الفساد المستوطن

وقال السيستاني (في خطاب ألقاه ممثِّل المرجعية): "لم تستجب الحكومة والأطراف السياسية لمطالب الشعب بشأن محاربة الفساد أو تحقيق أي شي على أرض الواقع". وهذا دليل واضح على أنَّ قادة المرجعية الشيعية في العراق يجب عدم اعتبارهم تلقائيًا كدمى في يدّ إيران المجاورة.

أمَّا رجل الدين الشيعي والسياسي المؤثِّر مقتدى الصدر، الذي أثبت مرارًا وتكرارًا قدرته على تعبئة الشيعة الفقراء بشكل خاص وإنزالهم إلى الشوارع، فلم يقف حتى الآن بشكل مباشر خلف الاحتجاجات، ولكنه دعا إلى مقاطعة البرلمان حتى تُقَدِّم الحكومة خطط إصلاح يقبلها الناس.

وأخيرًا وليس آخرًا فإنَّ هذه الاحتجاجات تخرج في وقت يخشى فيه كثير من العراقيين إمكانية اندلاع الصراع بين الولايات المتَّحدة الأمريكية وإيران في العراق أيضًا. وفي هذا الصدد يقول العراقيون: "عندما يتصارع فيلان فإنَّ العشب يعاني من هذا الصراع". وهم لا يرغبون في أن يتم دوسهم بالأقدام.

من الممكن أيضًا النظر إلى المظاهرات المستمرة في العراق على أنَّها جزءٌ من حركة احتجاجات جديدة خاصة بالشباب في العالم العربي، نشأت أيضًا نتيجة لعوامل اجتماعية واقتصادية - سواء في الجزائر أو السودان أو مثلما حدث خلال الأسابيع الأخيرة في مصر أيضًا.

المزيد من المقالات التحليلية من موقع قنطرة:

تعدد الأديان والطوائف في العراق - حوار مع الخبير سعد سلوم

الانتقام لا يؤسس لدولة القانون والعدالة

حوار مع الباحث الألماني المرموق أودو شتاينباخ

التطبيع مع العنف وموت السياسة في العالم العربي

ضعف الوعي بالحقوق الإنسانية والحريات الأساسية بين النخب

رغم الاستبداد والتطرف الديني...توق العرب والمسلمين الى الحرية وتحقيق الديمقراطية

 

 

ما بعد الاحتلال الأمريكي والصراعات الطائفية

لم يحدث في العراق "ربيع عربي" مثلما حدث في دول عربية أخرى عام 2011. ويعود سبب ذلك إلى أنَّ العراق لم يتعافَ بتاتًا من حكم صدام حسين ومن الاجتياح والاحتلال اللاحِقَيْن من قِبَل للولايات المتَّحدة الأمريكية والحرب الأهلية ومن ثم الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". وفي جميع هذه المراحل لم تتوفَّر لدى العراقيين أية لحظة ليتنفَّسوا بحرِّية ويلتفتوا إلى المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

 

رجل الدين والزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر .  AFP/Getty Images
طلقة تحذيرية موجَّهة ضدَّ الحكَّام في بغداد: دعا رجل الدين والزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر في بيان له الحكومة العراقية إلى الاستقالة والتحضير لإجراء انتخابات مبكِّرة بإشراف الأمم المتَّحدة. وأعلن أعضاء كتلته "سائرون" - وهي الكتلة الأقوى في البرلمان العراقي وتضم أربعة وخمسين نائبًا - عن تجميد عضويَّتهم في البرلمان. من شأن دعوة الصدر إلى استقالة الحكومة أن تدعم المتظاهرين وتثير نقاشات في البرلمان.

 

لقد فقدت كلُّ حركة إصلاح محلية مصداقيَّتها، لأنَّ قوة الاحتلال الأمريكية كانت دائمًا تجادل بأنَّها تريد جلب الديمقراطية والإصلاح إلى العراق - على الرغم من جميع الكوارث التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق. كان العراقيون منشغلين بالقتال ضدَّ القوَّات الأمريكية في البلاد وفي وقت لاحق ضدَّ بعضهم على طول خطوط الصراع الطائفية.

من سخرية القدر أنَّ هذه الاحتجاجات الحالية يمكن تفسيرها أيضًا على أنَّها دليل يشير إلى تطبيع السياسة في العراق. وذلك لأنَّ العراقيين عادوا الآن مع نهاية الحرب على داعش إلى التفكير في مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية. الإرهاب والصراعات الطائفية بين الشيعة والسنة، التي سيطرت على البلاد طيلة سنين، باتت تتراجع من الآن فصاعدًا إلى الخلفية.

وبدلًا من أن يتبع العراقيون - مثلما كانوا يفعلون في السابق - الدعوة إلى المطالبة بسيادة الدولة على خلفية الاحتلال الأمريكي أو ينقسموا إلى سُنّة وشيعة، فقد باتوا الآن يطالبون قيادتهم السياسية قبل كلِّ شيء بأمرين رئيسيين: حقوقهم الاجتماعية ودولة قادرة على القيام بمهامها.

 

كريم الجوهري

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.