الديمقراطية لا تعني ديكتاتورية الأغلبية

ويغيب عن ذهن هؤلاء المختزِلين أن لا ديمقراطية ممكنة أو تستحق هذا الاسم بدون أن تتأسس على مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين، والفصل بين السلطات، واستقلالها، والحريات العامة ... إلخ. والطريف في الأمر أن هذا الاختزال في فهم الديمقراطية موجودٌ في الفلسفة أو الفكر الغربي، حيث يميل فيه بعض المفكرين إلى تأكيد مركزية عملية الانتخاب في الديمقراطية، ليقولوا بأن الديمقراطية هي سيرورةٌ غربيةٌ أو ذات منشأ غربيٍّ بالكامل؛ في حين أن القائلين بأن تبني قيم الحرية والمساواة والعدالة مؤسسٌ للديمقراطية ومكونٌ ضروريٌّ لها، يخلصون إلى القول بعالمية القيم الديمقراطية وليس بحصريتها الغربية.

لا يبدو أن الديمقراطية تتناقض بالضرورة مع تسييس الدين أو مع الإسلام السياسي، ولا يبدو، في المقابل، أن الأيديولوجيا الدينية في السياسة مضادةٌ للديمقراطية والعلمانية بالضرورة. فمن الواجب الاعتراف بوجود صيغٍ من الفكر الإسلامي الذي يقبل بالديمقراطية ولا يرى فيها تناقضًا مع مبادئ دينه وقيمه وغاياته. وإذا انطلقنا من فكرة أن الإسلام الشعبي العام ليس مضادًّا للديمقراطية عمومًا أو من حيث المبدأ، ولا سببًا يمكن أن يحول دون تحققها، فإن العقبة الفكرية الأساسية، في هذا الإطار، تتمثل في ذهنية التكفير الملازمة غالبًا للفكر الديني الأيديولوجي؛ فبدون التخلص من هذه الذهنية لا يمكن ولا ينبغي دخول عالم السياسة المؤسس على المساواة، من جهةٍ، وعلى القبول بمشروعية اختلاف الآخر وبأحقيته في التعبير عن هذا الاختلاف، من جهةٍ أخرى.

الديمقراطية ترفض إقصاء الآخر

والطريف أو المؤسف في الأمر أن ذهنية التكفير هذه حاضرةٌ لدى بعض العلمانيين بقدر حضورها لدى بعض أنماط الفكر الديني، وربما أكثر. وفي تضادٍّ مع ما هو سائدٌ لدى كثيرٍ من الإسلاميين و"الديمقراطيين" والعلمانيين، نرى أنه ليس من الديمقراطية والعلمانية العمل على إقصاء المتدينين (الإسلاميين) ومعاداتهم واجتثاثهم من المجال العام والعمل السياسي ورفض استنادهم المعلن إلى مبادئ دينهم أو أسسه العامة في صياغة ممارستهم في الحياة السياسية؛ وفي المقابل، يمكن لمشاركة الإسلام السياسي في الحياة السياسية أن تكون فاعلةً وبناءةً، بقدر الانطلاق من قبولٍ بل وتقبلٍّ فعليٍّ وكاملٍ لمبادئ الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان الأساسية.

في انتظار حصول هذا الجدل المنتج بين الديمقراطية العلمانية والإسلام السياسي، من الضروري التشديد على أن المعركة الأساسية، في العالم العربي والإسلامي عمومًا، ليست بين العلمانيين والإسلاميين أو الإسلامويين – كما يقول كثيرون، بحسن نيةٍ أو بسوء نيةٍ – وإنما بين الاتجاه الديمقراطي (الذي يضم إسلاميين أيضًا) والاتجاه المضاد للديمقراطية والذي يضم كثيرًا من العلمانيين المصابين بالإسلاموفوبيا، أو المنزلقين إلى انتماءاتٍ طائفيةٍ ضيقةٍ وبغيضةٍ، أو اليساريين الذين يرون أن المعركة مع الإمبريالية والصهيونية والرجعية تقتضي تعليق معركة الحرية والديمقراطية.

وفي المعركة الزائفة الأولى (بين العلمانيين والإسلامويين) يتم تسخير الدين من قبل القوى السياسية اللاديمقراطية المهيمنة، لتسويغ حكمها وسلطتها الاستبدادية، ويظهر، في هذا الإطار، إسلامٌ سلطويٌّ منحازٌ إلى الدكتاتورية وقيمها وغاياتها وحتى أهوائها. وفي المقابل، غالبًا ما يتضمن الخطاب الإسلامي الجهادي في الميدان السياسي مضامين إقصائيةً عدوانيةً تكفِّر كل من يخالفها، ولا ترى في السياسة إلا ميدانًا للحرب على هؤلاء المخالفين أو حتى المختلفين.

وعلى الرغم من رضوخ كثيرين للتخيير الموضوع في صيغة قضيةٍ عناديةٍ: إما ديكتاتورية "علمانيةٍ" وإما إسلامويةٍ جهاديةٍ ظلاميةٍ، نعتقد أن الوعي النظري بالمعركة الأساسية، والتمسك العملي بأولوية الديمقراطية، يقتضيان رفض هذا التخيير وطرفيه، والتمسك بالخيار الديمقراطي بوصفه الخيار الحقيقي الوحيد الذي يمكن أن يضمن الحدَّ الأدنى من حرية الإنسان وكرامته والقيم المؤسسة لإنسانيته.

الديمقراطية ليست أيدولوجية

الديمقراطية ليست حلًا سحريًّا أو غير سحريٍّ لأيٍّ من مشكلات الواقع و/أو المجتمع و/أو الفكر العربي و/أو الإسلامي، لكنها توفر الأساس الذي يمكن أن يساعد على البحث عن هذه الحلول وتبادل الآراء والأفكار وتفاعلها الإيجابي، والتنافس أو حتى الصراع السلمي البنَّاء بين مختلف الاتجاهات والتيارات الفكرية و/أو الحزبية.

وبدون الوصول إلى تلك الديمقراطية المنشودة سنبقى في حالة وضعٍ قبل حداثيٍّ، وسينزلق كثيرٌ منا إلى انتماءاتٍ تعود إلى ما قبل الدولة (الطائفة، أو القبيلة أو العشيرة أو المنطقة ... إلخ) أو سيهربون إلى انتماءات ما فوق الدولة (الانتماء إلى الإنساني العام الذي لا يجد تعيينًا له في الواقع) أو سينحصرون في انتماءاتٍ فرديةٍ أو أنانيةٍ ضيقةٍ لا تكترث كثيرًا وربما ولا قليلًا بالصالح العام أو بهمٍّ إنسانيٍّ مشتركٍ.

ففي الحالة العربية عمومًا والسورية خصوصًا، الوصول إلى تلك الديمقراطية المنشودة ليس مرتبطًا بإرادة الشعب فقط أو بالدرجة الأولى، بل هو، في الظرف الحالي، رهين إرادات قوى إقليميةٍ ودوليةٍ، لا تحظى المسألة الديمقراطية لهذا الشعب بمكانةٍ مركزيةٍ أو حتى هامشيةٍ في استراتيجياتها أو حتى تكتيكاتها العملية والنظرية.

وعلى هذا الأساس، يبدو أن الصراع من أجل الديمقراطية هو مشكلٌ ذو بعدٍ عالميٍّ، أكثر من كونه ذي بعدٍ محليٍّ، حتى في أكثر أشكاله محليةً.

 

حسام الدين درويش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

حسام الدين درويش باحث سوري مقيم في ألمانيا، حائز على شهادة الدكتوراه من قسم الفلسفة بجامعة بوردو 3 في فرنسا، تخصص "الهيرمينوطيقا ومناهج البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.  محاضر زائر في قسم الدراسات الشرقية  بكلية الفلسفة بجامعة كولونيا في ألمانيا، وباحث مشارك في مشروع "دراسة في القوة  التفسيرية" بجامعة ديسبورغ- إيسن، ألمانيا. مهتم كذلك بالفلسفة السياسية وفلسفة الاعتراف، وبإشكاليات وقضايا الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر. نشر كتابين باللغة الفرنسية، وكتابًا باللغة العربية (في موضوع الهيرمينوطيقا)، نشر عددًا من الأبحاث والدراسات المحكَّمة في مركز البحث والمجلات العربية، وعشرات المقالات في المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية والثقافية العربية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.