Mohammad Mojtahed Shabestari (photo: Humboldt University, Berlin)
يقول المفكر محمّد مجتهد شبستري (ولد عام 1936) إنّ الديمقراطية تلبي من ناحية تجريبية شكّل الحكم الذي يقفّ بقوة في وجهة الاضطهاد والطغيان، وهذا هو العامل الجوهري للحكومة الفاضلة التي أقرها الإمام عليّ.

والدولة المثالية في نظر سروش هي الدولة الدينية التي يشيع فيها الإيمان، وليس المرجعية التشريعية أو السياسية، إنما عقل المجتمع وضميره. وهدف الدولة يجب أن يكون الورع الذي لا يجوز أن يتحقق إلا عبر الحريّة. وهذه الحرية هي شرط ضروري وفرض إلهيّ للتدين القائم على الاختيار الحرّ في دولة سروش الإسلامية الطوباوية. وتؤكّد هذه الحجة أفضلية النظام الديمقراطي، ولا يرى سروش فرقاً شكلياً بين الحكومة الدينية الديمقراطية والحكومة الديمقراطية العادية. فكتب في هذا الصدد: «يجب ألا نتوقع بأنّ الحكومة الدينية تختلف من حيث الجوهر عن الحكومة غير الدينية. فليس هناك في الواقع أناس عقلاء يسيرون على أقدامهم ومتدينون يسيرون على رؤوسهم. فأين الخلل عندما تتقبل شعوب الأمم الأخرى الوسائل نفسها المتعلقة بمسألة الحكومة والتي توصلنا إليها نحن أنفسنا عبر تعريفنا المستقل للحكومة الدينية».

فتمت هنا ترجمة معيار تقليدي إلى مبدأ حديث، أي إلى معيار معاصر. وتطلق الباحثة في علم الأعراق سلي إنجل مري مصطلح vernacularization على هذه الظاهرة. أو مصطلح framing  وهذه الترجمة مفيدة للغاية وﻻ يجوز رفضها باعتبارها صيغة تبريرية. فتأطير الديمقراطية على شكل مشروع إسلامي أساسي ﻹقامة العدالة يعبئ المجتمع الذي يطمح لتحقيق هذا الهدف الاجتماعي والسياسي على السواء. وهناك سبب آخر يجعل مصطلح  framing  ضرورياً. فعندما يتم حقاً تملك أفكار مثل الديمقراطية ــ تطلق الفيلسوفة (التركية) سيلا بن حبيب مصطلح  Iteration على هذه العملية، فقط حينئذ تختفي تهمة الأبوية الغربية.

ولا يتضح تغير الموقف من الديمقراطية فقط عبر مواقف المفكرين التقدميين من أمثال شبستري وسروش والذين يطلق عليهم لقب nouandishan-e eslami باللغة الفارسية والذي يعني المفكرين الإسلاميين الجدد. بل يتجسّد ذلك أيضاً في ردّ فعل من هم غير ديمقراطيين. فقد استشهد رئيس البرلمان علي لارجاني (ولد عام 1958) بمبدأ أبراهام لنكولن القائل بأنّ الديمقراطية هي حكم الشعب وعبر الشعب ومن أجل الشعب. ليطبق هذا المبدأ على النظام الإيراني، فيقول: إنّ ولاية الفقيه هي ديمقراطية أيضاً، ﻷن وﻻية الفقيه هي في نهاية المطاف لصالح الشعب. أمّا المقومان الآخران فهما أقل أهمية ويمكن إهمالهما على حدّ تعبيره. وهذا هو موقف مرشد الثورة علي خامنئي (ولد عام 1939) بالضبط.

معيار الديمقراطية

والأمر الحاسم هنا هو ليس مجرد خطل هذه المقولة، بل إن الديمقراطية قد أضحت في غضون ذلك معياراً ومقياساً عاماً يطبقه المرء على نفسه، ويجعل هذين الرجلين يفضلان إسباغ صفة الديمقراطية على نظامهما، بدلاً من رفضها جملةً وتفصيلاً مثلما فعل خميني قبل بضعة عقود وبثقة تامة. وبالطبع إن تعريف هؤلاء للديمقراطية هو تعريف قاصر، لكنه يهب المفكرين الديمقراطيَين سروش وشبستري منطلقات فكرية أخرى، حتى وإن بدأ الحكّام غير الديمقراطيين بالحديث عن مشروع الديمقراطية كذلك. والمهم في هذا الشأن هو أنّ منظّرين على غرار سروش وشبستري مهدوا بالحجج والبراهين للديمقراطية وأسبغوا عليها إطاراً إسلامياً داخلياً. ويبقى السؤال مفتوحاً عما إذا كان الفضل يعود لهذين المنظّرين في استعداد المواطنين الإيرانيين للقبول بالديمقراطية اليوم أكثر من أي وقت مضى، (وهذا هو الانطباع الذي ولدته مراقبة أحداث السنوات الأخيرة)؛ لكن ليس هناك ضرر بالتأكيد من إيجاد حجة إسلامية لقبول الديمقراطية.

يعتمد هذا النصّ على المحاضرة الأولى التي ألقتها المؤلفة في آيار/ مايو 1102 والمنشورة في مجلة  Blätter für deutsche und internationale Politik 11/2011:

 

كتايون أميربور

ترجمة: حسين الموزاني

حقوق النشر: معهد غوته / فكر وفن

كتايون أميربور أستاذة مساعدة في شؤون «العالم الإسلامي المعاصر» بجامعة زيورخ.

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.