الانتخابات البرلمانية في إيران واستبعاد حفيد الخميني من انتخابات خبراء القيادة

شظايا الثورة الخمينية تحرق كروت حفيد الخميني السياسية

في إيران لم يُسمح لرجل الدين الإيراني المعتدل حسن الخميني بالترشح لانتخابات مجلس خبراء القيادة، رغم أنه حفيد الإمام الخميني مؤسس جمهورية إيران الإسلامية. وهذا المثال يوضح لماذا يواجه المعتدلون والإصلاحيون في إيران صعوبة كبيرة في التصدي للمؤسسة الدينية المحافظة. الكاتب الألماني أولريش فون شفيرين يسلط الضوء لموقع قنطرة على الانتخابات الجديدة في إيران.

يعتبر آية الله روح الله الخميني، مؤسِّس جمهورية إيران الإسلامية، بمثابة قدِّيس الدولة في جمهورية إيران. حيث يتم وصفه في الخطاب الرسمي كـ"إمام"، ويتم تقريبه بالتالي من أئمة الشيعة الاثني عشر. وكذلك يمكن مقارنة ضريحه الكائن في جنوب طهران وبكلِّ تأكيد من حيث الحجم والروعة مع ضريحي الإمام الحسين في كربلاء والإمام الرضا في مشهد. وعندما يقوم في ذكرى وفاته في بداية شهر حزيران/يونيو مئاتُ الآلاف من الزوَّار بزيارة ضريحه، لا يستطيع المرء التغلُّب على الانطباع بأنَّ هنا يوجد حقًا قديسٌ يتم تبجيله.

ولذلك فمن المثير أكثر للدهشة أنَّ مجلس صيانة الدستور لم يسمح لحفيده الأكبر، حسن الخميني بالإضافة إلى العديد من المرشَّحين الآخرين المعتدلين والإصلاحيين بالترشُّح لانتخابات مجلس خبراء القيادة، التي من المقرر إجراؤها هذا العام 2016 بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية في السادس والعشرين من شهر شباط/فبراير. 

وفي المذهب الشيعي لا يتم منح الأئمة وحدهم أرفع درجات الاحترام والتبجيل، بل كذلك يتم منح هذه الدرجات لأبنائهم وأحفادهم. وبناءً على ذلك أليس من الواجب علينا أن نفترض أنَّ عائلة "الإمام" الخميني تتمتَّع هي أيضًا بقدر معيَّن من الاحترام والتبجيل؟

الشرعية الإيديولوجية والدينية

ولكن مع ذلك فإنَّ حسن الخميني لم يكن يهتم بحماية اسمه. فرجل الدين حسن الخميني، البالغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا، ينتمي إلى معسكر الرئيس حسن روحاني وكذلك الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني. "بفضل أصوله ونسبه كان من المفترض بحسن الخميني أن يضفي الشرعية الإيديولوجية الدينية على جناح روحاني ورفسنجاني الوسطي البرغماتي"، مثلما يقول الخبير في الشؤون الإيرانية علي فتح الله نجاد من "المؤسَّسة الألمانية للسياسة الخارجية".

ضريح الإمام الخميني في طهران. Foto: Tasnim
من حيث الحجم والروعة يمكن من دون ريب مقارنة ضريح الخميني مع ضريحي الإمام الحسين في كربلاء والإمام الرضا في مشهد. وعندما يقوم في ذكرى وفاة آية الله الخميني في بداية شهر حزيران/يونيو مئاتُ الآلاف من الزوَّار بزيارة ضريحه، لا يستطيع المرء التغلُّب على الانطباع بأنَّ هنا يوجد حقًا قديسٌ يتم تبجيله.

وبالتعاون مع الخميني الشاب كان يأمل كلٌّ من روحاني ورفسنجاني السيطرة على مجلس خبراء القيادة. وهذا المجلس المكوَّن من ثمانية وثمانين عضوًا هم من كبار رجال الدين، يعتبر على قدر كبير من الأهمية، لأنَّ من مهماته اختيار مرشد الثورة. وبما أنَّ مرشد الثورة الحالي آية الله علي خامنئي قد أصبح عمره ستة وسبعين عامًا ولم يعد في حالة صحية جيدة، فمن غير المستبعد أن يتم اختيار خليفة له خلال الثمانية أعوام من فترة ولاية مجلس خبراء القيادة.

بيد أنَّ مجلس صيانة الدستور بدَّد الأمل في انتخاب حسن الخميني، عندما رفض هذا المجلس ترشُّحه لانتخابات مجلس الخبراء. صحيح أنَّ حفيد الخميني لم يتم استبعاده رسميًا، إلاَّ أنَّ قبوله فشل رسميًا بسبب عدم تلقيه دعوة إلى اختبار تحريري، بحيث لم تتوفَّر لدى مجلس صيانة الدستور -بحسب ادِّعاء هذا المجلس- المعلومات الضرورية من أجل البت في مؤهلاته.

وبطبيعة الحال لا أحد في إيران يصدِّق هذا الإعلان الرسمي. وليس سرًا أنَّ مجلس صيانة الدستور -المُسيطر عليه من قبل رجال الدين المحافظين- يدرس جيِّدًا ليس فقط قدرات المرشَّحين الشخصية ومؤهلاتهم الدينية، بل يتحقَّق أيضًا من ولائهم للنظام. ومن وجهة نظر مجلس صيانة الدستور يعتبر النظام مرادفًا لمرشد الثورة آية الله خامنئي، ولذلك يستبعد هذا المجلس بانتظام معارضي خامنئي ومنتقديه من الانتخابات.

محاربة "أعداء النظام"

بعد الثورة الإسلامية في عام 1979 كان يعتبر في البداية مؤيِّدو الملكية والشيوعيون والليبراليون ومجاهدو خلق أعداءً للنظام، وفي وقت لاحق تم توسيع هذا المصطلح ليشمل أيضًا القوميين-المتديِّنين والإسلاميين اليساريين وفي آخر المطاف الإصلاحيين أيضًا. ومنذ الاحتجاجات ضدَّ إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد المثيرة للجدل في عام 2009 صار المحافظون ينظرون إلى جميع دعاة الإصلاحات السياسية على أنَّهم أعداء للنظام.

ولكن من الميثير للمفاجأة أن ينطبق هذا الأمر أيضًا على حسن الخميني، الذي يعتبر كبير أسرة الخميني كونه أكبر أبناء أحمد الخميني. صحيح أنَّ أحمد هذا كان فقط الابن الثاني لمؤسِّس جمهورية إيران الإسلامية، ولكن أكبر أبناء الخميني، مصطفى، توفي قبل الثورة بعامين - ومن المفترض أنَّه قُتل على يدّ مخابرات الشاه. أمَّا حسين الخميني - ابن مصطفى الوحيد - فهو يرفض النظام الحالي رفضًا تامًا.

رفسنجاني (يمين) وحسن الخميني (يسار). Foto: Tasnim
بالتعاون مع الخميني الشاب كان يأمل كلٌّ من روحاني ورفسنجاني السيطرة على مجلس خبراء القيادة. بيد أنَّ استبعاد حسن الخميني من قبل مجلس صيانة الدستور يمثِّل نكسة بالنسبة للإصلاحيين. في منتصف شهر كانون الثاني/ يناير 2016 تم رفض سبعة آلاف طلب من أصل اثني عشر ألف طلب كانت مقدَّمة من مرشَّحين للانتخابات البرلمانية، الامر الذي انتقده الرئيس روحاني. وفي المقابل أصرَّ خامنئي على أنَّ المرشَّحين للانتخابات يجب أن يتم اختبارهم بعناية وإسهاب من قبل مجلس صيانة الدستور.

ولهذا السبب فقد تم تكليف حسن الخميني بإدارة ضريح جده وكذلك إدارة المعهد القائم على نشر كتاباته. لقد ابتعد حسن الخميني فترة طويلة عن السياسة وكرَّس جهده لدراسته الدينية بالإضافة إلى إدارة تركة جده. واليوم صار يحمل درجة حجة الإسلام ويدرِّس في الحوزة العلمية في مدينة قم أصول الفقه (بالفارسية: تدريس خارج اصول فقه)، وهو أرفع مستوى في دراسات الشريعة الإسلامية هناك.

دعم "الحركة الخضراء"

ولكن مع ذلك فقد أقلع حسن الخميني عن موقفه الحيادي بعد الانتخابات المثيرة للجدل في عام 2009، ودعم الإصلاحيين مير حسين موسوي ومهدي كروبي. وأكسبه ذلك عداءً شديدًا من قبل المتشدِّدين المحافظين، وبلغ هذا العداء حدَّ تعرُّضه في مرقد جده في أثناء الاحتفال بالذكرى السنوية لوفاة الخميني في شهر حزيران/يونيو 2010 لشتائم وهتافات منها: "الموت للمنافقين" و"الموت لمعارضي النظام".

وفي تلك الأيَّام تساءل الناس مندهشين: هل يجوز لهم فعل ذلك؟ وعلى الرغم من أنَّ هذا الحادث قد تسبب بانتقادات حادة من جانب الإصلاحيين، بيد أنَّ خامنئي لم يذكر هذه الهتافات بكلمة واحدة حينما صعد إلى المنبر بعد حسن الخميني بفترة قصيرة. وعندما أعلن في شهر كانون الثاني/يناير 2016 حسن الخميني عن ترشُّحه لمجلس خبراء القيادة، تعرض مجدَّدًا لهجوم حاد من قبل المتشدِّدين، وقد تم التشكيك حتى بمؤهلاته الدينية.

وإثر ذلك أكَّد حسن الخميني على أنَّه سيعمل الآن فقط من أجل تحقيق وصية جده - أي: "الدفاع حتى الموت عن مبادئ الجمهورية الإسلامية". غير أنَّ رئيس تحرير صحيفة "گيهان" المحافظة المتشدِّدة، حسين شريعتمداري، كتب ردًا على ذلك: ليس حسن الخميني بل رجل الدين نمر النمر - الذي تم إعدامه في بداية شهر كانون الثاني/يناير في المملكة العربية السعودية - هو "الحفيد الحقيقي للإمام الخميني".

علي فتح الله نجاد. Foto: privat
"لم يَعُدْ المتشدِّدون يعتمدون على أسرة الخميني. كما أنَّ رجال الدين الشيعة لم يعودوا يشكِّلون على الإطلاق مركز السلطة في إيران. والكثيرون من رجال الدين يتعاطفون اليوم مع الإصلاحيين، ولكن مركز السلطة يكمن في أيدي مرشد الثورة خامنئي والحرس الثوري الإيراني"، بحسب رأي الخبير في الشؤون الإيرانية علي فتح الله نجاد.

وحول ذلك يقول الخبير في الشؤون الإيرانية علي فتح الله نجاد: "لم يَعُدْ المتشدِّدون يعتمدون على أسرة الخميني". وأنَّ رجال الدين الشيعة لم يعودوا يشكِّلون على الإطلاق مركز السلطة في إيران: "الكثيرون من رجال الدين يتعاطفون اليوم مع الإصلاحيين، ولكن مركز السلطة يكمن في أيدي مرشد الثورة خامنئي والحرس الثوري الإيراني". وبالتالي فإنَّ خامنئي يستطيع أن يأخذ على عاتقه استبعاد حفيد الخميني - بصرف النظر عما إذا كانت حجج هذا الاستبعاد مقنعة.

صراع على السلطة في الدولة

وهذه القضية تظهر أنَّ الدور الحقيقي الذي يلعبه اسم الخميني في سياسة إيران بات يتضاءل باستمرار. وعلى الرغم من أنَّ جميع المعسكرات السياسية لا تزال تعتمد على مؤسِّس الجمهورية الإسلامية، من أجل إضفاء الشرعية على سياساتها، وتحاول تقديم أنفسها على أنَّها وريثته الحقيقية، ولكن بات من الواضح منذ فترة طويلة أنَّ الجميع يستشهدون فقط بأقواله التي تتناسب مع روايتهم الخاصة. 

وفي نهاية المطاف لا يمكن لكلِّ هذا الخطاب حول الخميني والثورة والإسلام أن يغطي على أنَّ الأمر يتعلَّق في المقام الأوَّل بالسلطة. إذ إنَّ مَنْ لديه السلطة يمتلك القرار - وإذا اقتضت الضرورة يمتلكه حتى من دون الشرعية.

وبناءً على ذلك فإنَّ حسن الخميني وغيره من المرشَّحين المستبعدين لن يستفيدوا كثيرًا من إثبات أنَّهم يمتلكون المؤهلات الدينية المطلوبة للمشاركة في انتخابات مجلس خبراء القيادة. وكذلك لن يفيدهم في أي شيء إثباتُهم أنَّ مطالبهم بالمزيد من المشاركة والتعدُّدية والحقوق المدنية تعتبر مطالبَ مطابقة للدستور.

خاصة وأنَّ الصراع على انتخابات عام 2009 قد أظهر أنَّ الإصلاحيين لم يجنوا أي شيء من امتلاك الشرعية السياسية. وطالما بقي المحافظون يمتلكون السلطة، فيمكنهم عندئذ استبعاد المعتدلين والإصلاحيين - وهم يفعلون ذلك أيضًا.

 

 

أولريش فون شفيرين

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.qantara.de 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.