الاتحاد الأوروبي وتونس

ضرورة تعزيز أوروبا لديمقراطية تونس الفتية

يشعر الكثيرون من التونسيين بخيبة أمل من الاتحاد الأوروبي. وينتقدون عدم رغبة الأوروبيين في جعل علاقاتهم التجارية مع تونس أكثر عدالة، حتى يحصل الاقتصاد التونسي على فرصة لينمو من جديد بشكل حيوي. الباحثة السياسية الألمانية إيزابيل شيفَر تسلط الضوء لموقع قنطرة على العلاقات الأوروبية التونسية.

تونس التي تعتبر آخر منارات الأمل المتبقِّية من الربيع العربي 2011، كانت البلد الوحيد الذي سار في طريق عملية الانتقال الديمقراطي الوعرة، والتي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

لقد تم تحقيق العديد من الخطوات في هذا البلد الشمال أفريقي بعد إسقاط زين العابدين بن علي، من بينها مثلًا: الدستور الجديد والانتخابات البرلمانية والرئاسية الحرّة والتعدُّدية الحزبية والحرِّيات السياسية؛ وفي الوقت نفسه توجد خطوات لا يزال العمل جاريًا على تحقيقها، مثل إنشاء محكمة دستورية مستقلة وإجراء انتخابات بلدية حرّة من المقرَّر أن تتم في شهر أيَّار/مايو 2018.

تفاقمت حالة التحوُّل الصعبة على أية حال في تونس بسبب وقوع سلسلة من الهجمات الإرهابية في عامي 2015 و2016. وعلى وجه الخصوص ازدادت حدة الوضع الاقتصادي وقد بدأ حاليا فقط في التعافي ببطء شديد. ولكن الوضع الاجتماعي لا يزال متوتِّرًا، وهذا ينعكس مرارًا وتكرارًا في اشتعال الاحتجاجات الاجتماعية، التي كان آخرها في شهر كانون الثاني/يناير 2018. وكذلك تتضرَّر الطبقة الوسطى من زيادة صعوبة الحياة اليومية منذ عام 2011، سواء من خلال زيادة الأسعار أو من استمرار معدلات البطالة المرتفعة.

Tunesiens Ministerpräsident Youssef Chahed; Foto: Getty Images/AFP
تجاهل سياسي: بما أنَّ الاتِّحاد الأوروبي قد وضع تونس في نهاية عام 2017 على قائمة الملاذات الضريبية، فقد شعرت بشكل خاص حكومة يوسف الشاهد بأنَّ هذا يُعَدُّ بمثابة عدم تقدير مرير أو بالأحرى عدم اعتراف بجهودها السابقة من أجل الإصلاح. ومنذ ذلك الحين أصبحت العلاقات التونسية مع بروكسل أكثر من متوتِّرة، حتى وإن كانت تونس تسعى الآن على المستوى الدبلوماسي للحدِّ من الأضرار.

ومن جانبها لا تسعى الحكومة التونسية -المتولية مهامها منذ شهر آب/أغسطس 2016 برئاسة يوسف الشاهد- فقط إلى احتواء الأزمة الاقتصادية والمالية، بل تسعى أيضًا -من خلال حملة- إلى التصدي لانتشار الفساد على نطاق واسع والحدّ من التهرُّب الضريبي الضخم. ولكن مع ذلك فإنَّ الكثيرين من التونسيين لا يرون في هذا الصدد أية نجاحات ملموسة أو تحسُّن في أوضاعهم المعيشية، بل يرون فقط حالة تدهور.

عدم تحقيق أية "عائدات ومكاسب ثورية"

وفي الوقت نفسه تزداد فيه باستمرار الأصوات التي تتذكَّر مع بعض الحنين إلى الماضي "أيَّام زمان الجميلة" المفترضة في عهد نظام زين العابدين بن علي السلطوي الفاسد، حيث تشعر قطاعات واسعة من المدنيين وكذلك من النخبة السياسية والاقتصادية بأنَّهم قدَّموا وما يزالون يقدِّمون تضحيات كبيرة من أجل عملية الانتقال الديمقراطي، ولكن حتى اليوم لم يتم تحقيق أية "عائدات ومكاسب ثورية".

وثمة شعور بأنَّ الاهتمام الدولي في مصير تونس قد انخفض، كما باتت تونس تشعر الآن بأنَّها تُركَتْ وحدها تواجه صعوبات ما بعد الثورة أو بالأحرى بات يتم انتقادها، بعد شعور النشوة العالمية الكبيرة بـ"الربيع التونسي".

وبما أنَّ الاتِّحاد الأوروبي قد وضع تونس في نهاية عام 2017 على قائمة الملاذات الضريبية، فقد شعرت بشكل خاص حكومة يوسف الشاهد بأنَّ هذا يُعَدُّ بمثابة عدم تقدير مرير أو بالأحرى عدم اعتراف بجهودها السابقة من أجل الإصلاح. ومنذ ذلك الحين أصبحت العلاقات التونسية مع بروكسل أكثر من متوتِّرة، حتى وإن كانت تونس تسعى الآن على المستوى الدبلوماسي للحدِّ من الأضرار.

وعلى الرغم من أنَّ هذا التصنيف السلبي قد تم إلغاؤه بالفعل في شهر كانون الثاني/يناير 2018، ولكن في شهر شباط/فبراير 2018 تلته الخيبة التالية عندما رفض البرلمان الأوروبي إزالة تونس من القائمة السوداء للدول الأكثر عرضة لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب. إنَّ مثل هذه الأخبار السيِّئة تمثِّل انتكاسة خطيرة بالنسبة للديمقراطية الفتية، التي لا تزال هشة وتكافح للتغلب على الأزمات الاقتصادية والمالية منذ الهجمات الإرهابية في عام 2015. لذلك اتَّخذ رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد عدة قرارات من بينها إقالة رئيس البنك المركزي.

Arbeitslose Jugendliche in Tunis; Foto: DW
انعدام متزايد للآفاق المستقبلية لدى جيل الشباب: تلاشى منذ فترة طويلة لدى الكثيرين من التونسيين الشعورُ بالأمل والنشوة الذي تملكهم في عام 2011. في استطلاع شهري أجرته مؤسَّسة "سيغما" التونسية للإحصاء، عبَّر فقط نحو ثمانية وعشرين في المائة من الأشخاص المستطلعة آراؤهم عن رضاهم عن الوضع في تونس. يرى معظم الناس في تونس أنَّ المشكلات الكبرى تكمن في ركود الاقتصاد واستمرار تفشِّي الفساد في البلاد.

اللجوء إلى أجهزة دكتاتورية بن علي؟

وفي هذه الأثناء أصبحت المخاوف من انهيار صورة تونس في العالم كبيرة جدًا بسبب قلة الاستثمارات الأجنبية وانخفاض أعداد السيَّاح، بحيث أنَّ "الوكالة التونسية للاتِّصال الخارجي" (ATCE) المرهوبة الجانب في عهد بن علي، يتم التخطيط الآن لإعادة إحيائها بهيكل مختلف.

كانت الوكالة التونسية للاتِّصال الخارجي تعمل كسلطة دعاية، وتقوم بقمع وسائل الإعلام المعارضة للنظام، وتشتري الصحفيين الأجانب، وتفرض رقابة شديدة على المعلومات حول النظام وحول تونس تجاه الدول الأجنبية (بما في ذلك مراقبة رسائل البريد الإلكتروني وتتبُّع عناوين الآي بي [العناوين الإلكترونية المتعلقة بمستخدمي الإنترنت]) وتتلاعب بهذه المعلومات.

بعد الثورة التونسية في عام 2011 تم حلّ الوكالة التونسية للاتِّصال الخارجي في عام 2012. وضمن هذا السياق يُحذِّر الصحفيون ونقابة الصحفيين "النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين" (SNJT) من عودة الأساليب القديمة. وفي الواقع إنَّ حرِّية الصحافة المكتسبة في عام 2011 ستكون مهدَّدة من خلال إعادة إنشاء الوكالة التونسية للاتِّصال الخارجي. وفي المقابل يشير ممثِّلو الحكومة التونسية إلى دول أخرى -مثل المغرب- تستثمر أيضًا في حملات دولية لتحسين صورتها.

تشكيل علاقات تجارية عادلة

وبصرف النظر عن ذلك، تسود في المجتمع الدولي -وكذلك في التغطية الإعلامية الدولية- صورةٌ تتسم إلى حدِّ كبير بالإيجابية والعرفان لتونس، وهذا ينعكس في الواقع أيضًا في الاستمرار الدائم في الموافقة على القروض والمساعدات من أجل التحوُّل الديمقراطي والصناديق أو البرامج الخاصة من جانب المانحين الدوليين وكذلك من جانب مؤسَّسات الاتِّحاد الأوروبي والدول الأعضاء في الاتِّحاد الأوروبي.

ولذلك يوجد قدر معيَّن من الاختلال بين الشعور بالظلم من جانب تونس وبين واقع الدعم المالي من قِبَل الاتِّحاد الأوروبي. ولكن مع ذلك يجب على الاتِّحاد الأوروبي أن يتساءل إن كانت العلاقات الاقتصادية والتجارية، التي يقدِّمها لتونس، تؤدِّي بالفعل إلى هدفها ولا تتشكَّل قبل كلِّ شيء من أجل مصلحته الخاصة.

يوجد بطبيعة الحال بين دول الاِّتحاد الأوروبي الثماني والعشرين (عدد سكَّانها خمسمائة وأحد عشر مليون نسمة) وتونس (عدد سكَّانها أحد عشر مليون نسمة) فوارق اقتصادية كبيرة وموازين قوى سياسية غير متوازنة. وهنا لا يتعلق الأمر بضرورة توفير الاتِّحاد الأوروبي ملايين من اليوروهات الإضافية من أجل الانتقال التونسي، بل يتعلق بكيفية التمكُّن من تخفيف عدم التوازن الهيكلي بشكل أفضل وبكيفية التمكُّن من تشكيل العلاقات التجارية بشكل أكثر عدالة، بحيث يحصل الاقتصاد التونسي على فرصة لينمو من جديد بشكل حيوي ومستدام، وبالتالي أيضًا ليواجه التحدِّيات الاجتماعية.

بيد أنَّ الاتِّحاد الأوروبي بات يريد من تونس على أبعد تقدير منذ أزمة اللاجئين والهجمات الإرهابية في أوروبا قبل كلِّ شيء توثيق التعاون أكثر في المسائل الأمنية وفي مكافحة الإرهاب وكذلك في "منع الهجرة". وهذا يُعزِّز من ناحية أخرى قوى النظام القديم في تونس ولا يعزِّز الديمقراطية الليبرالية الفتية.

 

 

إيزابيل شيفَر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

ar.Qantara.de

 

إيزابيل شيفَر باحثة سياسية ألمانية وأستاذة للعلوم السياسية بجامعة هومبولت في برلين.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة