المثير للاهتمام هنا هو أن المظاهرات ليست موجهة ضد الطغاة وحدهم، بل – كما تظهر المظاهرات في لبنان والعراق – ضد الأنظمة التي تتيح للجماعات الطائفية والأحزاب الهيمنة على المشهد السياسي. فعلى مدى عقود، قيل للناس هناك إن هويتهم الدينية هي العامل الأهم في السياسة، سواء أكانوا سُنَّة أم شيعة أم مسيحيين. 

لكن الآن بدأ الناس يرون أن هذه الأحزاب المبنية على الهوية الدينية تمارس التربُّح وقادت إلى ما يشبه اقتصاد محسوبية طائفي، حيث تمتلك أحزاب طائفية معينة مناصب وزارية وتتحول فيما بعد إلى استحقاق تلقائي له. 

الآن يتظاهر الناس في هذه الدول سويةً من أجل دولة فاعلة ومن أجل نظام محاسبة ومساءلة للحكام، وضد قياداتهم الطائفية. الحاجات الاقتصادية والمجتمعية انتصرت على النقاش حول الهوية الدينية. 

القمع رد فعل الحكام 

إجابات الدول العربية تظهر ضعفها بشكل جلي: فقد لجأت إلى القمع. ففي العراق، أطلقت المليشيات الشيعية النار على المتظاهرين الذين خرجوا في المناطق الشيعية في أنحاء البلاد للاحتجاج على فساد تلك المليشيات. 

 

احتجاجات ضد الحكومة في لبنان.  Foto: Getty Images/AFP
الاحتجاج على نظام الجمود السياسي: شهد لبنان احتجاجات عارمة ضد الحكومة ورئيس الوزراء (الذي استقال) سعد الحريري. شرارة تلك الاحتجاجات كانت الإعلان عن إجراءات تقشفية وزيادة في الضرائب. يطالب المتظاهرون باستقالة الحكومة وإنشاء نظام سياسي جديد. السياسة اللبنانية يقررها نظام محاصصات طائفي يوزع السلطات بين طوائف البلاد. يمر البلد بأزمة اقتصادية ولديه أحد أكبر معدلات الدين العام حول العالم.

 

في مصر، بدا النظام خائفاً للغاية من أي انشقاق، لدرجة أن الشرطة بدأت منذ أسابيع في إيقاف الناس في الشارع والطلب منهم فتح هواتفهم الذكية للبحث فيها عن مواد معارضة للنظام. ومن كان يمتلك تلك المواد على هاتفه، يتم اعتقاله، مثله مثل من يرفض فتح هاتفه للشرطة. 

تتحدث منظمات حقوق الإنسان المصرية عن أكثر من 4000 "اعتقال هاتف". لدى الأنظمة العربية في هذا الصدد مشكلة جذرية: القمع فعال، ولكنه لا يدوم، وخاصة عندما تبقى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بدون حلول. 

الثابت الآن، سواء في لبنان أو العراق أو الجزائر أو السودان أو مصر، هو أن الأنظمة والأحزاب الطائفية وأجهزتها الأمنية لم تعد تقرر ما يفكر به الشعب وما يقوله. في شبكات التواصل الاجتماعي، أصبح النقاش السياسي الناقد أمراً مسلماً به، وبات ينتقل بسلاسة من الإنترنت إلى المقاهي. 

وعندما يخرج المارد من القمقم، لن يتمكن أي حاكم مستفرد بالسلطة أو مؤسسة عسكرية أو حزب طائفي من إعادته إليه. وهنا تبدأ عملية التغيير مسيرتها التي لا تعترف بفصول السنة. 

 

 

كريم الجوهري 

ترجمة: ياسر أبو معيلق 

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.