Jalal al-e Ahmad (photo: IRDC.ir)
ترجم جلال الأحمد (1923-1969) بعض هؤلاء الكتّاب الغربيين إلى الفارسية. ونشر الأحمد عام 2691 مقالة بعنوان Gharbzadegi، الذي يعني المهووس بالغرب، أو الذي أدار الغرب رأسه بالمفهوم الحرفي للعبارة. فكتب بهذا المعنى: «أقول إنّ المهووس بالغرب هو كالذي اجتاحته الكوليرا، أو الذي لفحته الشمس أو أثلجه الصقيع، أو لم يثلجه. بل هو على الأقل كمن هاجمه البقّ. فهل رأيتم كيف تفسد الآفات القمح؟ إنها تفسدها من الداخل! فتنتصب سنابل القمح سليمة من الخارج، لكنها تكون مجوفة من الداخل مثل غشاء الفراشة الذي يبقى عالقاً في الشجرة. ونحن نتحدث هنا عن داء عضال على أية حال».

استيعاب نقد ثقافة الغرب

ولم يقتصر السؤال المبدئي عن الاهتداء بالغرب ونظام حكمه أو الاعتماد على النظام الذاتي على رجال الدين في عقد الستينيات. بل كانت قضية التعامل مع الغرب وأفكاره وثقافته وتأثيرات ذلك كله على إيران يشكّل موضوعاً أساسياً للمثقفين العلمانيين. وكان المثقفون العلمانيون في تلك السنوات متأثرين بالغرب، لكنهم كانوا يقفون منه موقفاً نقدياً أيضاً. وقد فقدت أفكار الليبرالية والاشتراكية جاذبيتها بعد أحداث هيروشيما وفيتنام والجزائر والحرب الباردة والتوسع السوفيتي. وأيّد العديد من المفكرين الإيرانيين النقد الذي كان يوجهه مثقفون في الغرب مثل ألبير كامو وإيريش فروم وهربرت ماركوزه وجان بول سارتر لهذه الأفكار.

وينطبق هذا الأمر على جلال الأحمد (1923-1969) الذي ترجم بعض هؤلاء الكتّاب الغربيين إلى الفارسية. ونشر الأحمد عام 2691 مقالة بعنوان Gharbzadegi ، الذي يعني المهووس بالغرب، أو الذي أدار الغرب رأسه بالمفهوم الحرفي للعبارة. فكتب بهذا المعنى: «أقول إنّ المهووس بالغرب هو كالذي اجتاحته الكوليرا، أو الذي لفحته الشمس أو أثلجه الصقيع، أو لم يثلجه. بل هو على الأقل كمن هاجمه البقّ. فهل رأيتم كيف تفسد الآفات القمح؟ إنها تفسدها من الداخل! فتنتصب سنابل القمح سليمة من الخارج، لكنها تكون مجوفة من الداخل مثل غشاء الفراشة الذي يبقى عالقاً في الشجرة. ونحن نتحدث هنا عن داء عضال على أية حال».

وإذا كان هناك نصّ مؤثرّ حقاً في التاريخ الإيراني الحديث فهو هذا النص، مثلما تقول الدراسات الإيرانية. فكان نصّ «صديق الغرب»  (Gharbzadegi)يعتبر الكتاب المقدس ﻷجيال عديدة، وعماد النقد الاجتماعي الإيراني الموجه للخطاب الغربي طيلة عقدين من الزمن، بل يمثل جوهر هذا النقد. وكانت فرضيات الأحمدي ملزمة لجميع المثقفين، وربما لم يكن هناك أحد يشكك عشية الثورة في تحليل الأحمد للمجتمع الإيراني.

وكان الأحمد يزعم بأنّ مرض إيران يكمن في التبني الآلي لآساليب الغرب وأفكاره. لكن الأحمد لم يهاجم الديمقراطية مباشرة في الواقع، إنما اكتشف الإسلام بصفته المكوّن الأصيل والوحيد للثقافة الإيرانية. وشرح الأحمد لجمهور علماني مصاب بالدهشة السلطةَ الكامنةَ في الدين وقوته، واعتبر الفقه جزءاً أساسياً من الهوية الأصيلة، وقال: إن رجال الدين هم وحدهم القادرون على التصدي للتأثير السلبي الذي يمارسه الغرب وإن الإسلام هو الذي حال دون أن يجعل الغرب من إيران دولة نصرانية فيستعمرها ويستغلها. وبهذا حوّل الأحمد، وهو المثقف العلماني المهم، الإسلامَ إلى موضوع في الستينيات، ومهّد بذلك الطريقَ لكبار منتقدي الديمقراطية وأبعدهم أثراً في عقد السبعينات.

