السلطة الشرعية الوحيدة عند سيد قطب هي الحاكمية لله

وكانت السلطة الشرعية الوحيدة، عند قطب، كما هي عند أبو الأعلى المودودي، في نظام الحكم الصالح ( وهو بالضرورة مسلم ) هي حكم الله ( الحاكمية لله). وعلى نفس النمط، فالله هو الموضوع الوحيد للعبودية (العبودية لله). والنظام يستطيع أن يمارس العبودية فقط باسم الله، بتطبيق الشريعة الإلهية أي "الحكم بما أنزل الله". فمبدأ الحاكمية لله هو الضمان في مواجهة سلطة الحاكم الفردية.

وخطة قطب للعبور من الجاهلية للإنسان ذكرها في كتابه من خلال "إنسان يؤمن بهذه العقيدة الآتية له من ذلك المصدر الغيبي، الجارية بقدر الله وحده. وحين يؤمن هذا الإنسان الواحد بهذه العقيدة يبدأ وجود المجتمع الاسلامی (حكما) أن الانسان الواحد لن يستلقى هذه العقيدة وينطوي على نفسه.. إنه سينطلق بها.. هذه طبيعتها.. طبيعة الحركة الحية.. إن القوة العليا التي دفعت بها إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قدما".

لم يتوقف قطب عند مبدأ الدعوة أو "التبليغ" و"البيان" لتدشين "مملكة الله على الأرض"، بل إنّ مواجهة الدولة الناصرية التي تختلف عن كل الحكومات السابقة في علاقتها مع جماعة الإخوان تحتاج إلى عمل حركي مباشر وصدامي راديكالي، خاصة أن نظام يوليو عمد إلى نبذ الجماعة سياسياً وأيدولوجياً، كما أنه يحمل مشروعا بمقدوره صناعة وإحداث مزايحات لأفكارهم وتصوراتهم في السياسة والحكم. ومن ثم، فالسيف والمصحف تلازم وجودهما مع المنهج القطبي بحيث أصبح لكل منهما مجاله.

كان "معالم في الطريق"، إذاً، العمل الختامي لحياة قطب، والذي نصبه القائد الأيديولوجی للإخوان المسلمين. وفي الفترة من 1951 حتى إعدامه عام 1966، كتب سيد قطب ثمانية أعمال في العقيدة الإسلامية، خمسة منها كتبت في السجن. ولم يكن كتابه "معالم في الطريق"، في الواقع، إنتاجاً جديداً بمعنى الكلمة؛ فقد أخذ أربعة من فصوله الثلاثة عشر على الأقل من كتابه "في ظلال القرآن"، وهو تفسير للقرآن في عدة أجزاء كتب في الفترة من 1953 حتى 1964، أي كتب أغلبه في السجن. وعلاوة على ذلك، فإنّ المصطلحات التي استخدمها المؤلف قد استعارها، من مفكرين عدیدین منهم المودودي.

 

 

وثمّة مسافة بينية تفصل بين فكر سيد قطب وحسن البنا، حيث إنّ "فكر حسن البنا لمن يطالعه فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس عامة، وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى، وفكر سيد قطب هو فكر مجانبة ومفاصلة وفكر امتناع عن الآخرين.. والفرق بينهما هو الفرق بين السلم والحرب، حسبما ألمح المفكر المصري طارق البشري في كتابه: "الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي"، والذي يرى أن فكر سيد قطب كان "فكراً لجيش مقاتل وليس فكرا لدعوة مفتوحة". ويتابع: "إنه ليس الفكر اللازم لبناء مجلس نيابي بل هو عينه الفكر اللازم لبناء جيش مقاتل من الرجال. الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي".

وبالعودة إلى الفصل التمهيدي لـ "معالم في الطريق" يمكن الوقوف على مغزى الكتاب وهدفه؛ فيقول قطب: "تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية .. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها (فهذا عرض للمرض وليس هو المرض .. لكن بسبب إفلاسها في عالم القيم التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نمواً سلياً وتترقی ترقياً صحيحاً. وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من "القيم"، بل الذي لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود، بعد ما انتهت الديمقراطية فيه إلى ما يشبه الإفلاس، حيث بدأت تستعير ببطء وتقتبس من أنظمة المعسكر الشرقی وبخاصة في الأنظمة الاقتصادية! تحت اسم الاشتراكية كذلك الحال في المعسكر الشرقي نفسه.. فالنظريات الجماعية وفي مقدمتها الماركسية التي اجتذبت في أول عهدها عدداً كبيراً في الشرق وفي الغرب نفسه- باعتبارها مذهب يحمل طابع العقيدة، قد تراجعت هي الأخرى تراجعا واضحا من ناحية  الفكرة  حتى تكاد تنحصر الآن في الدولة وأنظمتها، التي تبعد بعدا كبيرا عن أصول المذهب.  ولابد من قيادة للبشرية جديدة!. ثم فشلت الانظمة الفردية والأنظمة الجماعية في نهاية المطاف".

 

مفهوم المظلومية يحتل موقعا مركزيا في أدبيات الإخوان، حيث إنه يساهم في تجسير الصلات وتمتين العلاقات بين كوادر وعناصر التنظيم

 

ومن ثم، يعلق البشري على ذلك، فيذكر: "لقد قيل إن سيد قطب فى "معالم فى الطريق" بلغ قمة الرجعية لأنّه حكم على مجتمعنا كله بالجاهلية، ولكن فهم "معالم فى الطريق" فى إطار منطق الدعوة الإسلامية يكشف أن سيد قطب لم يغل فى الرجعية، بل غلا فى المقاومة، لأنّه بذل مجهوده فى إيضاح كيفية إعداد كتيبة الصدام للعودة إلى الإسلام وأبان في "لا إله إلا الله" معنى الانخلاع عن المجتمع الحاضر بكل قيمه ومؤسساته ورموزه، وإذا كانت الجاهلية هي نظام ما قبل الإسلام فإنّ سيد قطب عندما وصم المجتمع الحاضر بالجاهلية يكون في تصوره قد نقل الدعوة ونظام الإسلام المدعو له من الوراء إلى الأمام، من الماضي إلى المستقبل، أي جعل الإسلام مستقبلياً دعوة ونظاماً، ليكن الموقف من عموم الدعوة الإسلامية أو تفصيلاتها ما يكون، ولكن علينا أن نفهم منطقها الداخلي وسياقها وكيفية بنائها لعقلية الداعي إليها وكيفية تحريكها لبواعثه، فسلفية الداعي للإسلام سلفية راجعية مقاومة وهي ذات منظور مستقبلي".

ورغم أن مصطلحي "العبودية" و"الحاكمية"، واللذين فهمهما سيد قطب إلى حد ما، قد نشأ في كتابات المودودی، فإن استعمال قطب لها كمفهومين أساسيين في تحليله للجاهلية وللمجتمعات الإسلامية، أضفي عليها قوة كبيرة أكثر مما فعل المؤلف الباکستانی، وفق صاحب: النبي والفرعون".

ولم تكن "العبودية" و"الحاكمية" مصطلحات قرآنية، وهي نقطة أخذها على المودودی ( وبالتالي على سيد قطب) المرشد العام حسن الهضيبي. وكانت هذه الدعوة، في الواقع، أحد التيمات الدعائية للدولة الناصرية، رغم أن معظم المراقبين المعاصرين لم يهتموا بها أدنى اهتمام، حيث أخذوا بالدعاية التي كانت تروجها الصفوة المحلية من المتحدثين بالفرنسية والانجليزية "للاشتراكية العربية". وبدلا من العلمانية التي تلهف البعض على تطبيقها، حاول نظام عبد الناصر تحديث المؤسسات الرسمية الإسلامية، خاصة الأزهر، في محاولة لتحويلها إلى أكثر أشكال صناعة الرأي العام المتاحة تأثيرا وكان هذا هو "الإسلام المتطور" الذي تصدى له قطب بالنقد اللاذع.

إذاً، مفهوم المظلومية يحتل موقعا مركزيا في أدبيات الإخوان، حيث إنه يساهم في تجسير الصلات وتمتين العلاقات بين كوادر وعناصر التنظيم. فالمحنة تحتاج إلى شرعية دينية أو بالأحرى توظيف مباشر للمقدس والمفارق لإحداث العصمة داخل "الفرقة الناجية" المتخيلة، والتي تحتاج إلى توليد طاقة عنف مقدسة لمواجهة السلطة وقمعها أو صداماتها العنيفة. وفي مذكرات زينب الغزالي: "أيام من حياتي"، تمتزج المحنة دوما بـالبشارة. وترتبط المظلومية بإمكانيات الخلاص. الأمر الذي يحقق نجاة الفئة المظلومة، وتعافيها بعد طول انكسار، بما يكرس حدة البناء الأيديولوجي والتنظيمي الحركي، ويضغط باستمرار على دوافع العنف داخل نفوس عناصر التنظيم، حتى إذا ما لاحت نذر النهاية، أو تراخت قبضة الدولة، فيتحول المظلوم إلى أداة للقتل المقدس.

وتوظف الغزالي، في كتابها "أيام من حياتي"، أوصافها بحمولاتها الدينية المكثفة، عن ظروف وملابسات وتفاصيل الاعتقال، فضلا عن الحوادث التي ترافقه، بغية تحقيق هدفين؛ الأول مرتبط بالموقف من النظام وتكريس العداء الأيدولوجي والخصومة السياسية ضده، والتأكيد على "فساد السلطة السياسية"، والثاني يتصل بتعزيز قوة "الحجة الإسلاموية" . وثمة صلات عضوية بين الأمرين، تتكرر وتتضح من سيد قطب إلى زينب الغزالي، وذلك بخصوص ديناميكية خطاب المظلومية الذي يعمل باعتباره جزءاً من آليات إنتاج خطاب إسلاموي مسيس أكثر من كونه شهادة عن وقائع جرت، مع الوضع في الاعتبار أنّ كتاب الغزالي صدر بعد قرابة اثنتي عشر عاما من انتهاء وقائعه، وبعد ست سنوات تقريبا على الإفراج عنها.

وبالتالي ثمة "ارتباط جوهري بين إنتاج الخطاب الإسلاموي وإنتاج الأزمات وأساليب القمع التي يصفها (كتاب زينب الغزالي) ومن دون أن يقدم نقداً جديا للآلية الحقيقية لعمل السلطة"، وفق ما ذكر تيموثي ميتشل في كتاب: "المثقف والمناضل" في الإسلام المعاصر.

فتقول الغزالي رداً على استجواب المحقق الذي أمسى يسألها عن علاقتها بشخصيات في عدة دول عربية بالسودان والمملكة العربية السعودية وغيرهما: "إنّ لي في كثير من البلاد أصدقاء عرفوني عن طريق الدعوة الإسلامية، فحركتنا في الأرض هي لله سبحانه والله يسوق إلينا من يختار وجهته وطريقه". ثم تشير إلى صلاتها بجماعة الإخوان المسلمين، غير أنها تبرر اعترافها بـ"الإرادة الإلهية" التي وضعتها في سبيل الجماعة ومن ثم استجابت لدعوتهم. وتردف: "إنّ غايتنا أن ننشر دعوة الله وندعو للحكم بشرعه، وإنّي باسم الله أدعوكم أن تتخلوا عن جاهليتكم وتجددوا إسلامكم (...) لعل الله يخرجكم من إقفال الجاهلية إلى نور الإسلام. وبلغوا ذلك الرئيس جمهوريتكم لعله يتوب ويستغفر ويعود للإسلام ويخلع عن نفسه إطار الجاهلية" .

وعنونت الغزالي الفصل الأول من كتابها الذي وصفت فيه عبد الناصر بأنه "فرعون": "عبد الناصر يكرهني شخصياً"، إذ تؤكد أنّ كل ما يجري معها من وقائع وأحداث إنّما هي بمعرفة عبد الناصر، والأخير حسبما تذكر "مصدر كافة الشرور التي تنبعث منه في سلسلة لا تنقطع".

