الإخوان المسلمون ومستقبل الإسلام السياسي في مصر

إخوان مصر… هل بدأت نهاية الجماعة؟

بعد 3 سنوات من إقصاء الإخوان المسلمين من الحياة السياسية وبدء حملة قمعية ضدهم، لا تزال الجماعة في حاجة إلى إعادة هيكلة وبدء مراجعة شاملة لمواقفها، وإعادة الرشد إلى شبابها، الذين ضلو الطريق واتخذوا العنف سبيلاً. الباحث والصحافي مصطفى هاشم يستطلع لموقع قنطرة مستقبل جماعة الإخوان المسلمين وخياراتها السياسية.

يبدو أن جماعة الإخوان في طريقها للتفكك أو أنها في بداية النهاية بعد انقسامها لثلاث جبهات داخلية على الأقل حتى الآن، في أشد هزة داخلية على مر تاريخها، وذلك بعد زلزال 3 يوليو 2013.

,يسيطر على جماعة الإخوان المسلمين في مصر حاليا فصيلان، كل منهما له مكتب إداري وقنواته الإعلامية الخاصة، ويسعى كل طرف في مساره غير معترف بالفصيل الآخر. وأدى استمرار تناحر الفصيلين على إدارة الجماعة إلى ظهور فصيل أو قطاع ثالث ناقم وكافر بالفصيلين يرى أنهما يتصارعان على السلطة والسيطرة على تمويل الجماعة وهذا الفصيل بدأ يتجه إلى العنف وتكوين نفسه بشكل يشابه التنظيمات الجهادية في السرية والتكوين.

بدأ الخلاف مبكرا بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي عن الحكم في 3 يوليو 2013 من قبل الجيش بعد مظاهرات حاشدة، إذ طالب عدد من شباب الإخوان بمحاسبة القيادات، التي كانت سببا في الوصول إلى الأزمة، وأخذ الشباب دورا فعليا في قيادة الداخل على الأرض من خلال التظاهرات، لا سيما بعد اعتقال معظم قيادات الصف الأول والثاني والثالث، وهروب آخرين إلى خارج مصر بعد مطاردة النظام للجماعة التي تم تصنيفها بأنها "إرهابية".

توالت المبادرات الشبابية عقب عزل مرسي، إذ أسس مجموعات من شباب الإخوان حركات منفصلة تنظيميا عن الجماعة بشكل أو بآخر، مثل –على سبيل المثال لا الحصر- حركة "شباب ضد الانقلاب"، إلا أن قيادات الجماعة بدأت في النزاع لمحاولة السيطرة على الحركات الجديدة، لأنهم لم يعتادوا على مثل هذا التمرد.

وعندما تم اعتقال معظم مسئولي المكاتب والتنفيذيين في هذه الحركات تمت السيطرة عليها من قبل قيادات الجماعة فعلا، وعندما خرج بعض هؤلاء الشباب من السجون، تمت دعوتهم لاجتماعات هذه الحركات لكنهم رفضوا لأنها لم تعد تمثلهم.

وفي ظل ضغط الشباب المطالب باتخاذ مواقع تنفيذية، إثر فشل القيادات القديمة في الحكم والتكيّف مع أزمة عزل مرسي، وحملة التضييق الأمنية والاعتقالات، تم إجراء انتخابات داخلية بداية عام 2014، أفرزت عما سميت بـ"لجنة إدارة الأزمة"، مهمتها قيادة الداخل، وكان معظمها من الشباب، الذي اضطلع بدور أكثر فعالية.

وارتفعت الدعوة إلى تحرّك ثوري ضد الرئيس السيسي، وتزامنت معها زيادة العمليات النوعية ضد قوات الشرطة، إلا أن القيادات القديمة كانوا يودون الحد من نفوذ المجموعات الشبابية الجديدة، ورأوا أن الاتجاه للعنف قد يودي بمستقبل الجماعة، ما نتج عنه اتهامات متبادلة بمحاولة "الانقلاب" على القيادة المنتخبة، وبدأ ظهور فريقين رئيسيين، هما ما سمي بـ"الحرس القديم" أو تيار الشيوخ، بقيادة إبراهيم منير، أمين التنظيم الدولي، ومحمود حسين، الأمين العام للجماعة، ومحمود عزت، القائم بأعمال المرشد بالجماعة.

أما الفريق الثاني فيقوده كل من محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد، ومحمد منتصر المُتحدث الرسمي للجماعة، وكل منهما يسعى للسيطرة على الجماعة، متخذا إجراءات ضد الفريق الآخر تمثلت في تحويله للتحقيق.

لكن في 10 مايو الماضي أعلن محمد كمال، أحد رموز جبهة القيادة الشبابية بجماعة الإخوان المسلمين استقالته من كافة مواقعه داخل الجماعة، كعضو لمكتب الإرشاد وعضو باللجنة الإدارية العليا التي تتصارع مع جبهة القائم بأعمال المرشد محمود عزت على إدارة الجماعة، تاركا قيادة جبهته للأمين العام للجنة الإدارية العليا.

