الديمقراطية آلية تنظيم العلاقة بين الدين والدولة

إن فصل الدين عن الدولة يعني، في ما يعنيه، أن مؤسسات الدولة وهياكلها وبنيتها ينبغي أن تكون معبرةً عن قيمٍ ومصالح وأهدافٍ أساسيةٍ وعامةٍ ومشتركةٍ بالنسبة إلى كل أفراد الشعب، بدون انحيازٍ إلى طرف دينيٍّ أو طائفيٍّ أو مذهبيٍّ ما، على حساب طرفٍ آخر. لكن هذا لا يعني رفض التوظيف السياسي للدين بالمطلق؛ إذ لا يوجد ما ينفي، من حيث المبدأ، إمكانية و/أو مشروعية أن تتأسس أحزابٌ تسترشد، جزئيًّا ونسبيًّا، بمبادئ دينٍ ما وبمنطلقاته وقيمه وتوجيهاته أو مقاصده العامة، في خطابها السياسي.

وينبغي أن يُترك الباب مفتوحًا دائمًا لقيام هذه الأحزاب، بقدر قبولها بأسس الديمقراطية ومبادئها وآليات عملها؛ ومن هذه المبادئ المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وسيادة القانون، وعدم المماهاة بين الأغلبيات أو الأقليات أو المجموعات الدينية أو الطائفية أو المذهبية والأغلبيات أو الأقليات أو المجموعات السياسية، والفصل بين المجالين العام والخاص، واحترام حقوق الأقليات السياسية، والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرةٍ ... إلخ.

وهذا يعني أيضًا أن هذه الأحزاب لن تحكم باسم الإسلام وإنما باسم برنامجٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ واضح، يتجاوز شعار "الإسلام هو الحل"، ليضع رؤيةً محدَّدةً ومفصلة للواقع العيني ولمشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية  ... إلخ، ولآفاقه المستقبلية الممكنة والمأمولة، في إطار الالتزام بمبادئ الديمقراطية وآليات عملها.

حسام الدين درويش باحث سوري مقيم في ألمانيا، حائز على شهادة الدكتوراه من قسم الفلسفة بجامعة بوردو 3 في فرنسا، تخصص "الهيرمينوطيقا ومناهج البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.  وهو محاضر زائر في قسم الدراسات الشرقية  بكلية الفلسفة بجامعة كولونيا في ألمانيا، وباحث مشارك في مشروع "دراسة في القوة  التفسيرية" بجامعة ديسبورغ- إيسن، ألمانيا
حسام الدين درويش باحث سوري مقيم في ألمانيا، حائز على شهادة الدكتوراه من قسم الفلسفة بجامعة بوردو 3 في فرنسا، تخصص "الهيرمينوطيقا ومناهج البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية. وهو محاضر زائر في قسم الدراسات الشرقية بكلية الفلسفة بجامعة كولونيا في ألمانيا، وباحث مشارك في مشروع "دراسة في القوة التفسيرية" بجامعة ديسبورغ- إيسن، ألمانيا

مشاركة الأحزاب الإسلامية في إطار دستوري

يرتاب كثيرون في إعلان بعض تيارات الإسلام السياسي قبولها بالديمقراطية ورغبتها في الانخراط في الحياة السياسية في النظام الديمقراطي. وينبع هذا الارتياب من التخوف من كون هذا القبول مجرد قبولٍ تكتيكيٍّ، يهدف الإسلام السياسي من ورائه إلى الوصول إلى السلطة، لتحويلها لاحقًا إلى سلطةٍ إسلاميةٍ تحكم باسم الإسلام، وتتخذ شكل دولة الخلافة الإسلامية غير الديمقراطية ولا العلمانية أو المضادة للديمقراطية والعلمانية.

وعلى الرغم من الواقعية والمعقولية الجزئية والنسبية لهذا الارتياب، ووجود شواهد و/أو قرائن كثيرةٍ وكبيرةٍ تدعم هذه المعقولية وتلك الواقعية، إلا أنه لا ينبغي تحويل تلك الريبة أو ذلك الارتياب إلى حكم مسبقٍ وثوقيٍّ جازمٍ للتعامل مع الإسلام السياسي ومع مسألة إمكانية تطبيع علاقته مع الحياة السياسية الديمقراطية. ولتقليل إمكانية انقلاب الإسلام السياسي، أو غيره من الاتجاهات السياسية، على العملية الديمقراطية، بعد الوصول إلى السلطة، لا بد من التمييز بين السلطة السياسية والدولة والحد من إطلاقية الأولى وهيمنتها الكاملة على الثانية.

ومن هنا تأتي ضرورة التشديد على أهمية الفصل بين السلطات وتوفير الأساس الدستوري والقانوني الذي يحمي هذا الفصل ويحمي الحريات السياسية والمدنية، ويمنع من التعدي عليها. فلا يمكن ولا ينبغي اختزال الديمقراطية إلى مجرد صناديق اقتراع وعملية انتخابٍ، وأغلبيةٍ وأقليةٍ، كما يظهر في خطاب بعض الإسلاميين في معظم البلاد العربية و/أو الإسلامية.

فهؤلاء يركِّزون، في قبولهم المعلن للديمقراطية، على مسألة الانتخاب، وعلى تحويل الأغلبية الدينية الفعلية أو المزعومة إلى أغلبيةٍ سياسيةٍ، يسعون إلى أن يحكموا باسمها وإلى أن يحكموها ويحكموا بقية مكونات الشعب، بدون الاهتمام بفكرة المساواة المواطنية، وبحياد الدولة تجاه الأديان، وبضرورة احترام الحقوق الأساسية للأقليات السياسية وغير السياسية.

وبهذا يتم اختزال الديمقراطية، عند هؤلاء الإسلاميين، إلى مجرد صناديق اقتراعٍ، لا تتأسس على مبدأ المواطنة والحريات والحقوق الأساسية ... إلخ. وتكون محاجتهم، في هذا الخصوص، قائمةً على مقولة "الشعب عايز كده" ويجب احترام إرادة الشعب، بطريقةٍ مماثلةٍ للطريقة التي كان، وربما ما زال، يتم بها تبرير إنتاج الأفلام الهابطة أو الرديئة، بحجة أن "الجمهور عايز كده".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.