التقدم عبر الثورة

ثم جاء علي شريعتي (1933-1977) ليترك أثراً بالغاً على الجيل الذي صنع الثورة فيما بعد، ويزيح عنه التأثير الغربي بأسلوب بالغ في الاعتداد. فاتخذ في أحد نصوصه ومقالة طباطبائي التي تعرضنا لها إضافة إلى محاضرة آية الله الخميني حول الحكومة الإسلامية والتي نالت شهرة واسعة فيما بعد، المنحى ذاته في انتقاد الغرب بشكل عام؛ فوقفوا بذلك ضد الديمقراطية وإلى جانب الحكومة الإسلامية بدلاً منها. وﻻ نوّد هنا التطرّق إلى سذاجة هؤلاء المؤلفين الثلاثة ورؤيتهم غير النقدية للحكومة التي وصفوها بالإسلامية وتعريفهم الخاطئ للديمقراطية الغربية. بل نريد التأكيد فقط على أنّ هؤﻻء المفكرين الثلاثة هاجموا الديمقراطية بضرارة وامتدحوا القائد الحكيم بأسلوب جعل تحوّل جيل كامل من الطلاب إلى الفكر الإسلامي أمراً لا مناص منه عملياً. فتأثر الطلبة اجتماعياً بهؤلاء المفكرين، وبعدما كتب علي شريعتي بأنّ الغرب يدعي في الواقع بأنّ الديمقراطية هي شكل الحكم الذي يحترم حقوق الإنسان أكثر من غيره، لكن الغرب يريد الاحتفاظ بحقوق الإنسان لنفسه فقط، تبعه مئات الآلاف من الشباب. فكتب شريعتي يقول: «نحن ندين للحكومات المنتخبة ديمقراطياً والتي تؤمن بالليبرالية بجريرة الاستعمار والإبادة الجماعية للشعوب وتدمير ثقافاتها وتبديد ثرواتها وتحطيم تاريخها وحضاراتها. فهذه الجرائم لم ترتكب من قبل القساوسة ومحاكم التفتيش والقياصرة، إنما ارتكبت باسم الديمقراطية والليبرالية الغربية».

وليس تصرّف الديمقراطيين وحده هو الذي حمل شريعتي على الوقوف ضد الديمقراطية، بل السؤال الذي طرحته عما إذا كانت الديمقراطية تمثل بالضرورة مصالح الجماهير الواسعة في كل مكان وفي كلّ مجتمع وزمان. وكانت اعتراضات شريعتي على الديمقراطية موجهةً للديمقراطية باعتبارها شكلاً للحكم في إيران بالدرجة الأولى. فلا يستطيع أحد أن يحقق بالديمقراطية ما اعتبره شريعتي مهماً للغاية ألا وهو التقدم. فهو كان يسعى للتغيير الثوري، بيد أنه كان يعتبر من غير المعقول أن ينتخب الشعب الإيراني حكومة تحقق هذا الهدف، حكومة وصفها شريعتي بالقيادة الإمامية، بل إنّه اعتبر حتى سياستها الشمولية معقولة، وإلا فلن تتاح لها فرصة مناسبة لاقتحام تلك القلعة التي تتحصن خلفها القوى العنيدة.

والمفكّر الآخر الذي نجح في تحويل ثورة 78/1979 إلى حكم الرجل الواحد، على النقيض من الديمقراطية، فكان بلا شكّ آية الله الخميني (1902-1989) الذي كان يوجه نقده إلى حكومة الشاه في الستينيات بسبب هيمنة للدولة المتنامية على القضايا التشريعية قبل كلّ شيء، وإلى العلمنة بشكل عام والتي تؤدي بالتالي إلى إضعاف المؤسسات الإسلامية واستبداد الدولة وزيادة النفوذ الأمريكي على السياسة. وقد ألقى الخميني الذي أبعد إلى المنفى بمدينة النجف سلسلة من المحاضرات في شتاء 1791، نشرت تحت عنوان «الحكومة الإسلامية»، وكانت تتضمن الأفكار الرئيسية للخميني حول التعاليم الإسلام والدولة الإسلامية وضرورة إقامة هذه الدولة التي كان يصبو إليها.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.