بين الهجوم العدائي على الأزهر وبين الدفاع العاطفي المستميت عنه

ربط الإرهاب بالإسلام مبني على ربط الإرهاب بالمسلمين الممارسين له كداعش وإخوانها، خاصة وأنها تستشهد بنصوص الإسلام وبتجربة المسلمين التاريخية، ولن يحل القضية نفي علاقة ما تفعله داعش بالإسلام، طالما أن قضية التداخل بين الإسلام كنصوص وبين المسلمين كمطبقين لها حسب أفهامهم لم تحل، وطالما أن الأزهر لا يؤسس في مناهجه ربط قراءة النص بمبادئ علم الاجتماع الإنساني، التي تربط قراءة النص التسامحية أو العدوانية بالظرف التاريخي، مما يحيل قضية الإرهاب إلى الإنسان أولا، لا إلى النص مباشرة، أي إلى بناء الإنسان معرفيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، وهذا ليس دور الأزهر وحده، بل واجب الدولة كافة.

عقب الهجومين الإرهابيين اللذين وقعا في طنطا والإسكندرية، توجه شيخ الأزهر، في كلمة نقلها التلفزيون المصري مساء الأحد (التاسع أبريل/ نيسان 2017) إلى جموع المصرين قال فيها إن "الإرهاب الأسود لم يفرِّق بين مسيحي ومسلمٍ، ولكنه يستهدف أمن مصر واستقرارها ولن يفلح في ذلك".
عقب الهجومين الإرهابيين اللذين وقعا في طنطا والإسكندرية، توجه شيخ الأزهر، في كلمة نقلها التلفزيون المصري مساء الأحد (التاسع أبريل/ نيسان 2017) إلى جموع المصرين قال فيها إن "الإرهاب الأسود لم يفرِّق بين مسيحي ومسلمٍ، ولكنه يستهدف أمن مصر واستقرارها ولن يفلح في ذلك".


في تأسيس القراءة التاريخية للأفكار والتجارب حل للتجاذبات حول الأزهر ودوره التاريخي، فنعم للأزهر دور ساطع في حفظ علوم الدين عبر العصور، وكذلك حفظ اللغة العربية خاصة زمن الاستعمار، ولكن هذا الفخر المستحق لا يجب أن ينسنا أنه لم يكن هناك نظام تعليمي آخر غير الأزهر حتى نقارنه به، وبمجرد إدخال محمد علي نظام التعليم المدني في مصر أصبح هناك مساران متوازيان للتعليم في مصر، اتصف الأزهري منهما دائما وحتى الآن وعلى لسان المستنيرين من أبنائه بالرجعية والانغلاق، وقراءة سريعة لتاريخ محمد عبده تثبت ذلك، فكم مرة سب المناهج ورجعيتها، وهذا النقد لرجعية المناهج يمارسه أزهريون كثيرون داخل الأزهر نفسه، فلم ينكرونه على غيرهم.

أجريت بنفسي استفتاء بين طلاب فرقتين في أكثر كلية توصف بالانفتاح في الأزهر حول ثلاثية التخيير بين الإسلام والجزية والقتال، وسألت الطلاب: ماذا لو أصبحت مصر غدا في قوة أمريكا عددا وعدة؟ قالوا بأغلبية ساحقة إنه علينا القيام بالدعوة ونشر الإسلام، فسألت: وماذا لو رفض الآخر اعتناق الإسلام؟ فقالوا علينا إذاً أن نفرض عليه الجزية، فإن رفض قاتلناه. فما الفارق إذاً بين عقلية هؤلاء الطلاب وبين الفكر الداعشي، وهل الفارق في الدرجة فقط، بحيث تصبح داعش تمثيلا صريحا لما هو مخفي في البنية العميقة لغالبية المسلمين، ، فإن كان كذلك فالأمر جد خطير، ولا يحله دفن الرؤوس في الرمال.

عاصم حفني مدرس الحضارة الألمانية بجامعة الأزهر وأستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورج الألمانية.
عاصم حفني مدرس الحضارة الألمانية بجامعة الأزهر وأستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورج الألمانية.

يحتاج الأمر إلى التفريق بين وجوب الدفاع عن مؤسسة نحبها، ونجل قدرها، ونعترف بفضلها، وبين الإقرار بمرض سببته ردة حضارية عمت مصر كلها، والأزهر جزء منها، فلن يضير الأزهر أن يعترف بتقهقره المعرفي تبعا لتقهقر مصر ماديا ومعرفيا، لن يضيره أن يقر بالمرض ذاكرا أسبابه، فإذا كان الأزهر مريضا، فأين هذه المؤسسة التعليمية المصرية الصحيحة؟ الكل في الهم سواء، والفارق ربما يكون في درجة السوء، لا في نوعه.

لا أرى فرقا بين الهجوم العدائي على الأزهر وبين الدفاع العاطفي المستميت عنه، فكلاهما تحكمه العاطفة لا العقل، وربما الرجاء في الأجر لا الرغبة في الحل، وعلى المسلمين أن يعوا أنهم مسؤولون عن صورة الإسلام، وأن ربط الإرهاب بالإسلام أو نفيه عنه متوقف فقط على سلوكهم ومكانتهم الحضارية وإسهامهم المعرفي.

وعلى الأزهر أن يعي أن الإرهاب فعلا مرتبط بتردي ثقافي ومادي واجتماعي وسياسي وغياب للحرية والعدالة الاجتماعية، ولكن جزءا منه مرتبط بفهم النص ومناهج تفسيره وطرق تدريسه، وإن كان الأزهر ليس مسئولا عن الجانب الأول، فهو المسئول الأول عن الجانب الثاني.

 

 

عاصم حفني

حقوق النشر: قنطرة 2017

عاصم حفني مدرس الحضارة الألمانية بجامعة الأزهر وأستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورج الألمانية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.