ولا تتضمن هذه الوثيقة تعليمات تفصيلية أو ملموسة تؤكّد ما ذهب إليه الخميني حول ضرورة العمل بالشريعة المذكورة بالقرآن. وقد شدد شبستري على ذلك أيضاً، وهذا أمر في غاية الأهمية، ﻷن الشيعة يعتبرون عليّاً أهمّ مفسّر للقرآن بلا منازع. وإذا كان عليّ ، وهو أولّ إمام للشيعة، لم يوصِ والي مصر بإقامة الحدود، فإنه لم يفسّر القرآن في هذه الحالة وكأن القرآن يطالب بإقامة الحدود، بل أوصى مالك بدلاً من ذلك: «يا مالك أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده. ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حرباً حتى ينزع أو يتوب. وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإنّ الله سميعٌ دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد ».

وكتب شبستري يقول إنّ الديمقراطية تلبي من ناحية تجريبية شكّل الحكم الذي يقفّ بقوة في وجهة الاضطهاد والطغيان، وهذا هو العامل الجوهري للحكومة الفاضلة التي أقرها الإمام عليّ. ومن الضروري تماماً  بالنسبة لشبستري الذي ينخرط هنا تقليدياً في صف أتباع  الحركة المشروطية الدستورية في السنوات الواقعة بين 1906 و 1911 القائلين بأن الديمقراطية تحظر الطغيان، باعتبارها شكلاً للحكم، وتقيم العدالة.

وينظر عبد الكريم سروش (المولود عام 1945)، والذي يعد بلا شكّ أهمّ مثقف في إيران، إلى هذا الأمر بالطريقة نفسها. وقد تنصل سروش الذي كان يخضع للتأثير الاجتماعي ذاته الذي خضع إليه شبستري، تنصل من النزعة الإسلامية، وأخذ يدعو لما يسمى بالحكومة الديمقراطية الدينية. ويقوم رأيه على أنّ الحكومة يمكن أن تكون دينية وديمقراطية في آن واحد، ﻷن الأحكام التي تتعارض مع الديمقراطية يمكن أن تخضع لتفسير جديد. ودعا سروش في كتاباته المتنوعة إلى هذه الفكرة، ودعمها بما يسمى بـ «نظرية تضييق الشريعة وتوسيعها». وﻻ تختلف الديمقراطية الدينية التي تطوف في مخيلة سروش عن الديمقراطية الغربية المألوفة؛ وهو يلتزم بحقوق الإنسان التزاماً مطلقاً وغير مشروط. ومن الجدير بالملاحظة في هذا السياق هو أن آية الله الخميني وصف حقوق الإنسان بمجموعة القيم الفاسدة التي تمخضت عنها أفكار الصهاينة. وبهذا المعنى فإن إيران وكذلك السودان وباكستان والمملكة العربية السعودية تنقد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ﻷنه ﻻ يتضمن الخصائص الثقافية والدينية للدول غير الغربية. وارتفعت الأصوات المناشدة بتفسير علمانيّ على غرار التقليد اليهودي ــ المسيحي في التفسير، والذي يمكن أن يعتمده المسلمون؛ لكن هذا لن يحدث دون قطيعة كاملة مع الشريعة الإسلامية.

الدين باعتباره ضمير المجتمع

ويتذرع سروش بالقول إن هناك من حيث المبدأ قيماً ما فوق الدين والقانون. ولا تقوم هذه القيم على الدين، لكنها لا تتعارض معه. ولا يتعارض جوهرياً أيّ أمر معقول أو أيّ حقّ عن الدين، بل لا يتعارض مع الإسلام الشيعي بالتحديد، ﻷن الإسلام الشيعي قائم على العقلانية بصفة خاصة. ونورد هنا مثلاً يوضح ماذهب إليه سروش. فنقول إنّ أهل السنة يقولون إنّ الكذب مذموم، ﻷن الدين يصف الكذب بالذمّ، بينما ينخرط الشيعة في هذا الشأن في صفوف المعتزلة، وهم من كبار العقلانيين في الإسلام، فيقولون إنّ الكذب مذموم، وهذا ما يقوله الدين أيضاً. ولهذا السبب بالذات فإن سروش يطالب الشيعة بالقبول بحقوق الإنسان، ﻷنها هكذا عقلانية بكل بساطة ووضوح. وبذلك يضع سروش مقولة الخميني بضرورة تطبيق الشريعة موضع المراجعة. ومن المهم بالنسبة له أنّ تكون روح الحكومة روحاً إسلامية، على العكس من الخميني. وحجته في ذلك تقوم على أن المجتمع الذي يطبق الشريعة هو ليس بالمجتمع المتدين، بل إنّ المجتمع المتدين هو من يؤمن بالدين طواعيةً. فتطبيق أحكام الشريعة بحدّ ذاته: «لن يخلق مجتمعاً متديناً، إنما المجتمع المتدين حقاً هو من يعيش وفقاً للشريعة الإسلامية ». ومن المهم من وجهة نظر سروش هو أنّ السلوك الديني يجب أن يكون نابعاً من الورع، وهذا الورع ﻻ يقبل الفرض والإقحام.  فالنفاق والزيف والرياء هي المعاصي الكبرى، وليس شرب الخمر ولعب القمار. لكن الفقه الإسلامي يعير التصرفات الشكلية أهمية أوسع من أهمية امتلاك القلوب.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.