ويقول الطرف الأول إنه يخشى من أن تنزلق الجماعة إلى العنف في ظل تصاعد العمليات النوعية، داعيا إلى السلمية، إلا أن الفريق الثاني يطالب القيادات القديمة بالتنحي والتمسك بالهياكل التى أفرزتها الانتخابات.

وبميزان القوى، تمتلك جبهة محمود عزت مصادر التمويل، والعلاقات الدولية، ووجود أفراد ذو ثقل وتاريخ داخل الجماعة، كما يمتلك جزءاً من التوجيه الإعلامي، أما جبهة "القيادة الشبابية"، فتمتلك جزءا أيضا من الإعلام، وعددا لا بأس به من مكاتب الإخوان الإدارية صاحبة القوة والتأثير العددي، كما أن معظم الشباب يميلون لهم.

واتخذت الخصومة ما بين الطرفين الرئيسيين، مظاهر عدة من بينها تجاهل قيادات الجماعة صرف الإعانات المالية للشباب الهارب من قمع النظام المصري إلى تركيا، والذي أيد بشكل علني التيار المطالب بإصلاح الجماعة وتغيير القيادات، بالرغم من عدم وجود مصدر للرزق لبعضهم، في الوقت الذي يرى فيه هؤلاء أن أموال الرعاية تذهب للقيادات التي تنال الرضا ويعيشون في كنف السمع والطاعة، رغم أن بعضهم يمتلك مصدرا للرزق، وفي نفس الوقت الذي رأوا فيه أيضا، تدشين الجماعة، قناة جديدة تحت اسم "وطن" بدلا من قناة "مصر الآن"، تصرف شهريا ما يزيد عن 200 ألف دولار، كرواتب موظفين فقط، دون النظر لسعر حجز التردد واستقطاب كوادر جديدة، فكل هذه الأمور، فضلا عن الخلافات الحادة، جعلت الكثير من شباب الجماعة يشعر باليأس والإحباط.

لكن يبقى خطاب الجبهتين رافضا لفكرة المصالحة مع نظام السيسي، ويقول أحد قيادات الجماعة في مصر إن الصراع من أجل السلطة وهو ما بات يفهمه الكثير من القواعد وهو ما انعكس على أداء الشباب الذين باتو لا يخرجون في المظاهرات وابتعدوا عن الحراك في الشارع.

ويقول أحد أعضاء الجماعة في مصر لـموقع "قنطرة" إن هناك قطاع كبير خرج بشكل كامل وابتعد عن الجماعة وهذا القطاع انقسم إلى 5 أقسام، الأول قسم كفر بالفصيلين المتنازعين على إدارة الجماعة وبدأ في تشكيل مجموعات جهادية تتخذ العنف سبيلا لمواجهة النظام وبضم هذا القسم أشخاصا لم يكونوا يوما أعضاء في جماعة الإخوان، وقسم خرج من مصر واتخذ الخط الجهادي، وقسم بدأ يأخذ بالآليات المدنية وبدأ في إزالة الحواجز مع اليسار والمدنيين ويجري أنشطة معهم خاصة في ظل تزايد قواعد المعارضة ضد نظام السيسي، وقسم انعزل تحت مسمى اعتزال الفتنة، والقسم الأخير يحاول أن يضع لنفسه إطارا جديدا لكن ليس له تنظيم ولا رمز يجمعه حتى الآن.

ضرورة مراجعة شاملة لمواقف الجماعة

ويقول أحد أعضاء الجماعة من داخل مصر إن السبب الرئيسي للانقسام وخروج الشباب من التنظيم هو التخلف التنظيمي لدى الإخوان وعدم مسايرة التطور السريع والمتلاحق خلال فترة ما بعد الثورة وخاصة بعد عزل مرسي وتشبث البعض بمناصبه.

ويضيف أن الإطار في مصر قائم على رؤية مركزية معقدة سهلة الاختراق والإسقاط والتفتيت بخلاف تجارب أخرى مثل حماس وحزب الله التي تقوم على الإدارة بالمؤسسات البعيدة عن التنظيم ولكنها ملتزمة بالخط الفكري.

بعد 3 سنوات من إقصاء الإخوان من الحياة السياسية وبدء حملة قمعية ضدهم، لا يزال الإخوان في حاجة إلى إعادة هيكلة الجماعة والتوحد وبدء مراجعة شاملة لمواقف الجماعة، وإعادة الرشد إلى شبابها الذين ضلو الطريق واتخذوا العنف سبيلا، وإلا قد يكونوا هؤلاء وقودا ضدها في يوم من الأيام، وإن لم تفعل فهي ماضية في طريق سيرها نحو مزيد من الضعف.

أما حالة الانتقام المستمرة ما بين الدولة والجماعة فهي ليست في صالح أي طرف، بل إن الوضع الحالي يؤدي لمزيد من التطرف والتسرع نحو الهاوية.

 

 

مصطفى هاشم

حقوق النشر: موقع قنطرة 2016

مصطفى هاشم صحفي وباحث متخصص في شئون الحركات الشبابية والجهادية والإسلام السياسي نشر مقالات ودراسات تحليلية في مركز كارنيجي للسلام الدولي والمركز الأطلسي.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.