وهنا، تتبدى عملية إنتاج خطاب سياسي إسلامي مؤدلج يعتمد على إحداث مفارقة بين الضحية والجلاد، خاصة وأنّ الأخير يحاول فرض إكراهاته وهندسة جسد اجتماعي منضبط وموصوم بالضعف والانحراف والمرض والجريمة ومنع انتقال عدوى التمرد بصفتها الإسلاموية، بما يضمن قوة السلطة وبقائها وديمومتها. لكن الاستعلاء الإيماني لدى الغزالي مكنها من مقاومة الخضوع لنطاق السلطة وتوحشها، وقد عمدت إلى عقد مقارنة بين أنماط من التعذيب بهدف الحصول على الاعتراف الذي يمنح العقوبة شرعيتها، لكن ممانعتها بالإيمان هي التي تمنحها الثبات في كل مرة. فتذكر أنها قضت "ليال في زنزانتها، يتم اقتيادها مجددا إلى التحقيق وتوجه إليها تهمة الانتماء إلى تنظيم سري والاشتراك في مؤامرة تهدف إلى اغتيال الرئيس عبد الناصر"، فتنكر التهمة. عندئذ يستدعي عدد من الإخوان المسلمين ويتم ضربهم بالسياط. ويحذرها المحققون بأنها سوف تموت إذا أصرت على رفض التعاون معهم، ولكنها تجيبهم بأنها لا تخشى عذاب الموت. فكل صفحة في الكتاب كتبت بما يؤكد على قوة الإرادة التي تمنحها القناعة الدينية.

وحين توجه إليها في جلسة أخرى تهمة التآمر على اغتيال عبدالناصر والاستيلاء على السلطة، تجيب: "يا أستاذ! القضية أكبر من قتل عبدالناصر والاستيلاء على الحكم. قتل عبد الناصر أمر تافه لا يشغل المسلمين. القضية قضية الإسلام. الإسلام غير قائم (...) ونعمل على تربية نشء للإسلام". فيرد عليها المحقق: "أنت مجنونة! هذا الكلام خطير؛ ألا تعلمين أنك لو قتلت هنا الآن ودفنت ما علم بك أحد (...)؟" فتجيب: "يفعل الله ما يشاء ويختار". ويأمر بأن جلد "خمسمائة جلدة".

واللافت أنّ زينب الغزالي تعمد في شهادتها إلى ذكر معرفة الرئيس جمال عبد الناصر بها، باعتباره قمة هذه السلطة، بل ومتابعة الرئيس التحقيقات معها وإشرافه المباشر على التعذيب بحقها. بينما تصر (زينب الغزالي) أن تدمج على نحو غامض وخفي ثنائية المعرفة/السلطة بتعبير الفيلسوف الفرنسي، ميشيل فوكو، في خطابها عن التعذيب الذي يأتي بعد كل جلسة تحقيق واستجواب، وممانعتها السقوط في فخ خطاب السلطة أو الاستجابة لإغراءاته، ومقاومتها النهائية لمحاولات المحققين معها لإضعاف حجتها أو تثبيط فعالية رهاناتها.

وبالتالي، يشكل خطاب الغزالي محاولة لرصد فعالية الإيمان الديني الذي يكافح أمام تقنيات وأنماط ممارسة تنظيم السلطة التي تهدف إلى ضمان طواعية الأفراد المتمردين وخلق ذوت ضعيفة لينة، تنبذ المقاومة، وتقوم على الطاعة والخضوع، وذلك بواسطة إلحاق الألم بالجسد وتعذيبه، وتشكيل إكراهات مادية ومعنوية عليه، كالاعتراف والاستجواب.

 

كريم شفيق

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

كريم شفيق صحفي وباحث متخصص في قضايا الإسلام السياسي وشؤون الأقليات في الشرق الأوسط.

 

 

اقرأ/ي أيضًا من موقع قنطرة للحوار مع العالم الإسلامي:

كتاب "مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة"

"الدولة الإسلامية" كانت نتاج الضرورات التاريخية وليس النصوص العقدية

"سلطوية تحالف مشؤوم بين رجال الدين والدولة"

ملف خاص من موقع قنطرة حول التاريخ الاسلامي

محمد أركون: الوعي التاريخي مفقود في ثقافتنا العربية المعاصرة

الدولة في الإسلام...الخلافة ليست جزءاً من عقائد التوحيد

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة