غلاف النسخة العربية لكتاب المستعرب الألماني توماس باور "ثقافة الالتباس - نحو تاريخ آخر للإسلام".
الاستعراب الألماني في القرن الـ21

كتاب "ثقافة الالتباس": نقد أسلمة الإسلام الغربية

قراءة الكاتب إبراهيم مشارة لموقع قنطرة في كتاب المستعرب الألماني توماس باور "ثقافة الالتباس - نحو تاريخ آخر للإسلام": كتاب جاد ورصين يعد استمرارا للجهد الألماني في مقاربة الإسلام والثقافة العربية منذ الرعيل الأول من عمالقة الاستشراق، إذ اختط لنفسه طريقا مختلفا في مقارباته للفكر الإسلامي والتراث العربي.

توماس باور المستعرب الألماني اختط لنفسه طريقا مختلفا إذ حاول أن يقدم إضافات جدية في مقارباته للثقافة العربية وللفكر الإسلامي.

وهي تتسم بشيء غير قليل من الروح الموضوعية والبعد عن الرؤية الاستشراقية التي اتسمت بها الدراسات الغربية للإسلام عموما والتي كانت محل نقد من قبل المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد.

تلك الدراسات والمقاربات التي تمتلك أفكارا قبلية وخلفيات إيديولوجية ذات طابع استعلائي ومركزية ومساع تبشيرية عند بعض منهم لا تخفى بررت ربما الهيمنة وتعاونت معها بل كان بعضها خارطة طريق هذه الهيمنة.

"الاستعراب الألماني الأكثر قربا من الموضوعية"

ربما كان الاستعراب الألماني أكثرها قربا من الموضوعية وروح البحث ربما لأن ألمانيا لم تكن دولة إمبريالية مثل فرنسا وإنكلترا مثلا.

فهاتان الدولتان اقتسمتا العالم العربي برمته بعد تقسيم تركة الرجل المريض، هذا الاستعمار الذي عانى العرب منه الويلات ولا يزال يعاني من مخلفاته إلى اليوم.

إذْ كان باور امتدادا للمدرسة الاستعرابية الألمانية التي كان من رموزها بروكلمان ويوسف شاخت وآدم ميتز وسيغريد هونكه وفلايشر وفلوغل.

وهو متميز أكثر بجدية الطرح وفرادة الرؤية، وليس معنى ذلك عدم وجود ثغرات في الاستعراب الألماني وتحيز عند بعضهم  وربما استعلاء غير قليل عند بعضهم الآخر ولكن الطابع العام هو طابع البحث الرصين والرغبة في مقاربة الحقيقة واكتشافها عبر النصوص العربية الإسلامية والعمران والآثار عامة.

إبراهيم مشارة - كاتب جزائري.
إطناب في مدح التراث العربي الإسلامي: يرى الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة أنه لا شك أن النقد الذي يوجه إلى كتاب المستعرب الألماني توماس باور "ثقافة الالتباس نحو تاريخ آخر للإسلام" هو أنه قد يُشعِر المسلمين بالكمال والعصمة والسلامة من كل أذية والرضا عن أنفسهم مادام الكاتب قد أطنب في مدح التراث العربي الإسلامي والإشارة إلى تعدد القراءة فيه وانفتاحه على التأويل، في حين أن الواقع العربي والإسلامي بعيد عن الأخذ بأسباب القوة والنهضة وأولها غياب الفكر العلمي بمفهومه الكونتي وانتشار فكر ديني سلفي في الغالب وغياب الفكر العلمي والشفافية في تسيير الشأن العام وذلك يزيد من أزمة الأمة ووقوعها فريسة للتخلف والانحطاط والتبعية. ويرى إبراهيم مشارة أن الاستعراب الألماني الأكثر قربا من الموضوعية، لكنه يستدرك: ليس معنى ذلك عدم وجود ثغرات في الاستعراب الألماني وتحيز عند بعضهم وربما استعلاء غير قليل عند بعضهم الآخر ولكن الطابع العام هو طابع البحث الرصين والرغبة في مقاربة الحقيقة واكتشافها عبر النصوص العربية الإسلامية والعمران والآثار عامة.

