يدَّعي الصوفيون أنَّهم متقدِّمون في المعرفة الحسِّية والمتوجِّهة نحو الخبرة. وفي المقابل يحتقر الملالي ورجال الدين الإيرانيون البحث الصوفي عن الله ورقصات الصوفيين الدراويش وأناشيدهم ومناهضتهم للفكر. ولكن مع ذلك فقد تبنَّى وعلى مدى التاريخ الفقهاءُ وعلماءُ الدين الأصوليون بعض استدلالات الفكر والتصوُّرات والأفكار الصوفية.

يمكن إبراز ذلك بوضوح لدى حافظ الشيرازي. فكثيرًا ما كان هذا الشاعر عرضةً للتهديد والأزمات بسبب استفزازاته السليطة وغموضه المتعدِّد المعاني الذي يصعب تحديده، ولكن مع ذلك فإنَّ "ديوانه" موجودٌ في داخل الكثير من البيوت الإيرانية وموضوع بجانب القرآن مباشرة - مثل كنز وطني مقدَّس. وخلال الثورة الإسلامية في إيران، أراد بعض رجال الدين والملالي المتعصِّبين فرض حظر على حافظ، غير أنَّهم لم يتمكَّنوا من فرض إرادتهم هذه سواء على الناس أو في داخل دوائرهم الخاصة.

ولكن التوتُّرات بين الصوفيين والأصوليين المتزمِّتين تصاعدت الآن إلى عداء ملموس. فقد تم مرارًا وتكرارًا في السنوات الأخيرة إغلاق أماكن الصلاة والالتقاء الصوفية -  مثلما حدث في مدينتي قُمّ وأصفهان، وأحيانًا تمَّت تسويتها بالأرض باستخدام الجرَّافات. تعرَّض الصوفيون للضرب وتم زجُّهم في السجون. إذ إنَّ شعبيَّتهم تثير الخوف من المنافسة لدى رجال الدين، وذلك لأنَّها تضر بالفقهاء وعلماء الدين على أرضهم. فوجود الصوفيين وحده يُقَوِّض العلاقة الوثيقة بين السياسة والدين.

 

رجال دين إيرانيون في مدينة قُم - إيران. Foto: dpa/picture-alliance
يدَّعي الصوفيون أنَّهم متقدِّمون في المعرفة الحسِّية والمتوجِّهة نحو الخبرة. وفي المقابل يحتقر الملالي ورجال الدين الإيرانيون البحث الصوفي عن الله ورقصات الصوفيين الدراويش وأناشيدهم ومناهضتهم للفكر. ولكن مع ذلك فقد تبنَّى وعلى مدى التاريخ الفقهاء وعلماء الدين الأصوليون بعض استدلالات الفكر والتصوُّرات والأفكار الصوفية.

 

يتعرَّض رجال الدين في إيران للضغط من ثلاثة مصادر: من خلال التحوُّل في السلطة السياسية ومن خلال العلمنة وكذلك من خلال المتصوفة. لقرون من الزمن، حدَّدت الأصولية المتزمِّتة الحياة اليومية في إيران من خلال تفسيراتها للقوانين والشرائع الإلهية المأخوذة من القرآن. ومع الثورة الإسلامية في عام 1979 وتشكيل الإسلام السياسي، استولى الفقهاء وعلماء الدين في إيران على الحكم بشكل ملموس. 

ولكن في السنوات الأخيرة، تحوَّلت السلطة شيئًا فشيئًا بين الملالي والحرس الثوري، بين الدين والقومية لصالح الجيش، وهذا تطوُّرٌ يعزِّزه التهديد الأمريكي لإيران. وكذلك هناك خطرٌ آخر يهدِّد رجال الدين ويكمن في نمو العلمانية. ورمز هذا الخطر هو "شمال طهران".

إنَّ شمال العاصمة الإيرانية طهران المزدهر والمترابط بالشبكات العالمية والمتعلم والفصيح وذا التوجُّهات المادية جدًا والغربية، ليست لديه تقريبًا أية اهتمامات بكلِّ ما يتعلق بالجمهورية الإسلامية. حيث يتميَّز شمال طهران بموضة الشباب وعلاقته بالاستهلاك والتسامح والعقلانية والأخلاق وكذلك بالنكات على الملالي ورجال الدين.

ومع ذلك يجب علينا ألَّا نفترض أنَّ المواقف الحياتية المناهضة للدين في شمال طهران تنتشر في بقية البلاد. صحيح أنَّ المساجد في كلِّ مكان فارغة من المصلين إلى حدِّ ما، لكن التقوى القوية للغاية لدى الكثيرين من الإيرانيين تتَّخذ مساراتها الخاصة بها. كما أنَّ الصوفية تتيح للناس وسيلة ليعيشوا تقواهم ذات الطابع الإسلامي من دون قبولهم النظام الحاكم.

 

 

إليزابيت كيدرلين
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ / موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.