وماذا عن الشريحة الواسعة من المواطنين والمواطنات المسلمين الذين يساهمون بالعمل التطوعي في إطار جمعيّات خيريّة تقدّم خدماتٍ جليلية للمجتمع وتمدّ جسورا للحوار بين أتباع الأديان المختلفة، والتي قد يتقاطع انتماء بعض القائمين عليها مع منظّماتٍ لا سبيل لتصنيفها إلّا كأذرعٍ للإسلام السياسي؟

ولذا فمن الواجب العمل على عدم إقصاء المسلمين والمسلمات الألمان، ولا سيّما اليافعين منهم المولودين بألمانيا، بل وجب تحسيسهم بالإشكاليّات المتعلّقة بمواقف بعض الناشطين في صفوفهم. وفي الحقيقة هكذا هو الحال في أكثر من مكان ومن دون أيّ تدخّل، فالأجيال الشابّة مقبلة على التعليم الجامعي وخوض غمار النشاط الاجتماعي. وكنتيجة لذلك تزداد درجة الوعي لديهم تجاه مواضيع مثل رهاب المثليّة أو معاداة الساميّة، وربط تلك المواضيع بما يعانونه هُم من تصرفات عنصريّة مسلّطة تجاههم.

طيفون غوتشتات وُلد سنة 1987 بمدينة هامبورغ الألمانية وهو باحث في الدراسات الثقافيّة وكاتب وموسيقي مقيم في برلين منذ سنة 2016. (Foto: Keren Chernizon)
ماهو العامل المشترك بين الإسلاميّين وبين أنصار اليمين المتطرّف الألماني: "من الواجب الوقوف في وجه التيارات المعادية للديمقراطيّة والحاملة لبذرات الفاشيّة في الأوساط المسلمة بألمانيا، وبكل حزم، تمامًا مثلما هو الحال بالنسبة لمجتمع الأغلبيّة الألماني مع تياراته اليمينيّة المتطرّفة. وهنا نصل إلى صلب الموضوع: إنّ التهويل من حجم "الإسلام السياسي" بألمانيا، إلى حدّ تصويره على أنّه على وشك الإمساك بمقاليد حكم جمهورية ألمانيا الاتّحاديّة لهو أمرٌ مضلّل. فبرلين سنة 2021 ليست طهران سنة 1979." كما يؤكّد على ذلك طيفون غوتشتات.

لا شكّ في أن الآراء القوميّة المتطرّفة، والمحافظة، أو حتّى الإسلامويّة تشهد رواجًا لدى الشباب الألماني من أصولٍ عربيّة أو تركيّة، وبمستوًى مثيرٍ للقلق. فأنا شخصيّا أعمل بمدرسة في مدينة برلين وأعرف من تجربتي الخاصّة أنّ غالبية التلاميذ والتلميذات في مدارس معيّنة يعتقدون بأنّ المثليّة الجنسيّة "حرام" وأنّها مبرّرٌ لاحتقار المثليّين والمثليّات.

وتهيمن في بعض الأحياء السكنيّة عقليّة ذكوريّة بحتة بتبريراتٍ دينيّة على الحياة الشخصيّة لشباب تلك الأحياء. وليس بالأمر الخفي أن اليهود خاصّةً وكذا العلويّين يتعرّضون مرّةً بعد أخرى لاعتداءاتٍ  لفظيّة وجسديّة من قبل شبابٍ ينتمون لأوساطٍ مسلمةٍ متزمّتة، وهذا دون أن يبدي مجتمع الغالبيّة الألماني أيّ تعاطفٍ تجاههم. ولذا فإن كثيرًا من المدرّسين والمدرّسات من خلفيّات غير مهاجرة يواجهون صعوبات لا طاقة لهم بها.

ولكن في الوقت ذاته لا يتحرّك البعض ممّن يجب أن يبدو اهتمامًا بتلك الأوضاع السيّئة لفعل شيء حيالها، إمّا عن قلّة اهتمام، أو جهل أو بسبب حساباتٍ سياسيّة. فالمسلمون بألمانيا أقليّة تعاني من الوصم، سواءً نظر إليهم الآخرون كمسلمين بناءً على مظهرهم الخارجيّ فحسب، أو كانوا مسلمين معتدلين أو حتّى من أنصار الفكر المتطرّف. ومن هذا المنطلق فإنّ الحذر الذي يبديه بعض السياسيّين هو بالأمرٌ المفهوم إلى حدّ ما، بل وقد يصبح مطلوبًا بعض الأحيان.

التقليل من شأن خطر اليمين المتطرّف

باختصار يمكن القول إنّه يوجد في ألمانيا بالفعل فاعلون ومنظّمات وجب أخذها على محمل الجد، وتُحسَب جميعها، رغم الاختلافات التي بينها، على تيّارات "الإسلام السياسي"، وهي تنشر أطروحات فكريّة معاديةً للديمقراطيّة وأحيانا حتّى للإنسانيّة. ويلقى هذا الطرح الفكري رواجًا معتَبرًا، لا سيّما في أوساط الجالية المسلمة داخل البلاد. وتشكّل هذه التوليفة في أوساطٍ معيّنة أو مناطق بعينها خطرًا حقيقيًّا على غير المسلمين (خاصة الإيزيديّين واليهود والعلويّين والأرمن)، وعلى المسلمين السابقين، والنساء المتحرّرات، وعلى ناقدي بعض الإيدولوجيّات أو الهياكل، وعلى أصحاب الميول الجنسيّة المغايرة. ولذا فإنّه من غير المقبول بالمرّة التقليل من شأن هذا الخطر أو من مدى خوف الأشخاص المعنيّين بطريقةٍ أو بأخرى، أو محاولة تبرير التبعات التي كثيرًا ما تكون قاسيةً، أو عدم إظهار الدعم اللامشروط لضحايا ذلك العنف.   

ومن الواجب الوقوف  في وجه التيارات المعادية للديمقراطيّة والحاملة لبذرات الفاشيّة في الأوساط المسلمة بألمانيا، وبكل حزم، تمامًا مثلما هو الحال بالنسبة لمجتمع الأغلبيّة الألماني مع تياراته اليمينيّة المتطرّفة. وهنا نصل إلى صلب الموضوع: إنّ التهويل من حجم "الإسلام السياسي" بألمانيا، إلى حدّ تصويره على أنّه على وشك الإمساك بمقاليد حكم جمهورية ألمانيا الاتّحاديّة لهو أمرٌ مضلّل. فبرلين سنة 2021 ليست طهران سنة 1979. ولذا فإن الفكرة التي يروّجها البعض ومفادها أنّه يتوجّب على الجميع فعل المستحيل حتى لا نصبح من الغد على أعتاب "جمهوريّة ألمانيا الإسلاميّة"، ليست سخيفةً فحسب، بل هي تحجب الرؤية عن حقيقة المخاطر في واقع ألمانيا.

فاليمين المتطرّف الألماني، إلى جانب كونه أكبر الجماعات المعادية للديمقراطيّة والمستعدّة لاستخدام العنف، يتمتّع كذلك بتعاطفٍ ظاهرٍ أحيانًا، وخفيٍّ أحيانًا أخرى، تصل جذوره إلى عمق الطبقة الوسطى من المجتمع. وبالإضافة إلى امتلاكه لدرجةٍ عاليةٍ من التنظيم، فإن لديه ارتباطاتٍ وثيقة مع مراكز السلطة تطوّرت مع الزمن، ويعمل أنصار اليمين المتطرّف بلا كلل، على خلق تشكيلات موازية داخل أجهزة الشرطة والمخابرات وصفوف الجيش، وهو الأمر الذي تُوِّج بالنجاحٍ كما ظهر ذلك في أكثر من مناسبة.

ويشكّل هذا حالةً من اختلال التوازن تمتدّ تبعاتها لتصل إلى المجال السياسي. فعندما يتمّ التعامل مع بضع أئمة متطرفين في حي نُويْكولن -[حي برليني يتميّز بالتواجد الكثيف للجاليالت العربيّة والمسلمة]- على أنّهم أشدّ خطرًا على الجمهورية من المزيج القومي الألماني المتطرّف المكوّن من جماعاتٍ شبه عسكريّة ومن جمعيّات أخويّة ذكوريّة ومن نازيّين جدد، بالإضافة لكلّ الشبكات الداعمة لهم، سواءً داخل البرلمان الألماني أم خارجه، فسيكون لهذا مفعول ضارٌّ على المدى الطويل على الجهود المبذولة لمحاربة القوى المعادية للديمقراطية في الأوساط المسلمة.

إن وجود حالةٍ عامّةٍ من الاشتباه الجماعي والوصم المتواصل تجاه المسلمين والمسلمات لا يزيد فقط من صعوبة التمييز الضروري بين القوى الديمقراطيّة والقوى المعادية للديمقراطية داخل التجممّعات المسلمة بألمانيا، بل إنه أيضا يتسبّب في نشر الإحباط وخيبة الأمل حتّى لدى أولئك الذين يعتبرهم الآخرون مسلمين بسبب ملامحهم الخارجية لا غير. 

لقد أصبح حَريًّا بوسائل الإعلام والسياسيين في ألمانيا أن يوجّهوا إشارةٍ للرأي العام بأنّهم قد أدركوا مقدار الخطر المتأتّي من الأنشطة الإسلامويّة، وأنّهم لن يتسامحوا مع تلك الأنشطة، ولكن من دون الإغراق في المبالغة أو ممارسة الشعبويّة. والأمر المؤكد في هذا السياق أنّ مواصلة الادّعاء بغياب النقد الموجّه للمسلمين وللمؤسّسات الإسلاميّة أو بأنّنا قاب قوسين أو أدنى من فرض الحجاب على الجميع، ليس مفيدًا بالمرّة.

 

طيفون غوتشتات

ترجمة: صهيب زمّال

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

وُلد طيفون غوتشتات سنة 1987 بمدينة هامبورغ الألمانية وهو باحث في الدراسات الثقافيّة وكاتب وموسيقي يقيم في برلين منذ سنة 2016. يشمل مجال أبحاثه مواضيع مثل تحوّلات الهويّة والفكر القومي وموسيقى الشرق الأوسط.

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة