مأساة إبن رشد... مأساة العقلانية

الفيلسوف الراحل ابن رشد: "التجارة بالأديان هى التجارة الرائجة فى المجتمعات التى ينتشر فيها الجهل، إذا أردت أن تتحكم فى جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف دينى".
الفيلسوف الراحل ابن رشد: "التجارة بالأديان هى التجارة الرائجة فى المجتمعات التى ينتشر فيها الجهل، إذا أردت أن تتحكم فى جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف دينى".

ولئن كان يُنظر إلى ابن رشد على أنه يمثل تيار العقلانية في التراث العربي الإسلامي، فإنّ مآل هذا التيار، من خلال المأساة التي حاقت برائده، كان التقهقر، حيث سيطرت النظرة الأحادية المطلقة للدين والسياسة والمجتمع، وحوصرت التعددية، وقُمع الاختلاف، وكان المتضررَ الأكبر في هذا الصراع الطويل والمرير الشريعةُ ذاتُها، لأن النظر إلى خطاباتها ظل قاصرا عن تمثّل المعاني المجازية الكثيفة الرمزية، والتي لا يمكن فهمها وتدبّرها إلا بالنظر العقلي والاستبطان التأويلي الذي يجعل الخطاب القرآني مفتوحا أمام القراءات المتعددة الذي تحافظ على الحيوية الإيمانية، وتقرّب المعاني القرآنية من مدارك البشر على اختلاف الأزمنة وتلاحُق العصور.

لقد قاد ارتباط الديني بالسياسي وتداخلهما الشديد والكثيف، إلى بروز ظاهرة التطرّف في العالم الإسلامي، وكذلك ظاهرة الأصولية التي يتفتق عنها ما يسميه أنصاره "الإسلام الجهادي" وهو في الحقيقة "إسلام إرهابي" لأنه يتوسل أدوات متوحّشة وعنيفة  تصدر عن تصوّرات، مستمدة من التأويل المتعسّف للنصوص الدينية، تحث على تطبيق الإسلام بحد السيف، فضلاً عن تقسيم ذلك التصور الإصولي للعالم باعتباره فسطاطين: دار حرب، ودار سلام، على ما تنطوي عليه، هذه القسمة، من تهديد لمصالح ملايين المسلمين ممن يعيشون في بلاد الغرب، أو "دار الحرب"، بحسب الخطاب التكفيري الأصولي الذي يؤوِّل بعضَ الآيات القرآنية تأويلاً أيديولوجياً يخدم أغراضه السياسية، ومنافعه الآنية.

وإذا كانت أوروبا، أو الغرب بعامة، قد تمكن، بقدر كبير، من تجاوز هذا الاشتباك الضاري بين الديني والسياسي، من خلال ترسيم الحدود الفاصلة بين المعرفة العملية والمعرفة الدينية، وبالتالي تحديد العلاقة وضبطها بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، فإنّ العالم العربي والإسلامي لم يتمكن من ذلك الفصل النهائي بين الدين والسياسة.

فهل نحتاج إذاً، في هذه القنطرة الملتبسة، إلى مارتن لوثر إسلامي؟

 لقد قام بيننا قبل ثلاثة عقود ونيّف، مفكر مصريّ شجاع يدعى نصر حامد أبو زيد (10 يوليو 1943 - 5 يوليو 2010) دعا إلى "أنسنة" الخطاب الديني، كخطوة نحو تحرير هذا الخطاب من التفسيرات التعسفية والرؤى الأسطورية التي رانت عليه، ما أدى إلى نشوء الممارسات الغيبية، والتأويلات التي تخدم السلطات السياسية، وتقدم للاستبداد والجهل مبررات بقائهما واستمرارهما وتغولهما.

حاول مشروع أبو زيد التأويلي أن يَخلُص إلى صيغة تصل التراث الديني، بكل عناصره ومستوياته، بلحظة العيش الراهنة الآن وكذلك بالمستقبل، لأنه يعتقد أنّ الانقطاع عن الماضي يُعادل الإقامة فيه، وبالتالي لا بد من البحث عن آلية تقرأ الماضي، ما يجعله مستمراً في الحاضر، ودافعاً إلى الترقّي، وحافزاً على  الإصلاح والتمدّن.

وكان من المتوقّع، وهو ما جرى، أن يتلقّح هذا المشروع التأويلي بثيمات "تصادمية" مع السلطة الدينية والسلطة السياسية، وسلطة المثقفين الانتهازيين الذين خانوا ميراثهم التنويري، وأضحوا يقولون نصف الحقيقة، ويتواطأون مع قوى التخلّف والاستبداد، التي ترمي إلى جرّ المجتمعات إلى الاستسلام على المستوى السياسي، و"التأسلم" الملتبس الذي لا يفهم من الإسلام سوى القشور والطقوس والشعائر والأساطير التي لا تنشُد تغييراً، ولا تؤسس إصلاحاً.

موسى برهومة أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية في دبي
موسى برهومة أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية في دبي.

أبو زيد، بسبب هذا المشروع الثوري التنويري، اتُّهم بالزندقة والإلحاد والكفر، وقضت المحكمة، بتواطؤ من الأزهر، وحَمَلة المباخر، وحرّاس الخوف والجهل، بفصله عن زوجته ضمن "قانون الحسبة"، فترك بلده، ويمّم شطر هولندا، وظل يدرّس في جامعاتها، حتى آخر أيامه.

لقد كان أبو زيد مثقفاً عضوياً حقيقياً، وخاض معركة ضد قوى الظلام التي سعت إلى احتكار اليقين الديني، والنطق الحصري بلسان السماء، وعمل على تصديع المنظومة الرمزية التي يتخندق فيها أصحاب ذلك اليقين، وتشقيق التصورات الميتافيزيقية التي تسعى إلى شلّ إرادة الإنسان، وتحويله إلى تابع مذعن لسلطة دينية ذات مرجعيات أيديولوجية، وتطلعات سياسية تستخدم الدين لأغراضها البراغماتية.

لقد أدرك أبو زيد، مبكراً، هذه المعضلة، لذا مضى، بلا هوادة، يقترح قراءاته المثيرة للجدل للخطابات والنصوص الدينية، لإثبات أنّ الخطاب الإلهي ثابتٌ في منطوقه، لكنه متحركٌ في دلالاته، وبالتالي من حق المؤوِّلين الراسخين في العلم والمعرفة إنتاج شروط قراءة جديدة تنتقد شروط القراءة القديمة للخطاب الديني، بما يتواءم مع المتطلبات العصرية والحضارية.

نصر حامد أبو زيد يمكن أن نعدّه لوثراً إسلامياً. فهل ثمة من يمكنه دفع الثمن الباهظ، ومواصلة مسيرته في إصلاح الفكر الإسلامي، والدفع باتجاه قراءة جديدة للدين تضعه في أفق التحولات الحضارية، قبل أن تصبح لفظة "مسلم" وجهَ العملة الآخر للرجعية والتخلف والهمجية؟!

 

موسى برهومة

حقوق النشر: موقع قنطرة 2016

موسى برهومة كاتب عربي معروف يعمل أستاذأ للإعلام  في الجامعة الأمريكية بدبي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

تعليقات القراء على مقال : هل كان المفكر نصر حامد أبو زيد مصلحاً لوثراً إسلامياً؟

عرض الاراء الفقية المتعددة ف المسالة الواحدة
ة كما هو منهج الاستاذ الدكتور سعد الهلالىى يعنى ان المتلقى يعرف سماحة الدين و اليسر فية بدل الراى الاحادى الملزم الفرعونى لا اريكم الا ما ارى

ابو مازن14.11.2016 | 13:54 Uhr

طرح ما وجب علي ان اطرح منذ فترة طويلة. مع الاسف، ندرت مثل هذه المقالات في وقتنا هذا. اتساءل ان كان القراء فهموا حقاً كل ما قراوا!

ali madin23.11.2016 | 17:18 Uhr