فكثير من المخطوطات وكنوز الثقافة العربية من أدب بشعره ونثره ومؤلفات في العلوم الإسلامية كان للألمان فضل تحقيقها وإخراجها إلى العالم.

كما كان لبحوثهم وتنقيبهم في العمران والآثار ومنهجيتهم الجادة والرصينة فضل في كشف روائع هذا التراث.

ليس غريبا إذاً طابع الاحتفاء والتقبل الذي يبديه المجتمع الألماني للمسلمين في ألمانيا وكأن الألمان يطبقون فعليا تلك المقولة الما بعد حداثية والتي تفيد بأن الهوية تغتني بالآخر بل وتجد معناها في الآخر المختلف.

وانعكس ذلك على السياسة الألمانية التي تحسن التعامل مع المسلمين المقيمين على أراضيها بصفتهم مواطنين أو مقيمين.

ولا يعني هذا عدم وجد مشاكل مع اليمين [المتطرف] مثلا ونزعته العدائية ولكنه يبقى يمينا مدانا من قبل الألمان أنفسهم.

هكذا إذاً يستلهم الألمان المعاني التي نوه بها أديبهم الكبير غوته في مؤلفه الكبير الديوان الشرقي.

يأتي كتاب باور" ثقافة الالتباس نحو تاريخ آخر للإسلام" ليضيف لبنة في مقاربة الإسلام والعنوان ذاته يحيل على فكر مغاير ومقاربة مختلفة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العنوان عتبة أولى للمضمون "تاريخ آخر للإسلام" يعني بالتضاد أن هناك تاريخا رسميا أكاديميا هو غير ما يقصده الكاتب وهو التاريخ الذي صاغته الرؤية الاستشراقية الغربية ذات الطابع المركزي.

كتاب ضخم نسبيا في 478 صفحة نشرته دار الجمل في ألمانيا وبتعريب رضا قطب، لقد انطلق الكاتب من مقولة لعالم فيزياء الكم ماكس بورن التي يقول فيها: (أعتقد أن أفكارا مثل الصواب المطلق والدقة المطلقة والحقيقة النهائية ... إلخ هي لوثات عقلية  لا ينبغي أن تمرر في أي علم ... إن هذا التبسيط للتفكير يبدو لي أكبر بركة جلبها لنا العلم الحديث والاعتقاد بامتلاك الحقيقة الوحيدة ومعتنقيها  هي الأساس العميق لكل الشرخ في العالم".

نقد للمركزية الغربية

هذه المقولة التي يقتبسها باور من بورن تعد نقدا للمركزية الغربية في الصميم فهي التي تدعي امتلاك الحقيقة وأن ما عند الآخرين لا يعدو عن أن يكون شيئا تاريخيا في تطور الفكر الإنساني والحضارة تجاوزها الزمن.

فالحداثة الغربية هي المركز وهي المتن وما عداها هامش لايؤبه له، ولا يمكن أن يشكل سوى عقبة كأداء في مزيد من التقدم والرخاء الإنساني.

العنوان ذاته عنوان ثوري فماذا يعني بثقافة الالتباس؟

إنه يعني أن الإسلام وهو يقصد المرحلة التي تمتد بين العصر العباسي حيث خصه الكاتب بفقرات قليلة ثم عصر السلاجقة مرورا بالمماليك وعصر العثمانيين والتي تقابل عند الأوروبيين ما يعرف بالعصور الوسطى قد عاش في ظل تعدد المعنى وأن ما يبدو تناقضا أو التباسا عاش إلى جنب مع المتداول في الإسلام، هكذا استوعب الإسلام الفرق والمذاهب الإسلامية والصوفية  والأفكار الأدبية والرؤى الشعرية المتسمة بالحرية الفردية ونزعة الاستمتاع بالحياة جنبا إلى جنب مع الأفكار التي توسم بالأصولية.

فالشعراء والفقهاء والمتصوفة وأرباب الفرق والمذاهب الفقهية والفكرية كلها عاشوا في ظل تعدد المعنى وفي دوحته ويحظى كل بالقبول في المجتمع الإسلامي، في الوقت الذي كانت أوروبا في العصر الوسيط تعيش بمنطق الواحدية ورفض الآخر والعصبية المذهبية.

انفتاح على الآخر في ظل الإسلام يعود إلى القرآن

هذه المرونة والديناميكية والانفتاح على الآخر المختلف في ظل الإسلام تعود بالدرجة الأولى إلى القرآن ذاته النص الأول المؤسس للفكر والحضارة الإسلامية.

إن القرآن الكريم كما يرى الكاتب نص مفتوح قابل للقراءة المتعددة ولا تُستنفد معانيه بالتفاسير.

إن القراءات السبع أو العشر مثلا ليست راجعة فقط لاختلاف لهجات القبائل العربية بل إلى قاعدة تجيز التعدد في القراءة والتفسير وإن كان هناك ما يعيق ذلك ويقضي على الغنى والخصب في فهم وتفسير النص القرآني فليس سوى الترجمة.

لهذا يجعل الكاتب فصلين لعنوانين لافتين هما :هل يقول الله كلاما ذا بدائل؟ وهل يتحدث الله حديثا له أكثر من معنى؟

في المأثور الإسلامي ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب قوله "القرآن حمال أوجه" وهذا بالذات ما يقصده باور، إن تعدد القراءة وتعدد المعنى صفة أصيلة في الإسلام وفي نصه المؤسس الأول وما القراءات السبع أو العشر إلا ذريعة أولى لتعدد المعنى إن ذلك التعدد هو الذي أغنى الإسلام بكل المذاهب الفكرية والفقهية والأصولية وحتى الفنية والأدبية ووجد في رحاب الإسلام قبولا بعكس الحداثة الغربية التي قضت على التعدد ومكنت لإيديولوجيا واحدة في الهيمنة هي الفهم الغربي للعالم ورؤيته  وتفسيره الوحيد هو الممكن والمقبول.

نقد السلفية

ولا ينسى الكاتب أن يوجه نقده للسلفية وأحد شيوخها ابن عثيمين فهو في نظره بتنظيراته وتفسيراته يستلهم دون وعي منه تلك الإيديولوجيا الغربية في إنكار تعدد المعنى و تعدد القراءة وإقرار منهج واحد لا يجيز إلا فهما واحدا وقراءة واحدة لنصوص الإسلام ولعل الجمود التي يتسم به مجتمعه مثلا والنزوع إلى التقليد والاجترار يعود إلى هذه الخلفية السلفية التي ناهضت تعدد المعنى الذي يعد ركيزة في الإسلام.

وما صراعات الوهابية مع الفرق الصوفية والمذاهب الفقهية والدينية وحربها الضروس التي شنتها على المختلفين إلا دليلا على صحة نظر الكاتب.

نقد الليبرالية

لا شك أن الفكر النقدي الذي اتسم به الكتاب وطريقة والطرح والرؤية المنفتحة التي يمتلكها باور قد جعلته يطلع على نقائص فكر التنوير الذي حمله تيار التغريب كما يسمى والليبرالية كما تسمى تارة أخرى.

وقد وجه سهام النقد لها معيبا عليها تقربها من السلطة على حساب القيم التي نافحت عنها وبتنكرها للتراث وشعورها بالنقص أمام الآخر الأقوى (الغرب). صار ذلك الاتجاه التنويري والليبرالي عراب الاستبداد والتغريب ومكرس التبعية.

يتجلى ذلك في نقد الكاتب لطه حسين عميد الأدب العربي. ولاشك أن طه حسين يجنح في كتابه مستقبل الثقافة في مصر إلى تبرير هيمنة الرؤية الغربية بسبب مستوى التقدم والتمدن لكن العميد  لم يكن عرابا للاستبداد وهو صاحب كتاب "المعذبون في الأرض" ووزير التعليم الذي دعا إلى مجانية التعليم، بعكس مثقفين آخرين كانوا ملكيين أكثر من الملك نفسه.

وليس ببعيد أن نجد تزكية لهذا الرأي في مقدمة سارتر لكتاب فرانس فانون "معذبو الأرض" فقد حمل سارتر على البورجوازيات في المستعمرات السابقة ورآها مجرد بوق دعائي للغرب تكرس هيمنته متنكرة لقيمها وثقافتها ولشعوبها في الحرية الكاملة غير المشروطة.

بورجوازية وسيطة أضافت أعباء لشعوبها وخلفت المستعمر في تسيير بلدانها بل كانت وسيطا بينه وبين تلك الشعوب همها أن تحافظ على مكاسبها وامتيازاتها وقد دمغها بالمقولة المشهورة :"نحن نمتلك الكلمات وهم يستعيرونها".

ثقافة عربية وإسلامية مكينة

إن من يقرأ الكتاب سوف يجابه بثقافة عربية وإسلامية مكينة وغزيرة لمؤلف الكتاب فمصادره ومراجعه عريقة تشعر بالتعب والاجتهاد والجهد المبذول.

يتجلى ذلك في الإحالات على المصادر والمراجع مما يعني أن الكاتب لا يصدر عن معرفة سطحية ولا يقدم خطابا إيديولوجيا مناقضا للخطاب الإيديولوجي الاستشراقي المعروف يقوم على المخالفة بغرض الشهرة والتزلف إلى العرب ولكنه خطاب علمي موضوعي تحدوه روح البحث عن الحقيقة والإخلاص لها ولو انتهى إلى نتائج لا يرضى عنها اليمين في أوروبا.

 

 

يقع الكتاب في فصول عديدة بعناوين لافتة ومحفزة مثل: التعدد الحضاري، هل يقول الله كلاما ذا بدائل؟، نعمة الاختلاف، الجد اللغوي والتلاعب اللفظي، النظرة الرزينة للعالم وفي البحث عن اليقين.

عناوين مثيرة لمباحث جريئة تحفر في المخزون الثقافي العربي والإسلامي وتحيل على واقع عربي وإسلامي يتسم بتعدد المعنى والانفتاح مما أعطى ديناميكية ومرونة للفكر الإسلامي سمحت له بهضم الثقافات المجاورة وفي استيعاب أساليب المعيشة واللباس والعادات والتقاليد الموجودة عند الشعوب الإسلامية التي أسلمت في مجاهل إفريقيا وشرق آسيا وشرق أوروبا.

فلولا ديناميكية الإسلام ومرونته ووجود مبدأ تعدد القراءة وتعدد المعنى ما أمكن له أن يحظى بالقبول لدى تلك الشعوب.

يركز الكاتب على العصور التي تلت العصر العباسي الأول عصر التشكل كما يسميه (بدلا من ذلك سنعرض الحضارة الإسلامية في عصر ما بعد التشكل أي في الشكل الذي عليها مواجهة الحداثة فيه، وذلك لأنه سواء في عصر بني بويه أو العصر العباسي الأول  في معظمه يشيران إلى ما نظرنا إلى التاريخ الإسلامي بكامله إلى فترات تكوين لم يكن قد سلمت فيها التيارات الجوهرية التي ارتبطت فيما بعد بالإسلام السني. ولذلك فإنه قد بدا لي من المعقول أن أضع في بؤرة اهتمام دراستي إسلام ما بعد التشكل بجانب إسلام زمن الحداثة).

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة