عقبة كَأْداء أمام "الإسلام الجديد"...الاعتراف بمرحلية بعض أحكام الشريعة

والعقبة الكأداء في الطريق الذي يجب تمهيده لما نسميه "الإسلام الجديد" ـ وهو انتماء إسلامي وهويّة إسلامية داخلَ ثقافة معاصرة متجدِّدة ـ؛ هي "الاعتراف"، الاعتراف من جانب المفكّرين والقادة الدينيين، بأن في الإسلام القديم والتجربة الإسلامية الأولى مبادئَ وأحكاما خاصّة بها تعدّ خاطئة أو غير مناسبة بمعايير هذا العصر (أمثال: أحكام السَّبْيِ والاسترقاق، والجهادِ الهجومي الذي ينتهي بقتل الرجال القادرين ـ وإن كانوا مدنيّين عُزْلا ـ واسترقاق الأطفال والنساء والرجال العاجزين، وقتلِ الأسرى أو استرقاقهم، وأخذِ الغنائم من أموال المدنيين و "السَّلَب" من قتيل العدو، وإعدامِ المرتدّ عن الدين، وتزويجِ الصغيرة، وختانِ الإناث، ورجمِ "الزاني المحصن"، وقطعِ يد السارق، وغيرِ ذلك)، أملَتْها الأفكار والنُّظُم المعرفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة في عصر ظهور الإسلام وانتشاره.

ولكن هذا الاعتراف يعزّ ويشقّ على الإسلاميين الذين ينادون بأن "الشريعة صالحة لكل زمان ومكان"، لأنه اعتراف ضمني بتاريخية الإسلام ومرحلية تشريعاته وتنظيماته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

فيعمِدون ـ بدلا من الاعتراف ـ إمّا إلى الإنكار الذي يصل أحيانا إلى إنكار "معلومات من الدين بالضرورة" من أجل تحاشي الاعتراف بوجود أمور موجودة حقا في الشريعة وغير متوافقة حقا مع روح العصر الذي هم أيضا من أبنائه. وإما إلى تسويغات باردة وترقيعات لا تستر شيئا إلا أنها تزيّف الوعيَ وتحرّف أيضا معاني الشريعة.

صورة رمزية لِـ الإسلام - مسجد ومئذنة.
حين يكون الإصلاح تأسيسا لأصولية دينية تؤدّي إلى انتكاسة حضارية تجعل العقل الديني يبدأ من نقطة الصفر: وأقول التجديد والتحديث، ولا أقول الإصلاح الديني، الذي تمّ فعلا في الإسلام السني على يد الحركة الوهّابية إصلاحا دينيا على غرار الإصلاح الديني البروتستانتي، فما فعله محمد بن عبد الوهّاب بالإسلام السني الأشعري الصوفي؛ لا يقلّ عن ما فعله مارتن لوثر بالمسيحية الكاثوليكية البابوية. ولكن الإصلاح الديني، بما أنه دعوة العودة إلى الجذور وإلى النصوص المؤسِّسة واطّراح النصوص الثانوية والتقاليد الأمميّة المؤمِّمة "المبتدِعة" (دعوة "العودة إلى الكتاب والسنة" ـ في الإصلاح الوهّابي، ودعوة "سولا سكريبتورا" في الإصلاح البروتستانتي)؛ فإنه يكون في النهاية تأسيسا للأصولية الدينية، مما يؤدّي إلى انتكاسة حضارية تجعل العقل الديني يبدأ من نقطة الصفر من جديد قاضيًا على المراحل التي تجاوزها في تاريخ تطوّره وسياقات تأمُّمه وتوطُّنه في الثقافات المختلفة، ويؤدي إلى إحياء ثقافة قديمة لتصطدم بالثقافة الحديثة.

مثال..."جهاد الابتداء أو الجهاد الهجومي" في مقابل "جهاد الاضطرار أو الجهاد الدفاعيّ"

ولكي نقرِّب الصورة إلى الذهن؛ نمثّل لها بمثال مهم، وهو مبدأ "الجهاد" في الإسلام، الذي اتّضح من تاريخ تطبيقه والعمل به أن منه ما سُمّي قديما "جهاد الطلب" أو "جهاد الابتداء"، ويمكن أن يُسمّى "الجهاد الهجومي" (ويمكن أيضا تصنيفه بحسب قانون الحرب الدُّوَلي في باب "العُدْوان" أو حتى "الإرهاب")، وكان عليه اتفاق عامّ من فقهاء المسلمين سابقا (إلى حدّ انعقاد "إجماعـ"ـهم على أنه "فرض كفاية"، وإن كان من نوع الإجماعات التي يعارضها شذوذُ ـ أو انفرادُ ـ عدد قليل من الفقهاء. مع أن انعقاد الإجماع المطبق على أنه فضيلة إسلامية و "مندوب إليه"؛ مما لا ريب فيه، فهو لا يعدو أن يكون ـ على الأقلّ ـ "سُنّة" أو "تطوُّعـ"ـا.. مما لا مجال لبسط القول فيه هنا، ولي فيه دراسة)، وقد صنع تاريخَ "الغزوات" و "الفتوحات" الإسلامية.

هذا المبدأ الأساسيّ في الإسلام القديم يُعاد إنتاجُه وصياغته من قبل فقهاء المسلمين ومفكريهم المحدَثين ليكون مقتصرا على ما سُمّي "جهاد الدفع" أو "قتال الاضطرار" سابقا ويُسمى الآن "الجهاد الدفاعيّ"، فيكون الجهاد حربا دفاعيّة قانونيّة كردّ العدوان الذي ينتهجه كلّ الدُّوَل الآنَ.

ويدافعون عن إعادة تعريفهم هذا بحرارة بالغة ويستدلّون لها بالنصوص الإسلامية (بشيء كثير من الانتقائية وإعادة التأويل والاختيارات التفسيرية والفقهية الخاصّة). ويقولون: هذه المرحلة هي مرحلة الدعوة، وإنه لا ضرورة للجهاد القتالي لتبليغ الدعوة فالدعوة تصل اليوم إلى كل مكان بالمعمورة، فليست الأمور كما كان في السابق. 

وأريد أن أقول هنا: هذا النوع من إعادة التفسير لبعض الأحكام مفيد من الناحية العملية العاجلة، ولكنه من الناحية النظرية والتاريخية مخطئ بل هو تحريف وإنكار يُقصَد منه تجريد الشريعة من أي شيء قد يشي بسِمة التاريخية والمرحلية فيها فيضرّ ذلك بمبدأ صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان وهو مبدأ أساسيّ في الفكر الإسلامي الحديث الذي يطرح الشريعة بديلا لكل المنجزات الحضارية الحديثة من قانون ونظام وعقد اجتماعي حديث.

"الإسلام الجديد" هو "إسلام ممكن" لا يفصل المسلم عن سائر المجتمع

وقد غدا من البديهيّ أن الإسلام القديم بشريعته صار في عداد "غير الممكنات"، ويؤدي تطبيقه وفرضه إلى تصادمٍ صارخ مع المجتمع الحديث وتشويهٍ لصورة الإنسان المسلم الذي يريد أن يكون عضوا صالحا في هذا المجتمع. بينما يمكن تسمية الإسلام الجديد "الإسلام الممكن"، إسلاما لا يفصل الإنسان المسلم عن سائر المجتمع ولا يصنع منه كائنا غريبا عن العالم الحديث. ومن هنا يكتسب مفهوم "تجديد الدين" و "مجدِّد الدين" معنى أكثر جذرية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
تنظيم "الدولة الاسلامية" | داعش، تداعيات هجمات 11 سبتمبر على الغرب والعالم الاسلامي ، أخلاقيات الطب والاستنساخ في الاسلام، المسيحيون في العالم الاسلامي، المتحولون دينيا | تغيير الدين، انتقاد الاسلام، الحوار بين الثقافات، الحوار بين الأديان، الاسلام الأوروبي، الإسلام النسوي والنسوية الإسلامية، الحرية الدينية | حرية المعتقد، التاريخ الاسلامي ، رجال الدين في إيران، الإسلام والديمقراطية، الاسلام والغرب، الاسلام في افريقيا، الإسلام في آسيا الوسطى ، الاسلام في أوروبا، الاسلام في ألمانيا، الاسلام في جنوب شرق آسيا، الاسلام في الولايات المتحدة ، المصارف الإسلامية ، ‏الفلسفة الإسلامية، التربية الاسلامية في المدارس الألمانية ، الثورة الإسلامية في إيران، الدراسات الإسلامية العليا في الجامعات الألمانية، الاسلاموية / الاسلام السياسي، الإسلاموفوبيا | ظاهرة العداء للاسلام ، اليهود في العالم الاسلامي، الجهاد، السلفية الجهادية / الجهاديون، الاخوان المسلمون ، النساء المسلمات، المسلمون في الغرب ، الأصولية والتشدد الديني ، الإصلاح في الإسلام ، السلفيون /السلفية ، الشريعة الإسلامية، منتوجات بنكية تتوافق مع الشريعة الإسلامية، الاسلام الشيعي | الأسلام السني، الاسلام السني | السنة، السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، السلفية الوهابية | الوهابية ، النساء في العالم الاسلامي
كل ملفات قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : كيف كان وينبغي أن يكون "تجديد" الإسلام؟

الإسلام القديم والإسلام الجديد ..لا اعتقد انها عبارة مناسبة ، هي تستدعي تراث افرنجي لا صلة لنا به ولا تساعد علي بناء قنطرة للتفاهم المتبادل

حسين الشريف21.08.2018 | 00:40 Uhr