الاحتجاجات السياسية في عهد السيسي

استراتيجية القمع الوقائي في مصر

ردَّت السلطات المصرية على المظاهرات في البلاد بقبضة حديدية صلبة، بعد أن كانت لا تزال قبل ذلك تتسامح بشكل مؤقت مع الاحتجاجات المعارضة. ويثير هذا التعامل المتناقض من قبل الأجهزة الأمنية المصرية مع الاحتجاجات العديد من التساؤلات. الصحفي سفيان فيليب نصر يسلط الضوء على ذلك من القاهرة لموقع قنطرة.

للمرة الأولى منذ اعتماد قانون التظاهر التقييدي في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2013 خرج في ظهر يوم الخامس عشر من نيسان/أبريل 2016 من جديد آلاف المعارضين المصرين إلى الشوارع وتظاهروا ضدَّ تسليم جزيرتين في البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية - ولكن أيضًا ضدَّ الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وبينما قامت قوَّات الأمن بفض معظم الاحتجاجات المنظمة في عموم البلاد بعد دقائق فقط من انطلاقها، تركت السلطات المصرية نحو ثلاثة آلاف متظاهر يتظاهرون في البداية أمام نقابة الصحفيين في وسط القاهرة. وفقط بعد بضعة ساعات  بدأ رجال الشرطة في فض هذا التجمُّع غير المُرَخَّص. حيث تم إطلاق الغاز المسيل للدموع على حشود المتظاهرين، وتم كذلك اعتقال عشرات الأشخاص. ولكن مع ذلك فقد تحلت الشرطة بضبط نفس نسبي في تعاملها ضدَّ المتظاهرين.

خنق المعارضة في مهدها

ونتيجة لهذا الفضاء الحُرّ غير المُتوقَّع تشجَّعت وحشدت العديد من جماعات المعارضة المصرية مثل حركة 6 أبريل وحركة الاشتراكيين الثوريين وكذلك الحزب الديمقراطي الاشتراكي للتظاهر في يوم الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2016. ولكن في هذه المرَّة راهن النظام على القمع الوقائي. وبات المرء يبحث من دون جدوى عن فضاءات حُرَّة - مثلما كانت الحال قبل ذلك بعشرة أيَّام. وصار يتم خنق أية محاولة لتنظيم احتجاجات في مهدها من قبل الشرطة ورجال المخابرات والمخبرين الذين يتجوَّلون في زي مدني.

أمَّا نقابة الصحفيين، التي تُعَدُّ واحدة من مناطق الاحتجاجات المعلن عنها قبل يوم، فقد تم إغلاقها بشكل تام قبل بدء المظاهرات. وفي محطة مترو البحوث في محافظة الجيزة ازدحم بالفعل قبل الظهر عناصر من المخابرات ومخبرون، كانوا يفحصون الهواتف المحمولة والكاميرات الخاصة بعابري السبيل والصحفيين، وكانوا يجبرونهم على حذف ما التقطوه من صور وتسجيلات ويبعدونهم من هذا المكان.

احتجاجات حاشدة ضَدَّ صفقة الجزيرتين المتنازع عليهما مع المملكة العربية السعودية - في الاحتجاجات ضَدَّ الحكومة المصرية تم في الخامس والعشرين من شهر نيسان/أبريل 2016 اعتقال مئات من الأشخاص بحسب معلومات ناشطي حقوق الإنسان. Foto: Getty Images/AFP/Stringer
احتجاجات حاشدة ضَدَّ صفقة الجزيرتين المتنازع عليهما مع المملكة العربية السعودية: في الاحتجاجات ضَدَّ الحكومة المصرية تم في الخامس والعشرين من شهر نيسان/أبريل 2016 اعتقال مئات من الأشخاص بحسب معلومات ناشطي حقوق الإنسان. حيث احتجزت قوَّات الأمن مائتين وثمانية وثلاثين شخصًا على الاقل، من بينهم أيضًا أجانب وناشطون وصحفيون، مثلما ذكرت منظمة العفو الدولية، ووصفت إجراءات الشرطة الصارمة بأنَّها "فعَّالة بطريقة قاسية".

وكذلك تم فض مظاهرات لبعض المئات من الناشطين في حي بولاق الدكرور وحي الدُّقي في محافظة الجيزة بعد دقائق فقط من بدء أعمال العنف. وعلى نحو مشابه سارت الاحتجاجات في أجزاء أخرى من البلاد. حيث تم اعتقال نحو ألف شخص، ولكن لقد تم الإفراج عن نصفهم بسرعة.

وفي الوقت نفسه لقد استهدفت قوَّاتُ الأمن بشكل خاص الصحفيين والصحافة. وبالإجمال تم احتجاز ثلاثة وأربعين صحفيًا خلال النهار. وفي حين تم في اليوم نفسه إطلاق سراح الصحفيين الأجانب الستة المعتقلين، لا يزال هناك سبعة صحفيون مصريون خلف القضبان حتى يومنا هذا. وفي هذه الأثناء قدَّم اتِّحاد الصحفيين شكوى لدى النيابة العامة بسبب التجاوزات والاعتداءات.

اشتباه بضلوع نشطاء حقوق الإنسان في الإرهاب

وحتى المحامون كان لهم نصيبهم من سياسة النظام المتشدِّدة. والكثيرون منهم منعوا من الوصول إلى مراكز الشرطة، وبالتالي فقد تم منعهم من الوصول إلى محاميهم. وعلى الأقل تم إصدار مُذكِّرات اعتقال ضدَّ اثني عشر محاميًا، بمن فيهم محامي حقوق الإنسان مالك عدلي. وفي حين أنَّ المنظمة غير الحكومية "جبهة الدفاع عن المتظاهرين المصريين" قد أحصت في الفترة بين الخامس عشر والسابع والعشرين من شهر نيسان/أبريل 2016 ألفًا ومائتين وسبعاً وسبعين عملية اعتقال، فقد فتحت النيابة العامة تحقيقات ضدَّ خمسمائة وسبعة وسبعين شخصًا، مثلما يذكر تحالف الناشطين.

وبعض هذه الإجراءات والتحقيقات تعتبر قضايا صعبة. فالتهم الموجَّهة إلى أحمد عبد الله، وهو رئيس "المُفوَّضية المصرية للحقوق والحُرِّيات" ECRF، تشمل بالإضافة إلى اتِّهامات مثل الدعوات إلى استخدام العنف ضدَّ الحكومة والشرطة ونشر أخبار كاذبة أيضًا اتِّهامات من الممكن في حالة إدانته أن يترتب عليها حكمٌ بالسجن من خمسة عشر إلى خمسة وعشرين عامًا.

فقد تم اتِّهام أحمد عبد الله بالانتماء إلى تنظيم إرهابي وبتقديم الدعم غير المباشر إلى جرائم إرهابية من خلال استخدام شبكة الإنترنت. وتم اعتقال المهندس أحمد عبد الله البالغ من العمر ستة وثلاثين عامًا - ضمن إطار موجة الاعتقالات الوقائية - من داخل منزله ومنذ ذلك الحين وهو يقبع في مركز الشرطة في منطقة التجمُّع الخامس في القاهرة.

Demonstranten vor der ägyptischen Botschaft im Fall des ermordeten Studenten Giulio Regeni; Foto: picture-alliance/dpa/M. Percossi
قتل غامض من خلال التعذيب: الإيطالي جوليو ريجيني البالغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا اختفى في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير 2016 في القاهرة وبعد تسعة أيَّام وُجِدَ مقتولاً. وكانت تظهر على جُثَّته علامات تعذيب شديدة، من بينها قلع أظافر يديه وقدميه. وكذلك تم قطع أذنيه. وفي وقت لاحق كانت قوَّات الأمن قد قتلت أربعة من أفراد عصابة، يُقال إنَّها كانت متخصصة في اختطاف الأجانب وإنَّها قتلت الطالب ريجيني. بيد أنَّ إيطاليا لا تُصدِّق هذه الصيغة.

وهذه التَّهم العشر المُوَجَّهة إلى المهندس أحمد عبد الله لا يمكن تجاوز سخافتها، مثلما ترى النائبة في البرلمان الاتِّحادي الألماني عن حزب الخضر فرانتسيسكا برانتنَر. وتقول إنَّ وضع أحمد عبد الله رهن الاعتقال الاحتياطي يُعتبر عملاً تعسفيًا يهدف إلى تكميم أفواه المعارضة المصرية وإسكاتها.

ويبقى السؤال هنا لماذا تم اتِّهام أحمد عبد الله بجرائم إرهابية. تعتقد خطيبته إسراء الشعلان أنَّ خلف هذه القضية توجد حملة لتشويه سمعته. وذلك لأنَّ الدليل الوحيد المقدَّم في جلسة الاستماع لم يكن سوى صورة تظهره في الاحتجاج أمام نقابة الصحفيين في الخامس عشر من نيسان/أبريل 2016، مثلما تقول.

وحتى المدير التنفيذي "للمُفوَّضية المصرية للحقوق والحُرِّيات" محمد لطفى، انتقد هذا الإجراء ضدَّ أحمد عبد الله. وحول ذلك يقول إنَّ "تهمة الإرهاب الموجَّهة ضدَّ أحمد عبد الله وغيره من الناشطين هي مهزلة وغير مدعومة بأية أدلة".

ومحمد لطفي يربط هذا الاعتقال مع القرار، الذي تم إصداره في البرلمان الأوروبي في مطلع عام 2016، والذي تمت فيه دعوة القيادة في القاهرة إلى الالتزام بمعايير حقوق الإنسان. وفي هذا القرار  -الذي تناول قضية طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني الذي تعرَّض في القاهرة للتعذيب حتى الموت وقد أثارت قضيته لدى الحكومة المصرية بعض الاستياء- تم وبشكل واضح ذكر المُفوَّضية المصرية للحقوق والحُرِّيات.

وعلى أبعد تقدير من خلال ذلك جعلت هذه المنطمة نفسها غير مُسْتَحَبَّة لدى الحكومة في القاهرة. وبالإضافة إلى ذلك فقد شاركت مؤخرًا المُفوَّضية المصرية للحقوق والحُرِّيات في بعض القضايا، التي إثارت قدرًا كبير من الاهتمام الدولي. وهذه المنظمة تعمل من أجل إطلاق سراح الطبيب أحمد سعيد المدان في عام 2015 بالسجن لمدة سنتين، وتدافع كذلك عن أسرة جوليو ريجيني في مصر، وذلك أيضًا لأنَّ السلطات الإيطالية لا تملك سوى فرص محدودة من أجل الوصول إلى الملفات في مصر. ولذلك فلن يكون من المستغرب كثيرًا اتِّخاذ إجراءات ذات دوافع سياسية ضدَّ المُفوَّضية المصرية للحقوق والحُرِّيات.

شقوق داخل "الدولة العميقة" في مصر

وفي هذه الأثناء تزداد الدلائل التي تشير إلى أنَّ الرئيس عبد الفتاح السيسي بات يتعرَّض وعلى نحو متزايد لرياح معاكسة من داخل صفوفه. إذ إنَّ القوى السياسية المقرَّبة من المحسوبين القدامى على الرئيس الأسبق حسني مبارك المخلوع في عام 2011، لا تُخفي معارضتها للسيسي. وحتى في الصحافة المقرَّبة من النظام تَنْصَبُّ الانتقادات على حكومته.

Al-Sisis bei König Salman in Saudi-Arabien; Foto: picture alliance/ZUMA Press
نجم السيسي بدأ بالهبوط: يتساءل الناشطون إن كان التعامل المتناقض من قبل الأجهزة الأمنية المصرية مع الاحتجاجات في الخامس عشر وفي الخامس والعشرين من شهر نيسان/أبريل له علاقة بالرفض والمعارضة في داخل النظام أم أنَّ تلك الاحتجاجات قد تم التسامح معها عن قصد، من أجل تقويض سلطة السيسي.

وعلى هذه الخلفية أيضًا أظهر الناشطون ارتيابهم إزاء الاحتجاجات الأخيرة - وذلك لأنَّ لا أحد يريد أن يدع نفسه يُسْتَخدم كأداة من قبل الكتل المعارضة للسيسي في جهاز السلطة من أجل صراع يدور على السلطة في داخل النظام.

ولهذا السبب أيضًا يتساءل الناشطون إن كان التعامل المتناقض من قبل الأجهزة الأمنية المصرية مع الاحتجاجات في الخامس عشر وفي الخامس والعشرين من شهر نيسان/أبريل له علاقة بالرفض والمعارضة داخل النظام أم أنَّ تلك الاحتجاجات قد تم التسامح معها عن قصد، من أجل تقويض سلطة السيسي. ومثل هذه التقديرات لا يمكن استنكارها واعتبارها غير معقولة، غير أنَّها تبقى الآن مجرَّد تكهُّنات.

"لا أعتقد أنَّ بعض أطراف النظام تحاول إسقاط السيسي. وصحيح أنَّهم يعملون بعضهم ضَدَّ بعض، ولكن في نهاية المطاف فإنَّ لا أحد يريد في داخل النظام تمهيد الطريق لثورة جديدة"، مثلما يقول ناشط بارز من حركة 6 أبريل لا يريد الكشف عن هويته. ولكن من الواضح أنَّ: نجم السيسي قد بدأ بالهبوط. وهنا من غير المؤكَّد فقط إن كانت توجد في داخل النظام أغلبية من أجل استبداله عاجلاً أم آجلاً بشخص أقل استقطابًا.

 

سفيان فيليب نصر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة  ar.qantara. de 2016 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.