: "معالم في الطريق"، والذي ضم فصولاً من كتابه: "في ظلال القرآن"، اشتق من التراث الديني الإسلامي مفردات لتعيينها على الواقع، ووضع تصوراته السياسية الشمولية بحيث تمكنه من تحليل طبيعة النظام القائم، بناء على مخياله العقائدي، وبالتبعية، أدلجة الصراع وتصنيف نظام الرئيس جمال عبد الناصر وحكومته بأنّها "جاهلية" أو "بربرية ما قبل الإسلام"، الأمر الذي قام بتعميمه على المجتمع وشمل به الأفراد بنفس الدرجة التي صنف بها النخبة السياسية الحاكمة ومؤسسات الدولة وأجهزتها. فيما عمد إلى بناء تصور حركي لتفكيك النظام واستبدالة بما اعتبره "دولة إسلامية" وتحقيق "الحكم لله".

غلاف كتاب  "معالم في الطريق"، أحد أهم المرجعيات التي وجَّهت حركة الاخوان المسلمين في العقود الماضية. الصورة دار الشروق
مانفيستو الإسلام السياسي الحركي: يعد كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" أحد أهم المرجعيات التي وجَّهت حركة الاخوان المسلمين في العقود الماضية. والنسخة التي بين أيدينا هي الطبعة السادسة التي صدرت له عام 1979م، عن "دار الشروق" القاهرية، . الكتاب تضمن 13 مقالة تضمنت أفكار قطب عن مفهوم الانتماء إلى الإسلام، وكيف تكون "لا إله إلا الله" منهج حياة. وكيف يكون انتماء المسلم للإسلام بمثابة "جنسية" وانتماءً أسمى له. "معالم في الطريق" يعد بمثابة وثيقة نظرية تعكس حدود وأطر الصراع الأيدولوجي الذي تشكل بين جماعة الإخوان من جهة، والنظام والدولة المصرية في عقود لاحقة وممتدة، من جهة أخرى. وقد تضمن الكتاب جملة المبادىء التي عدّها الإسلاميون الحركيون بمثابة البرنامج العام (أو المينافستو) الذي التزمت به أجيال عدة من الإسلام السياسي.

نجح سيد قطب في توظيف فكرة المظلومية في سياق آخر وعلى مستوى حركي أكثر عمقاً وتنظيماً، بحيث أضحت المحنة التي سيتم التأصيل النظري لها في التأسيس الثاني للجماعة من خلال ما سيعرف بـ"فقه الابتلاء" و"فقه الثبات" و"فقه المحنة"، ضرورة أو عتبة رئيسية للوصول لمرحلة التمكين. أي تمكين الفئة المصطفة الثابتة التي لم تهتز الأرض أسفلها، أو تتعرض لخرق في ما يخص إيمانها العقيدي، وفق التعبير القرآني: "وليمحص الله الذين آمنوا".

ومع حادثة المنشية التي حاول من خلالها الإخوان تدبير عملية اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، ألقي القبض على سيد قطب وآخرين، بينما حكم عليه بالمؤبد، قضاها بين سجن طرة والمستشفى الملحق به. وفي هذه الفترة عكف قطب على كتابة تفسيره للقرآن تحت عنوان "في ظلال القرآن"، بل إنّه نشر مؤلفه في صورة كتيب وطبعها في القاهرة، فضلاً عن كتابات أخرى عديدة. كما بدأ في عام 1962، كتابة الفصول الأولى من كتاب "معالم في الطريق". غير أنّه بعد الإفراج عنه في نهاية 1964 بفضل وساطة الرئيس العراقي، عبد السلام عارف، الذي كان في زيارة رسمية للقاهرة، آنذاك، أصبح سيد قطب هو الحلقة الأكثر متانة التي يتموضع حولها ما بقي من جماعة الإخوان المسلمين. 

وعندما أعلن عبد الناصر في ۳۰ أغسطس 1965 أنّ "مؤامرة جديدة للإخوان المسلمين" قد تم كشف النقاب عنها، أعيد أعتقال سيد قطب، باعتباره الرأس المدبر للمؤامرة. وقد ضبطت نسخ من "معالم في الطريق"، في كل المنازل التي جرى مداهمتها. وقد كتبت زينب الغزالي تقول: "إذا أردت أن تعرف لماذا حكم على سيد قطب بالإعدام فاقرأ "معالم في الطريق"".

وكتاب سيد قطب "معالم في الطريق" يعد بمثابة وثيقة نظرية تعكس حدود وأطر الصراع الأيدولوجي الذي تشكل بين الجماعة (جناحها القطبي تحديداً الذي سيتشكل لاحقاً ويتبنى تلك الأفكار والمقولات المتشددة والراديكالية)، من جهة، والنظام والدولة المصرية في عقود لاحقة وممتدة، من جهة أخرى. وقد تضمن الكتاب جملة المبادىء التي عدّها الإسلاميون الحركيون بمثابة البرنامج العام (أو المينافستو) الذي التزمت به أجيال عدة من الإسلام السياسي.

"كتاب "معالم في الطريق" وثيقة نظرية تعكس حدود وأطر الصراع الأيدولوجي بين الجماعة  من جهة، والنظام والدولة المصرية" و قطيعة تامة مع منهج البنا

ولئن كانت "الجاهلية" نقطة الانطلاق المحورية التي اعتمد عليها قطب لتحقيق أهدافه النظرية والعملية، فإنّ ذلك عنى التطبيق القسري داخل المجتمع المعاصر الذي هو بالأساس "صورة متطورة لهذه الجاهلية"، وخلق "العصبة المؤمنة" و"الجيل القرآني" الذي يقف على مسافة حادة وحيادية تجاه مجتمعه في حالة من "العزلة الشعورية"، دون ثمة ارتباط عضوي أو انتماء أو التماس هوية فيه.

ولذلك، جاء طرح قطب على هذا الأساس الذي استلهم من خلاله التراث الديني الإسلامي، وعمد إلى توظيفه بصورة تحقق أغراضه النهائية، الأمر الذي انتبه له وفسره كيبل في كتابه: "النبي والفرعون". فيقول: "الواجب أن تكون نظرة المسلم هذا للمجتمع مماثلة لنظرة الرسول والصحابة إلى مجتمعهم، وطليعة اليوم يجب عليها أن تسترشد بهذه القدوة في تحديد أسلوب عملها. وقد استخدم الرسول تكتيك المراوحة بين الانسحاب من المجتمع الذي يعيش فيه والاتصال به، وهو الذي اختار، على سبيل المثال، أن يهاجر من مكة إلى المدينة عندما وجد نفسه في موقف ضعيف، ليعود في النهاية فاتحاً للمدينة التي هجرها قبل ذلك".

وفي كتابه: "معالم في الطريق" طرح سيد قطب مفاهميه عن المجتمع الجاهلي الذي يتم فيه تعطيل "الحكم بما أنزل الله" وكف يد الله عن التشريع وتعطيل أحكامه، وذلك من خلال "حكم الطاغوت". هذا الحكم الذي يتشكل من خلال المؤسسات المدنية وأجهزة الدولة التي تقوم بتطبيق القوانين والتشريعات الوضعية. هذا التصنيف الذي توجه لنقد نظام عبد الناصر كان يمثل قطيعة تامة مع منهج البنا الذي يعمد إلى المراوغة والتشويش والتعمية عن أفكاره بينما لم يجرؤ لحظة على إتهام المجتمع وأفراده بمثل هذه المقولات الدينية العنيفة.

وقال سيد قطب في كتابه: "إنّ المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم! وإذا أردنا التحديد الموضوعی، قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده.. وهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار "المجتمع الجاهلی" جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا. واستعرض قطب بعد ذلك الصيغ المختلفة للمجتمعات، شارحا لماذا تشكل كل منها جزء من هذه الجاهلية بشكل عام. وفي قمة هذه القائمة تقف المجتمعات الشيوعية، التي تنكر الله والتي فيها "نظام العبودية فيه للحزب على فرض أن القيادة الجماعية في هذا النظام حقيقة واقعية لا لله سبحانه وتعالی".

 

 

السلطة الشرعية الوحيدة عند سيد قطب هي الحاكمية لله

وكانت السلطة الشرعية الوحيدة، عند قطب، كما هي عند أبو الأعلى المودودي، في نظام الحكم الصالح ( وهو بالضرورة مسلم ) هي حكم الله ( الحاكمية لله). وعلى نفس النمط، فالله هو الموضوع الوحيد للعبودية (العبودية لله). والنظام يستطيع أن يمارس العبودية فقط باسم الله، بتطبيق الشريعة الإلهية أي "الحكم بما أنزل الله". فمبدأ الحاكمية لله هو الضمان في مواجهة سلطة الحاكم الفردية.

وخطة قطب للعبور من الجاهلية للإنسان ذكرها في كتابه من خلال "إنسان يؤمن بهذه العقيدة الآتية له من ذلك المصدر الغيبي، الجارية بقدر الله وحده. وحين يؤمن هذا الإنسان الواحد بهذه العقيدة يبدأ وجود المجتمع الاسلامی (حكما) أن الانسان الواحد لن يستلقى هذه العقيدة وينطوي على نفسه.. إنه سينطلق بها.. هذه طبيعتها.. طبيعة الحركة الحية.. إن القوة العليا التي دفعت بها إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قدما".

لم يتوقف قطب عند مبدأ الدعوة أو "التبليغ" و"البيان" لتدشين "مملكة الله على الأرض"، بل إنّ مواجهة الدولة الناصرية التي تختلف عن كل الحكومات السابقة في علاقتها مع جماعة الإخوان تحتاج إلى عمل حركي مباشر وصدامي راديكالي، خاصة أن نظام يوليو عمد إلى نبذ الجماعة سياسياً وأيدولوجياً، كما أنه يحمل مشروعا بمقدوره صناعة وإحداث مزايحات لأفكارهم وتصوراتهم في السياسة والحكم. ومن ثم، فالسيف والمصحف تلازم وجودهما مع المنهج القطبي بحيث أصبح لكل منهما مجاله.

كان "معالم في الطريق"، إذاً، العمل الختامي لحياة قطب، والذي نصبه القائد الأيديولوجی للإخوان المسلمين. وفي الفترة من 1951 حتى إعدامه عام 1966، كتب سيد قطب ثمانية أعمال في العقيدة الإسلامية، خمسة منها كتبت في السجن. ولم يكن كتابه "معالم في الطريق"، في الواقع، إنتاجاً جديداً بمعنى الكلمة؛ فقد أخذ أربعة من فصوله الثلاثة عشر على الأقل من كتابه "في ظلال القرآن"، وهو تفسير للقرآن في عدة أجزاء كتب في الفترة من 1953 حتى 1964، أي كتب أغلبه في السجن. وعلاوة على ذلك، فإنّ المصطلحات التي استخدمها المؤلف قد استعارها، من مفكرين عدیدین منهم المودودي.

 

 

وثمّة مسافة بينية تفصل بين فكر سيد قطب وحسن البنا، حيث إنّ "فكر حسن البنا لمن يطالعه فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس عامة، وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى، وفكر سيد قطب هو فكر مجانبة ومفاصلة وفكر امتناع عن الآخرين.. والفرق بينهما هو الفرق بين السلم والحرب، حسبما ألمح المفكر المصري طارق البشري في كتابه: "الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي"، والذي يرى أن فكر سيد قطب كان "فكراً لجيش مقاتل وليس فكرا لدعوة مفتوحة". ويتابع: "إنه ليس الفكر اللازم لبناء مجلس نيابي بل هو عينه الفكر اللازم لبناء جيش مقاتل من الرجال. الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي".

وبالعودة إلى الفصل التمهيدي لـ "معالم في الطريق" يمكن الوقوف على مغزى الكتاب وهدفه؛ فيقول قطب: "تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية .. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها (فهذا عرض للمرض وليس هو المرض .. لكن بسبب إفلاسها في عالم القيم التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نمواً سلياً وتترقی ترقياً صحيحاً. وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من "القيم"، بل الذي لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود، بعد ما انتهت الديمقراطية فيه إلى ما يشبه الإفلاس، حيث بدأت تستعير ببطء وتقتبس من أنظمة المعسكر الشرقی وبخاصة في الأنظمة الاقتصادية! تحت اسم الاشتراكية كذلك الحال في المعسكر الشرقي نفسه.. فالنظريات الجماعية وفي مقدمتها الماركسية التي اجتذبت في أول عهدها عدداً كبيراً في الشرق وفي الغرب نفسه- باعتبارها مذهب يحمل طابع العقيدة، قد تراجعت هي الأخرى تراجعا واضحا من ناحية  الفكرة  حتى تكاد تنحصر الآن في الدولة وأنظمتها، التي تبعد بعدا كبيرا عن أصول المذهب.  ولابد من قيادة للبشرية جديدة!. ثم فشلت الانظمة الفردية والأنظمة الجماعية في نهاية المطاف".

 

مفهوم المظلومية يحتل موقعا مركزيا في أدبيات الإخوان، حيث إنه يساهم في تجسير الصلات وتمتين العلاقات بين كوادر وعناصر التنظيم

 

ومن ثم، يعلق البشري على ذلك، فيذكر: "لقد قيل إن سيد قطب فى "معالم فى الطريق" بلغ قمة الرجعية لأنّه حكم على مجتمعنا كله بالجاهلية، ولكن فهم "معالم فى الطريق" فى إطار منطق الدعوة الإسلامية يكشف أن سيد قطب لم يغل فى الرجعية، بل غلا فى المقاومة، لأنّه بذل مجهوده فى إيضاح كيفية إعداد كتيبة الصدام للعودة إلى الإسلام وأبان في "لا إله إلا الله" معنى الانخلاع عن المجتمع الحاضر بكل قيمه ومؤسساته ورموزه، وإذا كانت الجاهلية هي نظام ما قبل الإسلام فإنّ سيد قطب عندما وصم المجتمع الحاضر بالجاهلية يكون في تصوره قد نقل الدعوة ونظام الإسلام المدعو له من الوراء إلى الأمام، من الماضي إلى المستقبل، أي جعل الإسلام مستقبلياً دعوة ونظاماً، ليكن الموقف من عموم الدعوة الإسلامية أو تفصيلاتها ما يكون، ولكن علينا أن نفهم منطقها الداخلي وسياقها وكيفية بنائها لعقلية الداعي إليها وكيفية تحريكها لبواعثه، فسلفية الداعي للإسلام سلفية راجعية مقاومة وهي ذات منظور مستقبلي".

ورغم أن مصطلحي "العبودية" و"الحاكمية"، واللذين فهمهما سيد قطب إلى حد ما، قد نشأ في كتابات المودودی، فإن استعمال قطب لها كمفهومين أساسيين في تحليله للجاهلية وللمجتمعات الإسلامية، أضفي عليها قوة كبيرة أكثر مما فعل المؤلف الباکستانی، وفق صاحب: النبي والفرعون".

ولم تكن "العبودية" و"الحاكمية" مصطلحات قرآنية، وهي نقطة أخذها على المودودی ( وبالتالي على سيد قطب) المرشد العام حسن الهضيبي. وكانت هذه الدعوة، في الواقع، أحد التيمات الدعائية للدولة الناصرية، رغم أن معظم المراقبين المعاصرين لم يهتموا بها أدنى اهتمام، حيث أخذوا بالدعاية التي كانت تروجها الصفوة المحلية من المتحدثين بالفرنسية والانجليزية "للاشتراكية العربية". وبدلا من العلمانية التي تلهف البعض على تطبيقها، حاول نظام عبد الناصر تحديث المؤسسات الرسمية الإسلامية، خاصة الأزهر، في محاولة لتحويلها إلى أكثر أشكال صناعة الرأي العام المتاحة تأثيرا وكان هذا هو "الإسلام المتطور" الذي تصدى له قطب بالنقد اللاذع.

إذاً، مفهوم المظلومية يحتل موقعا مركزيا في أدبيات الإخوان، حيث إنه يساهم في تجسير الصلات وتمتين العلاقات بين كوادر وعناصر التنظيم. فالمحنة تحتاج إلى شرعية دينية أو بالأحرى توظيف مباشر للمقدس والمفارق لإحداث العصمة داخل "الفرقة الناجية" المتخيلة، والتي تحتاج إلى توليد طاقة عنف مقدسة لمواجهة السلطة وقمعها أو صداماتها العنيفة. وفي مذكرات زينب الغزالي: "أيام من حياتي"، تمتزج المحنة دوما بـالبشارة. وترتبط المظلومية بإمكانيات الخلاص. الأمر الذي يحقق نجاة الفئة المظلومة، وتعافيها بعد طول انكسار، بما يكرس حدة البناء الأيديولوجي والتنظيمي الحركي، ويضغط باستمرار على دوافع العنف داخل نفوس عناصر التنظيم، حتى إذا ما لاحت نذر النهاية، أو تراخت قبضة الدولة، فيتحول المظلوم إلى أداة للقتل المقدس.

وتوظف الغزالي، في كتابها "أيام من حياتي"، أوصافها بحمولاتها الدينية المكثفة، عن ظروف وملابسات وتفاصيل الاعتقال، فضلا عن الحوادث التي ترافقه، بغية تحقيق هدفين؛ الأول مرتبط بالموقف من النظام وتكريس العداء الأيدولوجي والخصومة السياسية ضده، والتأكيد على "فساد السلطة السياسية"، والثاني يتصل بتعزيز قوة "الحجة الإسلاموية" . وثمة صلات عضوية بين الأمرين، تتكرر وتتضح من سيد قطب إلى زينب الغزالي، وذلك بخصوص ديناميكية خطاب المظلومية الذي يعمل باعتباره جزءاً من آليات إنتاج خطاب إسلاموي مسيس أكثر من كونه شهادة عن وقائع جرت، مع الوضع في الاعتبار أنّ كتاب الغزالي صدر بعد قرابة اثنتي عشر عاما من انتهاء وقائعه، وبعد ست سنوات تقريبا على الإفراج عنها.

وبالتالي ثمة "ارتباط جوهري بين إنتاج الخطاب الإسلاموي وإنتاج الأزمات وأساليب القمع التي يصفها (كتاب زينب الغزالي) ومن دون أن يقدم نقداً جديا للآلية الحقيقية لعمل السلطة"، وفق ما ذكر تيموثي ميتشل في كتاب: "المثقف والمناضل" في الإسلام المعاصر.

فتقول الغزالي رداً على استجواب المحقق الذي أمسى يسألها عن علاقتها بشخصيات في عدة دول عربية بالسودان والمملكة العربية السعودية وغيرهما: "إنّ لي في كثير من البلاد أصدقاء عرفوني عن طريق الدعوة الإسلامية، فحركتنا في الأرض هي لله سبحانه والله يسوق إلينا من يختار وجهته وطريقه". ثم تشير إلى صلاتها بجماعة الإخوان المسلمين، غير أنها تبرر اعترافها بـ"الإرادة الإلهية" التي وضعتها في سبيل الجماعة ومن ثم استجابت لدعوتهم. وتردف: "إنّ غايتنا أن ننشر دعوة الله وندعو للحكم بشرعه، وإنّي باسم الله أدعوكم أن تتخلوا عن جاهليتكم وتجددوا إسلامكم (...) لعل الله يخرجكم من إقفال الجاهلية إلى نور الإسلام. وبلغوا ذلك الرئيس جمهوريتكم لعله يتوب ويستغفر ويعود للإسلام ويخلع عن نفسه إطار الجاهلية" .

وعنونت الغزالي الفصل الأول من كتابها الذي وصفت فيه عبد الناصر بأنه "فرعون": "عبد الناصر يكرهني شخصياً"، إذ تؤكد أنّ كل ما يجري معها من وقائع وأحداث إنّما هي بمعرفة عبد الناصر، والأخير حسبما تذكر "مصدر كافة الشرور التي تنبعث منه في سلسلة لا تنقطع".

وهنا، تتبدى عملية إنتاج خطاب سياسي إسلامي مؤدلج يعتمد على إحداث مفارقة بين الضحية والجلاد، خاصة وأنّ الأخير يحاول فرض إكراهاته وهندسة جسد اجتماعي منضبط وموصوم بالضعف والانحراف والمرض والجريمة ومنع انتقال عدوى التمرد بصفتها الإسلاموية، بما يضمن قوة السلطة وبقائها وديمومتها. لكن الاستعلاء الإيماني لدى الغزالي مكنها من مقاومة الخضوع لنطاق السلطة وتوحشها، وقد عمدت إلى عقد مقارنة بين أنماط من التعذيب بهدف الحصول على الاعتراف الذي يمنح العقوبة شرعيتها، لكن ممانعتها بالإيمان هي التي تمنحها الثبات في كل مرة. فتذكر أنها قضت "ليال في زنزانتها، يتم اقتيادها مجددا إلى التحقيق وتوجه إليها تهمة الانتماء إلى تنظيم سري والاشتراك في مؤامرة تهدف إلى اغتيال الرئيس عبد الناصر"، فتنكر التهمة. عندئذ يستدعي عدد من الإخوان المسلمين ويتم ضربهم بالسياط. ويحذرها المحققون بأنها سوف تموت إذا أصرت على رفض التعاون معهم، ولكنها تجيبهم بأنها لا تخشى عذاب الموت. فكل صفحة في الكتاب كتبت بما يؤكد على قوة الإرادة التي تمنحها القناعة الدينية.

وحين توجه إليها في جلسة أخرى تهمة التآمر على اغتيال عبدالناصر والاستيلاء على السلطة، تجيب: "يا أستاذ! القضية أكبر من قتل عبدالناصر والاستيلاء على الحكم. قتل عبد الناصر أمر تافه لا يشغل المسلمين. القضية قضية الإسلام. الإسلام غير قائم (...) ونعمل على تربية نشء للإسلام". فيرد عليها المحقق: "أنت مجنونة! هذا الكلام خطير؛ ألا تعلمين أنك لو قتلت هنا الآن ودفنت ما علم بك أحد (...)؟" فتجيب: "يفعل الله ما يشاء ويختار". ويأمر بأن جلد "خمسمائة جلدة".

واللافت أنّ زينب الغزالي تعمد في شهادتها إلى ذكر معرفة الرئيس جمال عبد الناصر بها، باعتباره قمة هذه السلطة، بل ومتابعة الرئيس التحقيقات معها وإشرافه المباشر على التعذيب بحقها. بينما تصر (زينب الغزالي) أن تدمج على نحو غامض وخفي ثنائية المعرفة/السلطة بتعبير الفيلسوف الفرنسي، ميشيل فوكو، في خطابها عن التعذيب الذي يأتي بعد كل جلسة تحقيق واستجواب، وممانعتها السقوط في فخ خطاب السلطة أو الاستجابة لإغراءاته، ومقاومتها النهائية لمحاولات المحققين معها لإضعاف حجتها أو تثبيط فعالية رهاناتها.

وبالتالي، يشكل خطاب الغزالي محاولة لرصد فعالية الإيمان الديني الذي يكافح أمام تقنيات وأنماط ممارسة تنظيم السلطة التي تهدف إلى ضمان طواعية الأفراد المتمردين وخلق ذوت ضعيفة لينة، تنبذ المقاومة، وتقوم على الطاعة والخضوع، وذلك بواسطة إلحاق الألم بالجسد وتعذيبه، وتشكيل إكراهات مادية ومعنوية عليه، كالاعتراف والاستجواب.

 

كريم شفيق

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

كريم شفيق صحفي وباحث متخصص في قضايا الإسلام السياسي وشؤون الأقليات في الشرق الأوسط.

 

 

اقرأ/ي أيضًا من موقع قنطرة للحوار مع العالم الإسلامي:

كتاب "مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة"

"الدولة الإسلامية" كانت نتاج الضرورات التاريخية وليس النصوص العقدية

"سلطوية تحالف مشؤوم بين رجال الدين والدولة"

ملف خاص من موقع قنطرة حول التاريخ الاسلامي

محمد أركون: الوعي التاريخي مفقود في ثقافتنا العربية المعاصرة

الدولة في الإسلام...الخلافة ليست جزءاً من عقائد التوحيد

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة