"عين الحسود فيها عود" "عضة أسد ولا نظرة حسد" "دارى على شمعتك تقيد" أمثلة شعبيها ذاع سيطها فى الفترة الأخيرة، تنتقد انتشار ظاهرة الحسد بين المصريين ولكن بشكل ساخر ولطيف تعبر عن الروح الضاحكة فى السرد التى تميز بها المصريين عن غيرهم من المعالجين لهذه الظاهرة.
الإيمان بالغيب بوابة الأمان؟

"عين الحسود فيها عود"...الايمان بالغيبيات في مصر

خالد الخميسي يكتب: التنجيم والإخبار بالغيب وضرب الودع مهنة قديمة تعود إلى آلاف السنوات. لكن ما معنى الودع والوداعة؟

الإصابة بالعين، الأعمال السفلية، السحر، الرقية، الحجاب، الاطلاع على الغيب. كثيرا ما تقترن هذه المعاني في العالم الرسمي بالشعوذة والمكر والخداع، ولكنني التقيت في العالم الواقعي، في وسط مدينة القاهرة، بالعديد من المعارف والأصدقاء والأقارب الذين لجأوا إلى عرافين لمعرفة الطالع والمستقبل، أو لطرح أسئلة يمكن أن تحدد الإجابات عليها الطريق الذي يمكن أن يسلكوه.

ينتمي معظم هؤلاء لشرائح اجتماعية متعلمة تعليما راقيا، وتخرج بعضهم في مدارس وجامعات كبرى عبر العالم. كما استمعت إلى حكايات عديدة عن مسئولين سياسيين رفيعي المستوى لجأوا هم كذلك إلى من يمكنهم أن يساعدوهم في اختيار القرارات المناسبة.

أتذكر وأنا في مرحلة الصبا حالة الهلع التي أصابت زوجة قريب لي عندما فقد ابنها في المدرسة عين حورس التي كانت في سلسلة تحيط رقبته لحمايته من العين الشريرة، وكيف أسرعت في نفس اليوم لشراء عين حورس من الفضة وأتذكر كيف ارتاح بالها عندما وضع الابن عين حورس مرة أخرى حول رقبته.

لم أفهم حينها كيف يمكن لمحامية أن تتصور أن عين حورس يمكنها أن تقوم بدور الحامي. كما أتذكر أيضا وكنت ما زلت في مرحلة الصبا حوار بين جارتنا في البناية التي كنا نسكنها وبين أحد أفراد عائلتي، وجارتنا تؤكد أن هناك "عمل" يمنع ابنتها من الزواج، وأكدت أن من قام بالعمل هي والدة خطيب ابنتها بعد أن قطعت علاقتها بابنها.

"الإيمان في القوى الغيبية أكثر انتشارا مما كنت أتخيل"

ومع الزمن ذهبت حيرتي ذر الرياح بعد أن أدركت أن الإيمان في هذه القوى الغيبية أكثر انتشارا مما كنت أتخيل. وأن "الأعمال" الشريرة الذي يبحث ضحاياها عن طرق فكها أكثر من الهم على القلب. توقعت مع التقدم العلمي، وزيادة نسبة سكان المدينة عن سكان الريف، أن تختفي تدريجيا الاعتقادات أو الطقوس أو الشعائر التي يتم ممارستها نتيجة في الأصل للجهل بقوانين الطبيعة أو نتيجة للإيمان بالسحر أو الصدفة.

صحيح أنه عبر التاريخ الإنساني أنتج البشر عدد لا يحصى من المنتجات التي تحمي من الأخطار، التي تحيق بالبشر نتيجة لهذا الإيمان بالخرافة، فهناك العين الزرقاء للحماية من الحسد، وخمسة وخميسة، وتلطيخ الحائط بدم الأضحية لإبعاد الجن وخياطة جوارب الذين ماتوا حتى لا تهيم أرواحهم في عالم الأحياء والتأكد من عدم ترك حذاء مقلوب في المنزل، فهذا فأل سيء، إلا أنني توقعت أن هذا التيار سوف يندحر. وكم كنت مخطئا.

فيكفي أن نشاهد أحاديث بولا وايت، المستشارة الدينية أو الروحية لدونالد ترامب، رئيس أكبر دولة في العالم، وقد أعلنت في بعضها أن العناية الإلهية تقف مع رئيسها في كل ما يفعل، وعن ملائكة من إفريقيا ومن أمريكا الجنوبية أتت لمنح يد العون لترامب وهي تستمع لطبول الانتصار.

أو نقرأ عن عرافين أكدوا انتصار ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ثم تحدثوا بعد الإعلان الأولي عن نتيجة الانتخابات عن التزوير الفج ضد إرادة الله. وأن نتابع أحاديث رؤساء جمهوريات عن الحظ، والعين الحسود، وقوى الشر. هذا ما يطلق عليه التطير.

نقرأ عن كلمة التطير في لسان العرب: قال أبو عبيد: "الطائرُ عند العرب الحَظُّ أو البَخْتَ، كالتطير بصوت الغراب والبومة أو رؤيتهما، أو بشهر أو يوم، وسبب تسمية الحظ والتشاؤم والتفاؤل تطيرًا أن العرب في الجاهلية إذا خرج أحدهم لأمر قصد عش طائر فهَيّجه فإذا طار الطائر من جهة اليمين تيمن به ومضى في الأمر، ويسمون الطائر في هذه الحالة "السانح"، أما إذا طار جهة اليسار تشاءم به ورجع عمّا عزم عليه، ويسمى الطائر هنا “البارح”. والطائرُ الحَظُّ من الخير والشر، وقال عز وجل في سورة الإسراء: "وكلَّ إِنْسانٍ أَلْزَمْناه طائرَه في عُنُقِه". قيل حَظُّه، وقيل عَمَلُه، أي رزقه، وقيل للشُؤْم طائرٌ وطَيْرٌ وطِيَرَة.

"البخت يحفر هذه الأيام مجرى عميق في حياة بشر الكرة الأرضية"

ومن الواضح أن هذا البخت يحفر هذه الأيام مجرى عميق في حياة بشر الكرة الأرضية. أتذكر وأنا أشاهد مباريات التنس العالمية في مرحلة السبعينيات، كان اللاعبون يأخذون الكرة من الفتيان والفتيات، الذين يجمعون الكرات في ملعب التنس دون أن يفحصوا كل كرة لتأمل مدى تفاؤلهم أو تشاؤمهم منها، كانوا ببساطة يأخذون الكرة ويلعبون، ومع تقدم الزمن نجد اللاعبين اليوم يتأملون الكرات المتطابقة ويرفضون بعضها، ثم ومن جديد نراهم يتأملون الكرات الجديدة وكأن لديهم قدرات سحرية لمعرفة هل طائرها سوف يطير يسارا أم يمينا؟

"أبين زين، وأضرب الودع، وأشوف البخت". جمل ترددت من حولي كما تكررت في السينما المصرية. كم من أفلام شاهدنا في أحد مشاهدها امرأة تسير في الموالد الشعبية، لقراءة الطالع والتنبؤ بالمستقبل.

 

 

 

ولكن ما يتم نشره عبر الفنون أن من يؤمن بالعرافين والمنجمين هم من الشرائح السكانية الأقل تعليما، وهو أمر بعيد كل البعد عن الصحة، فهناك من جميع الشرائح الاجتماعية الذين يؤمنون بمثل هذه الأمور.

التنجيم والإخبار بالغيب وضرب الودع مهنة قديمة تعود إلى آلاف السنوات. لكن ما معنى الودع والوداعة؟ الودع كما هو معروف هو "نوع من أصداف البحر.

يعلق البعض الودع على أولادهم زعماً منهم أنه يقي من أذى الجن، أو يقي من عين الإنسان، وقد يعلقونه على البهائم. ويقال: وَدَّعَ الصبيَّ: أي وضَعَ في عنُقهِ الوَدَع. أما من تعمل بالتنجيم فهي توشوش الودع، وتضربه ليخبرها بأسرار القادم من الأيام.

ولكن هذه الكلمة أنبتت العديد من الكلمات البديعة الأخرى. "الوداع": "ودَّع أَباه عند سفره" من التوْدِيعِ. أي: جعل الوَدعَ في عُنُقه. و"مُوَدَّعُ" و"مَوْدُوع الشيء" أي صانَه في صِوانِه. و"الدَّعةُ والتُّدْعةُ" أي السكون، والخَفْضُ في العَيْشِ والراحةُ. و"الوَديعُ": الرجل الهادئ الساكِنُ.

ويقال ذو وَداعةٍ أَي ساكِن. وأَودَعَ الثوبَ: أي صانَه. ويقال: دَعْ هذا أَي اتْرُكْه في سلام. وتَوْدِيعُ المُسافِرِ أَهلَه إِذا أَراد سفراً: وهم يُوَدِّعُونه إِذا سافر تفاؤُلاً بالدَّعةِ. كلمة من أجمل كلمات اللغة العربية. فيها كما أسلفت الدعة والسكون والراحة والعهد والخفض والوقار والهدوء والصون.

فليجعلنا الله جميعاً من أهل الوداعة، على أن نأمل أن يتراجع هذا النهر، ويختفي الحوار عن دور الملائكة في حسم العمليات الانتخابية، وتسكت الصوات التي تتحدث عن الشر والحسد، وتعلو أصوات العقلانية.

 

خالد الخميسي

حقوق النشر: قنطرة 2020

خالد الخميسي روائي مصري، وكاتب، ومحاضر، وناشط ثقافي. تمحورت أعماله الروائية: "تاكسي"، و"سفينة نوح"، و"الشمندر" حول المجتمع المصري وتشريحه في نصف القرن الماضي. ترجمت أعماله الروائية إلى العديد من اللغات. نشر في عام 2014 كتابه الأول خارج فن الرواية: "2011 نقطة ومن أول السطر". تعرض مقالات الخميسي في مصر والخارج مزيجًا من خلفيته كمحلل سياسي وكاتب روائي.

 

..........

طالع أيضا:

خالد الخميسي يكتب: وطننا العربي يعاني من نظام غير متسامح مع الآخر 

"على الإنسان أن يكون إنساناً قبل أن يكون متديناً" ـ

لماذا فشل العالم الإسلامي وتقدم الآخرون؟

انفصام النخب العربية عن واقع الشعوب

.........

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة