Abdolkarim Soroush (photo: ISNA)
يضع عبد الكريم سروش (المولود عام 1945) مقولة الخميني بضرورة تطبيق الشريعة موضع المراجعة. ومن المهم بالنسبة له أنّ تكون روح الحكومة روحاً إسلامية، على العكس من الخميني. وحجته في ذلك تقوم على أن المجتمع الذي يطبق الشريعة هو ليس بالمجتمع المتدين، بل إنّ المجتمع المتدين هو من يؤمن بالدين طواعيةً. فتطبيق أحكام الشريعة بحدّ ذاته: «لن يخلق مجتمعاً متديناً، إنما المجتمع المتدين حقاً هو من يعيش وفقاً للشريعة الإسلامية ». ومن المهم من وجهة نظر سروش هو أنّ السلوك الديني يجب أن يكون نابعاً من الورع، وهذا الورع ﻻ يقبل الفرض والإقحام.

وقد غلب الطابع الكفاحي المعادي للإمبريالية  على أجزاء واسعة من هذه المحاضرات التي تتلخص بأن الهوية الإيرانية الحقيقية هي الهوية الإسلامية، ولذا فإن العودة إلى الإسلام هي وحدها التي ستنقذ البلد من الزوال. ولهذا هاجم الخميني رجال الدين المبتعدين عن السياسة. وكان يقول إنّ المعاهد الدينية تدرّس الإسلام المزيف، أي الإسلام غير السياسي، وإن رجال الدين اتخذوا موقفاً استعمارياً، فصاروا هم أنفسهم يؤمنون بما أملاه عليهم المستغِلون والمستكبرون والمستعمرون، وهو الفصل بين الإسلام والدولة والسياسة. واعترض الخميني على الرأي المطالب بالديمقراطية، مدعياً بأنّ هناك إجماعاً بين رجال الدين، ومنذ قرون عديدة، قائم على أن رجال الدين يجب أن يتولوا واجبات النبيّ والأئمة. وبرهن على ذلك بالقول: أولاً: إن من الثابت تاريخياً بأنّ النبي نفسه قد أقام دولة. وثانياً: إن النبي عيّن حاكماً يخلفه بعد وفاته وذلك تنفيذاً وانصياعاً ﻷمر الله. وإذا ما عينّ الله جلّ جلاله حاكماً بعد النبي فإن هذا يعني بأنّ الدولة ضرورية حتى بعد وفاة النبي. وﻷن النبي أوصى بإطاعة أمر الله، فإنه قد أوضح بذلك ضرورة إقامة الدولة.

والدليل الآخر الذي أورده الخميني هو حقيقة أن الله أنزل عن طريق الوحي شريعةً سماوية، تتضمن قانوناً للعقوبات على سبيل المثال، فلابد في هذه الحالة من تطبيق هذا القانون. بيد أنّ الخميني تجاهل هنا، ولكن عن قصد، بأن تطبيق قانون العقوبات موقوف على الإمام الثاني عشر الغائب وحده، وذلك حسب رأي الأغلبية في المذهب الشيعي. ولهذا فإن العمل بهذا القانون متوقف في زمن الغيبة من وجهة نظر الفقه الشيعي؛ والخميني يدعي أمراً بثقة لا تسمح بأدنى اعتراض.

»لا يجوز القول إن ليس من الضروري جباية الضرائب ودفع الجزية والخمس والزكاة والعمل بالشريعة والقصاص وإحقاق الحقّ«.

والأهم من هذه الحجج المثيرة للخلاف هو أن الخميني عرض نفسه على نحو مثاليّ ﻹشغال هذه الوظيفة التي وصفها شريعتي في نصوصه. وكل من سمع أو قرأ أقوال شريعتي عن الإمام القائد سيفكّر في الخميني، رجل الدين الثائر الذي كان يحرض من العراق ضد الشاه في فترة السبعينيات. وقد جلب شريعتي للخميني عدداً ضخماً من الأنصار، ربما أكثر بكثير مما كانت ستعبئه كتابات الخميني عن الدولة الإسلامية التي لم يعرفها أحد ولم يفهمها أو يحملها آنذاك محمل الجدّ. أمّا شريعتي فكان على العكس من ذلك، مطلعاً على أوضاع العالم، وقد كتب أطروحة الدكتوراة في علم الاجتماع بباريس.  وكان خطيباً بليغاً يأسر قلوب سامعيه ويتمتع بحضور قويّ وكان قارئاً متعلماً وجميل المظهر أيضاً. وكان الآلاف يتابعون ما تتفوه به شفتاه في حسينية الشهيد بطهران خلال السبعينات.

ولم يفضل شريعتي قطّ مبدأ وﻻية الفقيه التي وصفها الخميني، بل إنه لم يتناول هذه الفكرة أصلاً. وﻻ يمكن القول هنا فيما إذا كان شريعتي قد اطلع على محاضرة الخميني حول هذا الأمر. ثمّ إنّ شريعتي لم يعتبر بالتأكيد رجل الدين مثالاً للقائد، ﻷن شريعتي كان يقف موقفاً نقدياً من رجال الدين كلهم. وبغض النظر عن ذلك فإن مشروع الديمقراطية لم يترجم إلى السياق الإيراني عملياً أو نظرياً، بل نجحت في إيران السبعينيات ما قبل الثورة الفكرة المنافسة للديمقراطية، وهي فكرة دولة الفلاسفة إذا جاز لنا أن نصفها هكذا؛ فكانت النتيجة هي استباب نظام وﻻية الفقيه بعد عام 1979و حكم المرجع الديني.

إيران اليوم

منذ ثورة 78/1979 وإيران تطلق على نفسها اسم «جمهورية إيران الإسلامية». وفي الواقع أن تركيبة الدولة الإيرانية الفريدة من نوعها في جميع أرجاء العالم تشتمل على عناصر جمهورية، حتى وإن تعرضت للتهميش الثيوقراطي المنظم. وقد احتج الخميني نفسه عشية الاستفتاء على مصطلح «الجمهورية الإسلامية الديمقراطية»، وأوضح بأنّ الاّمة تريد دولة إسلامية، وليس مجرد دولة ولا حتى دولة ديمقراطية أو جمهورية إسلامية ديمقراطية. ويجب أن ﻻ يُستخدم مصطلح الديمقراطية، ﻷنه تعبير غربيّ. لكن الخميني تجاهل، وهنا أيضاً، بأن مصطلح الجمهورية هو تعبير غربيّ كذلك. ومع أنّ إيران لم تصبح دولة ديمقراطية منذ أن أعلن الخميني رفضه للديمقراطية عام 1979 إلا أن النقاش حول هذه القضية شهد نقلة نوعية كبيرة في السنوات الأخيرة. ويقف محمّد مجتهد شبستري (ولد عام 1936) مثالاً على هذا التحوّل، وهو أحدّ أهم مفكّريّ إيران اليوم. وقد وقع هو نفسه تحت تأثير شريعتي وطباطبائي والخميني، لكنه تحرر من آرائهم فيما بعد. وقدم شبستري مرافعة صريحة دفاعاً عن الديمقراطية التي يفضلها ﻷسباب عديدة: ﻷنها ﻻ تتعارض مع إرادة الخالق، مثلما ادعى الخميني. وكانت الحجة الأساسية التي قدمها تقوم على أن الديمقراطية تحقق ما طلبه الإمام عليّ نفسه، وهو أوّل أئمة الشيعة، من وليّ أمره لكي يشكلّ الحكومة المثالية.

وقد عيّن عليّ، وهو ابن عمّ النبي محمّد وزوج ابنته، مالك الأشتر والياً على مصر وكتب له وصية. وفي الواقع أنّ المتخصصين في العلوم الإسلامية في الغرب يشككون في صحّة هذه الوثيقة، غير أن هذا الشكّ لن يؤّثر في مدى أهمية فحواها. إذ أنّ قضية تشكيل الحكومة تمثل موقفاً مركزياً ثابتاً في فلسفة الدولة الشيعية. وشرح عليّ لمن ولّاه الأمرَ طريقةَ الحكم ﻹرضاء الله؛ ولهذا فإنّ التكليف بالحكم يشكل معياراً للحكم الرشيد good governance لدى الشيعة. وﻷن معظم الشيعة ينظرون إلى التكليف بالحكم نظرة معيارية فإنّ شبستري يعزف من خلال حجته هذه النغمة المألوفة نفسها. ويعطي فحوى التكليف بالحكم الحقّ لحجة شبستري القائمة على أنّ السلطة يجب أن تكون عادلة بالدرجة الأولى.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.