العلم والعقل والرشد وفقا للمقياس الكوني

وإلى ذلك ينتمي الهنود والإيرانيون وشعوب بلاد الرافدين واليونان والرومان والمصريون والعرب وسكان إسبانيا، الذين تمثل ذكاؤهم في التعاون الذي كان قائما في الأندلس بين المسلمين واليهود والمسيحيين. وهذا يعني أن سعيد الأندلسي كان يعترف بأن مجال صلاحية العلم والعقل والرشد كوني وغير مرتبط بشعب محدد.

ثالثا: أن دعوات التنوير قد تنصدم بسوء الفهم، وهو أمر له علاقة بالطريقة التي تتم بها الدعوات. وهذا يعيدنا إلى نقطة أشرنا إليها في البداية: إن المطالب التي يرفعها النقاش الحالي باتجاه المسلمين تقوم في الأغلب الأعم على صورة أسطورية للتنوير. إنه أمر يثير الدهشة، بالنظر إلى أن التنوير فيما يتعلق بأوروبا نفسها لا يتم النظر إليه منذ زمن بذلك التعظيم.

فلا أحد قد يزعم اليوم بأن التنوير لم تكن له سوى نتائج إيجابية في أوروبا، وليس فقط ما شهده التاريخ الأوروبي  في القرنين المنصرمين شاهد ضد تعظيم حقبة التنوير ولكن أيضا الاعتراضات النقدية التي ما برحنا نسمعها منذ "جدل التنوير" لماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو.

لكن ماذا عن النظرة إلى الشعوب غير الأوروبية؟ كيف نظر رجالات التنوير إلى المجتمعات والثقافات الأخرى؟ وما هي النتائج التي تترتب عن ذلك بالنسبة للمعنيين بالأمر؟ هنا تظهر بعض الانشقاقات في تصورات بعض المفكرين المشهورين، يتوجب التعبير عنها بشكل واضح.

إن أوائل التنويريين لم تكن لهم علاقات صعبة مع التقاليد الثقافية غير الأوروبية. كانوا يقدرون فيلسوفا عربيا مثل أبو بكر بن طفيل ودرسوا كتبا من ثقافات مختلفة.

وفي هذا السياق كتب غوتفريد فيلهلم ليبنيتز في بداية القرن الثامن عشر قائلا: "إذا ما انتهينا من قراءة اللاتين واليونان والعبرانيين والعرب، فإن الدور سيأتي على الصينيين بالنسبة لنقادنا الطامحين إلى المعرفة، ودون الحديث هنا عن بعض كتب الفرس والأرمن والأقباط والبراهما، والتي سنكتشفها مع الزمن، حتى لا نغفل أي لحظة من لحظات التنوير".

تفخيم الذات الأوروبية بالقول إن الإسلام عاجز عن التنوير

لكن، لاحقا، سيصبح الاعتراف بتقاليد فلسفية أخرى مشكلة. فإمانوئيل  كانط ركز على فلسفته، التي لم تمثل بالنسبة له هدفا بل مقياس كل معرفة عقلية.  وهو ما قاد عند من تبعه من الفلاسفة إلى أن يتخذوا تاريخ الفلسفة في مجموعه طابعا غائيا، وهو ما لا يمكن أن نغفله عند هيغل.

Junge beim Studium des Korans in Tripoli; Foto: MAHMUD TURKIA/AFP/Getty Images
عمد الأوروبيون خلال مرحلة التنوير إلى الحط من التقاليد الفكرية للعالم الإسلامي، وهو أمر ما زالت تبعاته قائمة إلى يومنا هذا، ومن تمظهراتها، مطالبة بعض الأوروبيين المسلمين بنقل تجربة التنوير الأوروبية، أو حين يرددون في تفخيم للذات بأن "الإسلام عاجز عن التنوير".

فبالنسبة له لا توجد إلا فلسفة واحدة يتوافق تاريخها مع تعبير العقل عن نفسه، وتقود في النهاية إلى نظامه الفلسفي الخاص به. وأمامها لا يمكن للأطروحات الفكرية الأخرى أن تمتلك سوى "صلاحية مؤقتة" كما يكتب هيغل، وخصوصا الفلسفة المشرقية (وإليها تنتمي الفلسفات الصينية والهندية أيضا) ولكن أيضا العرب، الذين رغم دور الوسيط الذي لعبوه بين الفلسفة اليونانية والسكولائية اللاتينية، إلا أنهم "لم يقدموا شيئا خاصا" بهم، بحسب تعبير تلك الأطروحات.

ومثل هذه الأحكام رافقت الأبحاث الأوروبية حتى القرن العشرين. ولم تتعلق فقط بالبحث المتعلق بتاريخ الفلسفة، ولكنها تعبر عن موقف مبدئي، تطور بتطور حركة التنوير. فكلما قطع التنويريون شوطا أكبر في التعبير عن مفاهيمهم الخاصة عبَّروا بشكل نقدي أو منقوص عن أشكال التفكير في الثقافات الأخرى.

وحتى نستشهد بما جاء في "جدل التنوير": فإن التنويري الأوروبي المكتمل سيعبر عن نفسه بشكل بطولي في حكم تبخيسي، يصدره على كل أولئك الذين لا يتوافق تفكيركهم مع شكل تفكيره.

إنه أمر يتوجب التفكير به، إذا ما طلب المرء مناقشة المسلمين حول مفهوم التنوير. إن هذا الحط من قدر الثقافات الأخرى ومساهماتها الحضارية، ما زال قائما إلى يومنا هذا، وهو ما تعبر عنه مطالبة بعض الأوروبيين من المسلمين بالتزام مبادئ "تنويرنا"، أو حين يزعمون في نوع من تفخيم الذات بأن "الإسلام" عاجز عن التنوير.

 

أولريش رودولف

ترجمة: وفاء حسين

حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ / قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

أولريش رودولف باحث بارز متخصص في الفلسفة الإسلامية وهو أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة زوريخ السويسرية. 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.