وثانياً، بينما نجد شرعية الحكم المصري المستمد من انقلاب البكباشي عبد الناصر باسم "ثورة 23 يوليو"، وشريعة حكم العقيد القذافي المستمد من انقلابه العسكري في الفاتح من سبتمبر 1969، وشرعية حكم الفريق حافظ الأسد الانقلابي المورَّث عائليا وطائفياً لابنه بشار طبيب العيون، فإن الحبيب بورقيبة جاء للحكم مؤسساً تونس الحديثة من النضال السياسي المدني، زمن تصفية الاستعمار في منتصف القرن العشرين. 
 
كان بورقيبة محامياً. درس في فرنسا وتزوج أثناء دراسته بفرنسا من فرنسية أرملة كولونيل في الجيش الفرنسي. وهو لم يكن ديمقراطياً بطبيعة الحال. كان ديكتاتوراً علمانياً (حداثياً) مولعاً بأتاتورك الذي فرض على الأتراك حداثة فوقية بإيديولوجية علمانية متطرفة لا تفصل الدين عن الدولة فحسب، إنما تتعمد اجتثاثه من المجتمع. بينما كانت رؤية بورقيبة العلمانية إصلاحية تقر دستورياً بالإسلام ديناً للدولة.

البرلمان التونسي.
توافق خصمين إيديولوجيين لدودين برعاية المجتمع المدني: الخصمان اللدودان حركة النهضة الإسلامية وحركة نداء تونس العلمانية (ممثلتا الثورة والثورة المضادة) فاجأتا الجميع عندما توافقتا (تنافعاً) على تشكيل حكومة مشتركة.

{تجربة تونس الديمقراطية الفذة من شأنها إخراج العرب من فضحيتهم التاريخية الاستبدادية. نجت تونس بربيعها من براثن الفوضى الدامية كما في ليبيا وسوريا واليمن، ومن حكم العسكر كما في مصر، لكن هذا لا يعني أن تونس معفية من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصاية.} 

وهو وإن أمر بإغلاق الجامعة الزيتونية وأبطل التعليم فيها أحدث باسمها جامعة عصرية تقوم على التعليم المجاني والإلزامي الموحد بمناهجه الحديثة النوعية باللغتين العربية والفرنسية حيث خصصت الدولة نسبة ثلاثين بالمائة من الميزانية للتعليم مقابل تدني ميزانية الدفاع والأمن.

وهكذا لعقود تشكّل المجتمع التونسي من منظور رؤية بورقيبة للعلمانية والتحديث العصري. توسعت طبقة وسطى وتقوت في مدن الساحل والوسط حيث تمتعت النساء بحقوق عصرية تقدمية مجافية للفقه الذكوري فيما بَقِيَتْ أرياف الجنوب وحواضره مهمشة تنموياً ومحافظة اجتماعياً وتنزح سكانياً إلى أحزمة البؤس حول المدن الكبرى بمزيد البطالة. 

عقلانية خطاب الإسلام السياسي التونسي

ثالثاً، خطاب الإسلام السياسي التونسي لحركة النهضة مفارق، من عدة نواحي مائزة، للخطاب الإخواني المصري التقليدي وفروعه في ليبيا وسوريا واليمن ألخ. مصادر الفقه الديني المحلي لفكر حركة النهضة متأتية من الإسلام الزيتوني نسبة إلى جامع/ جامعة الزيتونة (تأسست عام 737 م ـ 120هـ). من أعلامها التاريخيين ابن خلدون. 

واحتضنت في العصر الحديث رموزاً بارزة في حركة الإصلاح الإسلامي التنويري مثل عبد العزيز الثعالبي (1876 م - 1944 م) داعية الإصلاح الديني والتجديد الحضاري ومقاومة الاستعمار. والطاهر الحداد (1899 ـ 1935) صاحب كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". محمد الطاهر بن عاشور (1879-1972) صاحب كتاب "تفسير التحرير والتنوير"، وإليهم الشيخ/ الشاعر الفذ أبو القاسم الشابي (1909 - 1934م) صاحب: إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلابد أن يستجيب القدر (نشيد الربيع العربي). 

ثم أن قيادات حركة النهضة وكوادرها تلقوا تعليمهم في معاهد وجامعات دولة بورقيبة العلمانية. وزدّ على ذلك عاش الكثير منهم في الغرب لاجئين سياسيين لسنوات طويلة متعاطين مع الحياة والثقافة الفرنسية أو الإنكليزية. وبذلك لم يكونوا تنظيما منغلقا على غموضه كما هو حال محفل المركز الإخواني في مصر. 

رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي.
"لا تسمونا إسلاميين بل ديمقراطيين مسلمين": تنبهت حركة النهضة إلى مآل نكبة إخوان مصر. فلجأت سيما بعدما خسارتها الانتخابات لصالح حركة "نداء تونس" إلى مراجعة تصوراتها الشمولية لتغيير المجتمع لتفرض التغيير على نفسها كي يقبلها المجتمع، معلنة، في مؤتمرها العام عن توجهها للخروج "من الإسلام السياسي لتدخل في الديمقراطية المسلمة".

{امتازت قيادة حركة النهضة بعقلانية سياسية براغماتية تمكنها من تقديم التنازلات وعقد التسويات ومرونة التراجع وحتى مراجعة إيديولوجيتها.}

امتازت قيادة حركة النهضة بعقلانية سياسية براغماتية تمكنها من تقديم التنازلات وعقد التسويات ومرونة التراجع وحتى مراجعة إيديولوجيتها. فعندما اغترت بقوتها بعد وصولها للحكم في انتخابات أكتوبر 2011 أظهرت لخصومها العلمانيين نزوعها إلى تسييد مشروعها الإيديولوجي الديني في هياكل الدولة ومفاصل المجتمع برسم الأسلمة، فقامت ضدها موجات احتجاج سياسي واجتماعي واسعة من أحزاب المعارضة العلمانية ومنظمات وهيئات المجتمع المدني، وفي الطليعة النساء التونسيات اللواتي خشين أن يخسرن مكتسباتهن التحررية المصانة بالتشريعات والقوانين التقدمية عبر نصف قرن. 

"لا تسمونا إسلاميين بل ديمقراطيين مسلمين"

ثم أن حركة النهضة تنبهت إلى مآل نكبة إخوان مصر. فلجأت سيما بعدما خسارتها الانتخابات لصالح حركة "نداء تونس" إلى مراجعة تصوراتها الشمولية لتغيير المجتمع لتفرض التغيير على نفسها كي يقبلها المجتمع، معلنة، في مؤتمرها العام عن توجهها للخروج " من الإسلام السياسي لتدخل في الديمقراطية المسلمة". 

وتسمية "الديمقراطية المسلمة" مستقاة من أدبيات حزب العدالة والتنمية التركي. بل نجد راشد الغنوشي يصرح: "لا تسمونا إسلاميين بل ديمقراطيين مسلمين ..." وهي عبارة مأخوذة، حتى لا نقول مسروقة، حرفياً من تصريح لعبد الله غول شريك إردوغان في حركة الانقلاب الإيديولوجي على جناح القيادة الإخوانية التقليدية لحزب "الفضيلة" المعروفين بأصحاب اللِّحى وتأسيس حزب (العدالة والتنمية) الملتزم بعلمانية الدولة، حيث قال غول أثناء المنافسة الانتخابية عام 2002: "لا تسمونا إسلاميين. نحن حزب أوروبي محافظ حديث.لا نعترض إذا وُصِفْنا بأننا ديمقراطيون مسلمون، على غرار الديمقراطيين المسيحيين في الأقطار الأوروبية الأخرى".

 الجنرال رشيد عمار قائد أركان الجيش التونسي.
"أحب أن يكون بلدي ديمقراطيا": رفض قائد الجيش الجنرال بن عمار أوامر الرئيس بن علي القاضية بإشراك الجيش إلى جانب قوات الأمن في قمع الاحتجاجات، كما رفض فكرة الاستيلاء العسكري على مقاليد الدولة، قائلاً: "قيل لي إذا لم تتسلم أنت السلطة فحزب النهضة سيتسلمها، فقلت لهم أحب أن يكون بلدي ديمقراطيا وفيها الحريات...لنجري الانتخابات وتأتي النهضة أو غيرها".

{رفض الجيش التونسي إشراك الجيش إلى جانب قوات الأمن في قمع الاحتجاجات، كما رفض فكرة الاستيلاء العسكري على مقاليد الدولة.}

والشاهد في الختام أن نجاة تونس بربيعها من براثن الفوضى الدامية كما في ليبيا وسوريا واليمن، أو حكم العسكر الشنيع كما في مصر، لا يعني أنها معفية من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكنها تبقى في كل الأحوال تجربة فذة لخروج العرب من فضحيتهم التاريخية (طبائع الاستبداد الشرقي)، وهي تتجه نحو قوننة وثيقة الحريات السياسية التي تتجاوز مفاهيم الإصلاح، والتحديث، وثنائية الأصالة والمعاصرة، إلى مشروع التأسس السوسيوثقافي في مفهوم الحداثة وما بعدها.

 

 
فرج العشة 
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

فرج العشة كاتب ومحلل سياسي ليبي. 

 

الرئيس التركي السابق عبد الله غول والرئيس التركي الحالي رجب طيب إردوغان.
تسمية "الديمقراطية المسلمة" مستقاة من أدبيات حزب العدالة والتنمية التركي: نجد راشد الغنوشي يصرح: "لا تسمونا إسلاميين بل ديمقراطيين مسلمين ..." وهي عبارة مأخوذة، حتى لا نقول مسروقة، حرفياً من تصريح لعبد الله غول شريك إردوغان في حركة الانقلاب الإيديولوجي على جناح القيادة الإخوانية التقليدية لحزب "الفضيلة" المعروفين بأصحاب اللِّحى وتأسيس حزب (العدالة والتنمية) الملتزم بعلمانية الدولة، حيث قال غول أثناء المنافسة الانتخابية عام 2002: "لا تسمونا إسلاميين. نحن حزب أوروبي محافظ حديث.لا نعترض إذا وُصِفْنا بأننا ديمقراطيون مسلمون، على غرار الديمقراطيين المسيحيين في الأقطار الأوروبية الأخرى".

{تسمية "الديمقراطية المسلمة"، أي: تسمية "الديمقراطيين المسلمين" بدلا من تسمية "الإسلاميين": مستقاة من أدبيات حزب العدالة والتنمية التركي الملتزم بعلمانية الدولة.}
 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
تنظيم "الدولة الاسلامية" | داعش، تداعيات هجمات 11 سبتمبر على الغرب والعالم الاسلامي ، عبد ربه منصور هادي، عبد الوهاب المؤدب، ‏عبد الفتاح السيسي، ‏القاعدة، جامع الزيتونة، ‏علي عبد الله صالح، الربيع العربي، الثورات العربية، نظام الأسد، صراع الحضارات أو صدام الحضارات، الاستعمار | الحقبة الاستعمارية، المحاصصة الطائفية، الديمقراطية والمجتمع المدني، ثورة 25 يناير 2011، الجيش المصري، التنوير / عصر الأنوار ، ‏حركة النهضة، جمال عبد الناصر | الناصرية، حماس، حزب الله، الحوثيون في اليمن | حركة أنصار الله ، الحرب على العراق 2003، الاسلاموية / الاسلام السياسي، حزب العدالة والتنمية التركي، ليبيا بعد القذافي، محمد مرسي، نظام مبارك، حزب "نداء تونس"، الصراع على السلطة في مصر بعد مرسي، راشد الغنوشي، الأصولية والتشدد الديني ، رجب طيب أردوغان، الثورة التونسية، السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، نظام زين العابدين بن علي
كل ملفات قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.